Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مسالك المحسنين" يكشف فساد النخبة الإيرانية مطلع القرن الـ20  

كتاب لعبدالرحيم طالبوف صدر عام 1905 وأسهم في "الثورة الدستورية"

مشهد من فيلم "طعم الكرز" للمخرج الإيراني عباس كياروستامي (ملف الفيلم)

ملخص

يعد كتاب "مسالك المحسنين" للكاتب الإيراني عبدالرحيم بن أبي طالب بن عليمراد "طالبوف" (1834–1911)، أحد أهم المؤلفات التي شكلت الوعي الذي أفرز الثورة الدستورية في إيران عام 1906 عبر سياق واقعي يتكئ على التخييل الأدبي، ومن ثم فإنه يعد من بواكير الأدب الإيراني الحديث.

يسرد كتاب "مسالك المحسنين"، وهو من تأليف عبدالرحيم طالبوف، الذي يعد من أبرز رواد الأدب الإيراني الحديث، وقائع رحلة خيالية لبعثة علمية، كلفت صعود جبل دماوند (الأعلى في إيران) وتفقد القمة الجليدية للناحية الشمالية منه وجمع بيانات وافية عن المكان ورسم خريطة له، لكنه احتوى في ثناياه نقداً لاذعاً لنظام الحكم، كاشفاً عن ترهل الجهاز الإداري، وعن بنية المجتمع الطبقية، وينتقد سطوة رجال الدين، والإقطاعيين، والانهيار الاقتصادي والصحي والتعليمي، ورسوخ الأفكار الرجعية، بتواطؤ ممن يصنفون باعتبارهم مستنيرين. الكتاب صدرت طبعته الأولى في ربيع عام 1905، فأثار غضب المنتمين إلى قوى الاستبداد ورجال الدين المتعصبين، فحظروا قراءته وكفروا مؤلفه، كما جاء في تقديم الكاتب الإيراني باقر مؤمني.

يرى مؤمني أن هذا الكتاب يعكس تأثر طالبوف بالفكر الاشتراكي الديمقراطي، الذي عرفه من كثب على مدى سنوات طويلة عاشها في مناطق عدة من القوقاز، ويعكس أثر اطلاعه على أساليب الحياة العصرية ونظم الحكم الحديثة، ومن ثم حمل على عاتقه مهمة تعريف الإيرانيين بمفهوم القانون، وتوضيح دوره في تنظيم حياة الشعوب وحماية الحقوق. وصدر الكتاب مترجماً إلى العربية من الفارسية، بواسطة أستاذة الأدب الفارسي الحديث في كلية الآداب في جامعة القاهرة إيمان عرفة، لحساب المركز القومي للترجمة.

لوحة بانورامية

ينسج الكتاب لوحة بانورامية للمجتمع الإيراني في مطلع القرن الـ20، كاشفاً عن شرائحه وطبقاته المختلفة، وصراع الأفكار بين الرجعية والتقدم، ويطرح رؤية للنهوض بالمجتمع نفسه من عثراته. ومن ثم فإن إن الصعود إلى "دماوند"، هنا، يرمز إلى حتمية الارتقاء الشاق في مدارج الوعي، فبينما كان الرحالة يجمعون بيانات الجليد، كانوا في الحقيقة يذيبون جمود العقول، ليخبرونا أن خرائط الأوطان لا ترسم بالمداد، بل تخط بمدى قدرتنا على مواجهة مرايانا، وأن طريق "المحسنين"، أو الإصلاحيين، يبدأ من نقد الذات.

وبحسب مقدمة باقر مؤمني، فإن طالبوف يعد أحد أبرز مؤسسي الأدب الفارسي الحديث، وله أعمال ترجمها من الروسية، علماً أن لغته الأم هي التركية - الأذرية. وتميزت كتابات طالبوف عموماً بالدعوة إلى التنوير ومناهضة الحكم الاستبدادي. ولد في مدينة تبريز، وفي سن الـ17 هاجر إلى القوقاز، وتحديداً إلى مدينة تفليس (تبليسي عاصمة جورجيا حالياً) وكانت في ذلك الوقت معبراً بين روسيا وإيران، ومنبعاً للأفكار الثورية والتقدمية، فضلاً عن الفكر الاشتراكي، وعمل في مجال المقاولات. وبعدما حقق ثروة من المال انتقل إلى تمرخان شورا (بويناكسك عاصمة داغستان حالياً) وفي عام 1899 ذهب إلى طهران، وفي العام نفسه ذهب إلى مكة لأداء فريضة الحج.

ومن أهم محطات حياته أنه أسس مدرسة في باكو (عاصمة أذربيجان) بمشاركة حاجي ميرزا نصرالله الشهير بـ"ملك المتكلمين" لتعليم أبناء الجالية الإيرانية وتثقيفهم وفقاً للأساليب الحديثة. بعد قيام الثورة الدستورية في إيران عام 1906، انتخب طالبوف من قبل أهالي تبريز نائباً عن مقاطعة أذربيجان في البرلمان الإيراني، وعلى رغم أنه رحب بالأمر إلى أنه آثر البقاء في مسقط رأسه على الذهاب إلى مقر البرلمان في طهران متعللاً بضعف بصره واعتلال صحته عموماً.

إلا أنه على الأرجح كان يخشى أن يتعرض لمساءلة حكومية حول كتابه "مسالك المحسنين" الذي اعتبره الأمير ميرزا بن ناصر الدين شاه من الكتب المضللة. ويؤكد هذا الرأي ما ذكره المؤرخ أحمد كسروي ضمن الأحداث التي وقعت في طهران في شهر صفر 1325هـ/ 1907م من أن الشيخ فضل الله نوري قد كفر طالبوف على خلفية بعض الموضوعات التي تطرق إليها في كتاب "مسالك المحسنين".

أسلوب روائي      

وترجع أهمية طالبوف في تاريخ الأدب الفارسي الحديث إلى أنه، كما تقول المترجمة إيمان عرفة، أسس أسلوباً جديداً في الكتابة الأدبية، ليقربها من فهم العامة، وقارئ أعماله يستطيع أن يلحظ تأثره باللغات العربية والتركية والفرنسية والإنجليزية والروسية. ويرجع إليه الفضل في نقل عديد من الكلمات والمصطلحات الأوروبية الحديثة إلى الفارسية. وهو أول أديب إيراني يهتم بأدب الأطفال والناشئة في العصر الحديث.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى رغم الصورة القاتمة التي قدمها طالبوف للأحوال العامة السائدة في المجتمع الإيراني آنذاك، فإنه قدم حلولاً واقتراحات للإصلاح، وجعل من النقد وسيلة، لا غاية. ومن هنا - تقول عرفة - اهتم طالبوف في هذا الكتاب بتعريف القارئ الإيراني بمعنى المدنية والتحضر والنظم السياسية الحديثة وأسباب تقدم الدول الأوروبية ومعنى الحرية والمساواة وغيرها من الموضوعات التي تطرق إليها في قالب أدبي لا يخلو من نزوع فلسفي ومبتغى إصلاحي على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وقبلهما على الصعيد الديني عبر تعرية انتهازية الملالي ودعمهم قوى الاستبداد ومناهضتهم الحركات الإصلاحية المنادية بدستور مدني، وبالأخذ بأسباب النهوض.

نزوع فلسفي

واقترب طالبوف في هذا العمل من الأسلوب الروائي، من طريق استخدام تقنية السرد المشهدي، وتقنية الحوار بين الشخصيات لبلورة أفكاره الإصلاحية، ومكامن الفساد في إيران أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20. إن الصورة التي رسمها طالبوف في هذا الكتاب، رصدها مؤمني كالتالي: رباط القوافل يعمه الهرج والمرج، يقيم فيه أناس تعساء من القرويين والعمال والتجار والملاك، وجميعهم يئنون من ظلم الحكام، المدن كالقبور والمزابل، أما الناس فلا ينعمون بأي نوع من الأمن تحت وطأة سياسات الحكومة الاستبدادية. وفي تلك الحقبة أحكم الأجانب الدائرة على الحكومة والشعب، من ناحية، ومن ناحية أخرى كان الناس يهاجرون إلى الدول الأجنبية فراراً من الاستبداد، وفي هذه الأرض الخربة غابت مظاهر المدنية والصحة والثقافة والطرق الممهدة والاقتصاد الحديث، بتعبير مؤمني في سياق استعراضه لمحتوى الكتاب.

ويضيف أن الأسر المادي ذاك، اقترن بأسر روحي للشعب على أيدي الملالي الرجعيين، فباتت "الأمة جاهلة، والمجتمع تسوده البربرية، والرؤساء خائنون متكبرون، والدين معدوم، والصداقة وهم". وكان موظفو الحكومة يضطرون إلى تقديم الهدايا لـ"قبلة العالم"، أي الشاه، "للحفاظ على مناصبهم، ثم ينزلون على رؤوس العباد ألوان البلاء وفق هواهم ولا يحاسبهم أحد". أما القضايا الفلسفية المطروحة في الكتاب، فتتعلق بحركة الأشياء والعلاقة بينها، طبيعة الأشياء وماديتها، العلم والعقل، فضيلة الإنسان، الجبر والاختيار، والضعف الإنساني. وبحسب مؤمني يبو في كل تلك القضايا الفلسفية نوع من التناقضات والمواءمات، والتي تتناغم مع المسائل الاجتماعية المطروحة في الكتاب، "ولكن الأمر السائد في هذا الإطار هو الواقعية والبحث عن الكمال".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة