Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن وطهران تنتصران في إسلام آباد... فمن الخاسر؟

هل اكتفى الطرفان بتوزيع الخسارة بينهما كمدخل لهذا الانتصار الذي حافظت به أميركا على صورتها داخلياً ونجح النظام الإيراني في تحصين بقائه؟

تؤدي صلاة الظهر بينما يتجمع الناس في طهران بعد الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، 8 أبريل 2026 (أ ف ب)

ملخص

غير أن التحدي الأبرز الذي يواجه هذا التفاهم، هو الموقف الذي سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعلانه، بفصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق أميركي - إيراني لوقف الحرب، مما يعني إمكان استمرارها على الجبهة اللبنانية، وهذا التحدي يشكل اختباراً لصدقية الطرفين الأميركي والإيراني على حد سواء.

في اليوم الـ40 للحرب، أعلنت باكستان، التي لعبت دور الوسيط، التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران لوقف إطلاق النار موقتاً لمدة أسبوعين، على أن يكون أرضية لفتح مسار تفاوضي جديد، من أجل التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء النزاع والعداء المستمر بين الطرفين.

مع الساعات الأولى لإعلان تفاهم أو اتفاق إسلام آباد، سارعت كل من واشنطن وطهران لإعلان النصر على الطرف الآخر، وأن كلاً منهما حقق الأهداف التي أرادها من هذه الحرب. إدارة "البيت الأبيض" بقيادة الرئيس دونالد ترمب من خلال مقايضة وقف العمليات الحربية بإعادة فتح مضيق هرمز، وإيران بأنها استطاعت فرض شروطها الـ10 بديلاً عن الشروط أو النقاط الـ15 التي وضعها ترمب.

وإذا كان كلا الطرفين قد حقق النصر، فإن السؤال الجوهري الذي يطرحه هذا النصر: من هو الطرف الخاسر؟ وهل اكتفى الطرفان بتوزيع الخسارة بينهما كمدخل لهذا الانتصار التاريخي الذي استطاعت من خلاله واشنطن الحفاظ على صورتها أمام جمهورها الداخلي حصراً، ونجح النظام الإيراني في تحصين بقائه واستمراريته، في حين أن الخاسر لن يكون قادراً على رفع الصوت لإعلان خسارته أو المطالبة بالاعتراف به خاسراً؟

في اليوم الـ40 للحرب، يستعد النظام الايراني للاستفادة من فرصة الأسبوعين لإعادة ترميم صورته الداخلية. من خلال الدعوة التي أطلقها المجلس الأعلى للأمن القومي وقيادة حرس الثورة للجمهور الإيراني للبقاء في الساحات والاحتفال بالانتصار الكبير الذي حققته القوات المسلحة، وأيضاً من خلال الاستعداد لإطلاق احتفاليات شعبية في كل إيران بمرور 40 يوماً على اغتيال المرشد الأعلى السابق. التي قد تترافق مع إعلان موعد تشييع جثمانه إلى مثواه الاخير في مدينة مشهد الدينية شرق إيران، وتحويل هذه المناسبة إلى فرصة لتعزيز الشرعية الشعبية لسياسات المرشد السابق والنظام وبيعة للمرشد الجديد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والأنشطة المقررة لاحتفاليات أربعينية اغتيال المرشد قد تستمر لأيام، وتتنقل بين المدن والمحافظات الإيرانية كافة، بالتزامن مع التحضير لتشييع جنازته، مما يعني أن النواة الصلبة للنظام والقرار في إيران ستستغل هذه الفرصة لإشغال الشارع الشعبي لمدة أسبوعين في الأقل، بما يسمح لها بقطع الطريق على أي إمكان لتحرك معارض أو منتقد على المستوى السياسي أو في الشارع، بالتالي توظيف هذا الحدث لتمرير الوقت وصولاً إلى موعد الانتقال إلى المفاوضات المتعلقة بالنقاط العالقة والأكثر أهمية والأعمق استراتيجياً بالنسبة إلى طرفي النزاع، مع إمكان أن تسمح هذه المرحلة بتمهيد الأرضية لأول ظهور علني للمرشد الجديد في حال كانت حاله الصحية تسمح بذلك نتيجة الإصابة التي تعرض لها في استهداف مقر المرشد السابق.

ولا شك أن ما تسرب من تفاصيل التفاهم الموقت جعله أميركياً محصوراً في إعادة فتح مضيق هرمز في مقابل وقف العمليات العسكرية، مع إشارة سبقت الاتفاق وصدرت عن الرئيس ترمب وصفت البنود الإيرانية الـ10 بأنها تشكل أساساً لخطوة إيجابية بين الطرفين نحو اتفاق دائم.

لكن اللافت في هذا السياق، وجود مؤشرات على تفاهم غير معلن جرى بين الطرفين برعاية من الوسيط الباكستاني وإسهام فاعل من الحليفين الروسي والصيني، مهد الأرضية لإخراج الملفين النووي والباليستي عن جدول نقاط التقاهم الموقت، وتأجيله لمرحلة الثانية من الاتفاق الدائم والشامل الذي من المفترض أن يؤسس لمرحلة جديد من العلاقة بين واشنطن وطهران، فيها كثير من التعاون على مختلف المستويات الاقتصادية وحتى السياسية، ضمن مسار يؤسس لإعادة تطبيق العلاقة بينهما في المستقبل الذي قد لا يكون بعيداً.

والاتفاق بين واشنطن وطهران للتفاوض على مرحلتين، سبق أن أشار إليه وزير الخارجية السابق ومسؤول التفاوض في اتفاق عام 2015 محمد جواد ظريف، في مقالة له نشرها بمجلة "فورين أفيرز" الأميركية قبل أيام، وتضمن خريطة طريق للطرفين للوصول إلى اتفاق دائم ونهائي يسمح بإنهاء حال العداء والتخلي عن استخدام القوة العسكرية كلغة للحوار بينهما، والبناء على المصالح الاقتصادية المتبادلة.

وأية عملية استقراء لتفاصيل خريطة الطريق التي وضعها ظريف في مقالته، وبين البنود التي جرى تسريبها في التفاهم الموقت، تحمل على الاعتقاد بأن نوعاً من هذا الطرح لم يكن بعيداً مما كان يدور من أفكار لدى القيادة الإيرانية حول إنهاء هذه الحرب، وأن ظريف لم يكن ليقدم على هذا الفعل لو لم يحصل على تفويض في طرح هذه الأفكار، خصوصاً أنها جاءت في اللحظة الأكثر تصعيداً في مسار الحرب، التي انتقلت إلى استهداف الأصول الاقتصادية والحياتية لإيران.

التخلي الإيراني عن السقف العالي الذي وضعته باتفاق لإنهاء الحرب دائم وشامل وبضمانات عدم العودة للخيار العسكري، يكشف عن وجود صراع خفي داخل دوائر القرار الايراني الضيق، وصولاً إلى الدوائر الوطنية المعنية باستمرار التجربة أو الحفاظ على إيران وسيادتها ومقوماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وحتى القومية والاستراتيجية. وأن القبول بالتفاوض على مرحلتين، على رغم أخطار انهياره في أية لحظة، يشكل نقطة تحول في العقل السياسي والقيادي في التركيبة هذه النواة. وأنها مع ما تبديه من تشدد وتمسك بالأبعاد العقائدية والأيديولوجية لهذا الصراع، فإنها لم تسقط خياراتها البرغماتية التي تجد مسوغاتها الأيديولوجية بأولوية العمل من أجل الحفاظ على النظام واستمراره.

غير أن التحدي الأبرز الذي يواجه هذا التفاهم، هو الموقف الذي سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإعلانه، بفصل الساحة اللبنانية عن أي اتفاق أميركي - إيراني لوقف الحرب، مما يعني إمكان استمرارها على الجبهة اللبنانية، وهذا التحدي يشكل اختباراً لصدقية الطرفين الأميركي والإيراني على حد سواء. ففي مقابل مسارعة طهران بإعلان وقوفها إلى جانب حليفها على الساحة اللبنانية إذا ما استمرت تل أبيب بالهجمات على لبنان، فإن إدارة "البيت الأبيض" ستكون أمام اختبار لقدرتها على فرض إرادتها على القيادة الإسرائيلية وإجبارها على الالتزام التام بالتفاهم. وإما أن تذهب إلى خيار مشابه لما قامت به مع اليمن في عملية "حارس الازدهار" عندما عقدت صفقة ثنائية مع الحوثيين في صنعاء، تاركة تل أبيب تواجه لوحدها الصواريخ والمسيرات الحوثية ضد منشآتها. خيار قد يكون على الرئيس ترمب اتخاذه مرة جديدة في مقابل الحفاظ على التفاهم مع طهران، وضمان عودة الحركة في مضيق هرمز وإمدادات الطاقة.

المزيد من آراء