ملخص
في بامبلونا، يتحول أوساسونا إلى ظاهرة كروية فريدة، حيث تصنع الجماهير جحيماً للخصوم في "إل سادار"، بينما تقود الشفافية والإدارة الذكية نادياً متوسطاً نحو الاستقرار والتألق على رغم التحديات.
في مدينة مثل بامبلونا الإسبانية، التي تعرفها الغالبية من خلال مهرجان الركض أمام الثيران، لا تبدو كرة القدم حدثاً منفصلاً عن طبيعة الحياة اليومية، بل امتداداً لها، إذ تحمل الشوارع ذات الطابع التقليدي إيقاعاً متماسكاً يجمع بين الحدة والانضباط، وهو ما ينعكس بوضوح على هوية نادي أوساسونا الرياضي، الذي لا يقدم نفسه كناد كبير في كرة القدم الإسبانية، لكنه يفرض حضوره من خلال طاقة جماهيرية مكثفة، وقدرة مستمرة على تحويل الضغط إلى سلاح يصعب مواجهته.
في زيارة "اندبندنت عربية" إلى نادي أوساسونا، وحضور مباراته ضد فياريال ضمن الجولة الـ22 بالدوري الإسباني، لم يحتج الأمر إلى كثير من الوقت داخل ملعب "إل سادار" لإدراك الطبيعة الخاصة لهذا النادي، فالمسافة القريبة بين المدرجات وأرضية الملعب، والانحدار الحاد في تصميمها، والصوت المتصاعد من آلاف المشجعين الذين يرتدون القمصان الحمراء، تخلق بيئة تختلف عن كثير من ملاعب إسبانيا، إذ لا تبدو المباراة مجرد تنافس رياضي، بل تجربة حسية كاملة، يصبح فيها الصوت جزءاً من الأداء، والضغط الجماهيري عاملاً مؤثراً في إيقاع اللعب.
إسقاط ريال مدريد يبرز قوة أوساسونا في "إل سادار"
استهل ريال مدريد العام الحالي بتحقيق ستة انتصارات متتالية في الدوري الإسباني بعد إنهاء 2025 بفوزين متتاليين على ديبورتيفو ألافيس وإشبيلية، ليصل الفريق الملكي إلى الجولة الـ24، وقد جمع 60 نقطة لينتزع موقع صدارة الترتيب العام من غريمه برشلونة الذي حافظ على القمة منذ الجولة الـ14.
لكن سرعان ما انتهى سعي ريال مدريد إلى الحفاظ على الصدارة حين تعرض لهزيمة مفاجئة بنتيجة (1 - 2) على يد مضيفه أوساسونا في ملعب "إل سادار" ضمن مباريات الجولة الـ25، ليتوقف رصيد الفريق الملكي عند 60 نقطة، فيما استعاد برشلونة القمة، إذ رفع رصيده إلى 61 نقطة.
ربما كانت الهزيمة مفاجئة لجماهير ريال مدريد المنتشرة في شتى بقاع العالم، لكن مدرب الفريق ألبارو أربيلوا كان يعلم جيداً مدى صعوبة مواجهة أوساسونا في ملعبه وسط جماهيره، وقال في مؤتمره الصحافي قبل المباراة "لقد مر شهران من دون أن يخسروا على أرضهم، إنهم فريق يتمتع بديناميكية عظيمة، كلنا نعرف مدى صعوبة ملعب إل سادار بالنسبة إلى ريال مدريد، لقد فزت هناك مرة واحدة فقط عندما لعبت هناك".
كان أربيلوا لاعباً في الدوري الإسباني بين موسمي (2004 - 2005) و(2013 - 2014)، وواجه أوساسونا بقميص ريال مدريد في ملعب "إل سادار" في خمس مباريات، خرج منها بفوز واحد في مقابل هزيمة واحدة وثلاثة تعادلات. ومع ديبورتيفو لاكورونيا خسر من أوساسونا بنتيجة (1 - 4) في موسم (2006 - 2007)، لذلك فلم تكن مفاجأة بالنسبة إليه أن يتلقى هزيمته الأولى كمدرب رئيس للفريق الملكي في الدوري الإسباني أمام أوساسونا، في ملعب يعد من بين الأصعب والأكثر ضغطاً على الضيوف في إسبانيا وأوروبا.
بالتأكيد لم يكن ريال مدريد الضحية الوحيدة لأوساسونا في "إل سادار" خلال الموسم الحالي (2025 - 2026)، إذ خاض الفريق 14 مباراة في ملعبه حتى الجولة الـ30، حقق خلالها ثمانية انتصارات وأربع تعادلات وخسر في مباراتين فقط أمام سيلتا فيغو والجار الباسكي ريال سوسيداد.
القوة التي يمنحها ملعب "إل سادار" وجماهيره لفريق أوساسونا تبدو كصورة في المرآة للعلاقة المتشابكة بين هذا النادي العريق الذي تأسس في 1920 وجماهيره الوفية التي تحيطه بالاهتمام والدعم وتحظى باهتمام متبادل من النادي وإدارته، وصلاحيات للوصول والمشاركة في أدق التفاصيل والقرارات، مما يجعله نادياً مثالياً لمحيطه في مدينة بامبلونا ومقاطعة نافارا، وبقية جماهيره في إسبانيا.
أعلى صوت في تاريخ ملاعب إسبانيا
وكما في السقوط الأحدث لريال مدريد المرصع بأغلى نجوم كرة القدم الأوروبية والعالمية حالياً مثال على الضغوط التي يتعرض لها الضيوف في "إل سادار"، يحكي التاريخ القريب قصة أكثر إثارة عن أجواء هذا الملعب المرعب، وقد كان ريال مدريد هو الضحية أيضاً، ففي الـ31 من مايو (أيار) 2009 حققت جماهير أوساسونا رقماً قياسياً في تاريخ الدوري الإسباني عبر الاحتفال بفريقها للحظات حملت عنوان "أعلى صوت جماهيري في تاريخ إسبانيا"، وذلك خلال مواجهة ريال مدريد في الجولة الأخيرة من موسم (2008 - 2009).
دخل أوساسونا مباراته أمام ريال مدريد، وهو في المركز الـ18 ضمن منطقة الهبوط، ويحتاج إلى الفوز مع تعثر منافسيه للبقاء في الدورجة الأولى، ونجح الفريق في تحقيق فوز دراماتيكي بنتيجة (2 - 1)، بالتزامن مع تعثر أقرب منافسيه خيتافي وريال بيتيس، مما سمح له بالقفز إلى المركز الـ15 والبقاء في الدوري، فيما هبط ريال بيتيس.
وبعد أن بدا أوساسونا في طريقه للهبوط، إذ كانت النتيجة هي التعادل (1 - 1) مع ريال مدريد في الشوط الأول، قلب خوانفران توريس الموازين بهدف مذهل في الدقيقة الـ60 بتسديدة طائرة من خارج منطقة الجزاء سكنت شباك حارس مرمى ريال مدريد إيكر كاسياس، الذي قال بعد المباراة "لا يوجد ملعب أفضل من هذا للاحتفال بهدف كهذا".
اللحظة التاريخية لم تقتصر على النتيجة فقط، إذ انفجر 19239 مشجعاً في المدرجات بهتافات بلغت شدتها 115.17 ديسيبل، وهو مستوى يقارب صوت محرك طائرة، ولا يزال حتى اليوم أعلى صوت جماهيري مسجل في ملاعب الدوري الإسباني.
أفضل ملعب في العالم
ارتباط جماهير أوساسونا بملعب "إل سادار" الذي تأسس في 1967 وثيق إلى درجة نادراً ما يوجد مثلها في عصر احتراف واستثمار كالذي تعيشه كرة القدم حالياً بخاصة في أوروبا، وتعد عملية تجديد الملعب خير مثال على ذلك، إذ قرر النادي في يوليو (تموز) 2018 تجديد الملعب الذي احتفل في سبتمبر (أيلول) 2017 بمرور 50 سنة على تشييده، ليواكب متطلبات كرة القدم الحديثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واختارت إدارة أوساسونا التصميم الجديد لملعبها بمشاركة أعضاء النادي، بعد عملية تصويت شهدت أعلى نسبة مشاركة في تاريخ النادي، وأسفرت عن اعتماد مشروع يتضمن زيادة السعة الجماهيرية إلى 23500 متفرج، وفاز به تصميم "مورو روخو". إذ دعت الإدارة جميع الأعضاء الذين تزيد أعمارهم على 18 سنة إلى التصويت، وشارك أكثر من 11 ألف عضو، بنسبة بلغت 75 في المئة.
هذا التصويت التاريخي أسفر عن خروج الملعب الجديد الذي اختير كـ"أفضل ملعب في العالم لعام 2021" من منصة "ستاديوم داتابيز"، ليصبح أول ملعب في الدوري الإسباني ينال هذا اللقب خلال أول 10 نسخ من الجائزة، من بين 23 منشأة رياضية مرشحة حول العالم أنجز بناؤها أو تجديدها خلال 2021.
أسرة واحدة كبيرة
قبيل مواجهة فياريال التي انتهت بالتعادل (2 - 2) في الـ31 من يناير (كانون الثاني) الماضي، التي حضرها 20455 مشجعاً، كانت جماهير أوساسونا تزين شوارع المدينة وتتحرك في محيط ملعب "إل سادار" وتتجمع داخل وحول الحانات الملحقة به، وكأنها أسرة واحدة كبيرة.
مسؤول الاتصالات الدولية في نادي أوساسونا هيكتور كاستيلتورت قال لـ"اندبدنت عربية" مازحاً "هنا في بامبلونا الحرية مكفولة للجميع، حرية الرأي والاعتقاد في كل شيء إلا في ما يخص الانتماء الكروي، الجميع يحب ويدعم أوساسونا".
لكن هذا الوجه الصاخب للنادي يخفي خلفه تاريخاً أكثر تعقيداً، إذ لم يكن أوساسونا بعيداً من الأزمات التي ضربت عدداً كبيراً من الأندية متوسطة الحجم في إسبانيا وأوروبا، بخاصة في العقد الماضي، حين واجه مشكلات مالية حادة راكمت عليه الديون لسنوات، مما أدى إلى تهديد وجوده في المنظومة الاحترافية.
وانعكست أزمات النادي بطبيعة الحال على أرض الملعب، إذ لم يكن هبوط الفريق من دوري الدرجة الأولى الإسباني في 2014 مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة متأخرة لوضع مختل منذ سنوات. فقد كان الفريق محدود الموازنة لفترة طويلة وعاجز عن إبرام تعاقدات جيدة، ويعتمد على حلول موقتة، لكن الأسوأ أن الهبوط لم يكن نهاية الأزمة، بل بداية مرحلة أكثر خطورة، إذ بات النادي مهدداً فعلياً بالإفلاس والانزلاق إلى درجات أدنى، وهي منطقة غالباً لا يعود منها أحد.
الشفافية سر معجزة أوساسونا
معجزة أوساسونا الحقيقية أن نقطة التحول لم تأت من خلال معجزة، بل بقرارات صادمة في بساطتها وقسوتها. فمع وصول الإدارة الجديدة في 2014 برئاسة لويس سابالثا، الذي لا يزال رئيساً لأوساسونا، بدأ النادي أولاً بمواجهة الحقيقة بدل الهرب منها، وعمل على تصفية القضايا والمشكلات القانونية، وإعادة جدولة الديون، وفرض شفافية غير معتادة مع الجماهير.
ثم جاءت الخطوة الأهم، وهي تبني سياسة مالية صارمة تقوم على مبدأ يبدو بدهياً، لكنه نادر في كرة القدم الاستثمارية الحالية، وهو عدم الإنفاق من دون غطاء مالي، فتم خفض الرواتب والاعتماد على لاعبي الأكاديمية كمصدر أساس لبناء الفريق الأول، بدلاً من الارتهان لسوق الانتقالات.
وقد كان في هذه الخطوة عودة لطبيعة وفلسفة النادي التي ميزته منذ تأسيسه، إذ كان يعتمد على تطوير اللاعبين الصاعدين ومنح أبناء الأكاديمية الفرصة للتدرج، وصولاً إلى الفريق الأول.
وخلال السنوات الماضية أصبح أوساسونا واحداً من أكثر الأندية شفافية في إسبانيا وأوروبا، فعندما يعلن النادي التعاقد مع لاعب جديد أو رحيل آخر، ليس من المستغرب أن يتضمن البيان في فقرته الأولى قيمة المبلغ المالي المدفوع من النادي أو الذي حصل عليه، بما في ذلك ما إذا كانت هناك بنود مكافآت إضافية يجب دفعها أو الحصول عليها، كما يدرج النادي أيضاً قيمة الشرط الجزائي ضمن البيان الرسمي للتعاقدات.
وبرزت شفافية أوساسونا مرة أخرى خلال أعمال تجديد ملعب "إل سادار"، إذ نشر بعد انتهاء المشروع تقريراً تضمن جميع الفواتير الخاصة بالمواد المستخدمة في عملية التجديد والبناء.
وقد يبدو من المشروع التساؤل عن سبب قيام أوساسونا بذلك في وقت تتحفظ فيه غالبية الأندية الأخرى على نشر معلومات كهذه حيث تعتبرها ذات خصوصية شديدة، والسبب بحسب ما ذكر مسؤولون في أوساسونا لـ"اندبندنت عربية" هو أن الأزمة التي مر بها النادي في عقد 2010، كانت في معظمها نتيجة سوء الإدارة وغياب الرقابة، ولذلك قرر مجلس الإدارة بقيادة سابالثا نشر هذه البيانات علناً، حتى يتمكن أعضاء النادي من مساءلته في شأن الوضع المالي.
ويذكر أن أوساسونا يعد واحداً من أربعة أندية فقط في إسبانيا مملوكة للأعضاء، إلى جانب برشلونة وريال مدريد وأتلتيك بلباو. وبعبارة أخرى، لا يملك النادي شخص واحد، بل نحو 20 ألف مالك، مما يجعل من الضروري أن يكونوا على دراية دقيقة بكيفية إدارته.
ولا تقتصر الشفافية في أوساسونا على صفقات اللاعبين، إذ يعقد النادي سنوياً اجتماعاً للأعضاء تعرض خلاله الإدارة تفاصيل نفقات العام السابق، وتطرح موازنة العام المقبل، قبل أن يصوت المندوبون في الاجتماع على اعتمادها.
لم يفجر هذا التحول حالة نجاح فوري كما في الأفلام، لكنه أظهر علامات على التقدم وفق مسار بطيئ لكنه واضح، وبين صعود وهبوط ثم صعود جديد، بدأت الأرقام تعكس التغيير، من انخفاض تدريجي في الديون إلى تحقيق توازن مالي ثم أرباح تشغيلية.
ومنذ عودته لدوري الدرجة الأولى في موسم (2019 - 2020) لم يحقق أوساسونا مركزاً أقل من الـ11، وأنهى موسم (2022 - 2023) في المركز السابع، واحتل المركز التاسع في الموسمين الأخيرين.
وبين تاريخ من الصخب داخل المدرجات، وتجربة صعبة خارجها، يواصل أوساسونا تقديم نفسه كنموذج مختلف لا يقوم على الهدوء المطلق مثل بعض جيرانه في الشمال، ولا على الطموح المفتوح بلا قيود، بل على فكرة أكثر توازناً، تقوم على استيعاب الضغوط والتعامل معها، بل والسير من خلالها في بيئة لا تضمن له الكثير، لكنها تكافئ من يعرف كيف يصمد وسط الأزمات.