Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أتلتيك بلباو: لماذا هو الوحيد من نوعه في كرة القدم الحديثة؟

"اندبندنت عربية" في زيارة إلى النادي الذي يحتفظ بأسد حقيقي في ملعبه ولغته الأقدم في أوروبا وقوانينه تمنع مشاركة الغرباء

فريق أتلتيك بلباو يقف أمام جماهيره في استاد سان ماميس (أ ف ب)

ملخص

يوجه أتلتيك بلباو رسالة قوية لعالم كرة القدم الحديثة مفادها أن الحفاظ على الهوية والولاء والتخطيط الذكي قادرون على الصمود والنجاح أمام إغراءات المال والنجومية والحدود المفتوحة.

في الرابع من يوليو (تموز) 2025 أعلن نادي أتلتيك بلباو الإسباني عن تمديد عقد جناحه الهجومي الدولي نيكو ويليامز حتى الـ30 من يونيو (حزيران) 2035، موجهاً ضربة قاصمة لآمال نادي برشلونة الذي سعى بكل ما أوتي من قوة للحصول على توقيع الهداف الشاب البالغ من العمر 23 سنة.

قبل نحو عام من هذا التجديد المثير للجدل كان نيكو ويليامز قد أعلن نفسه بقوة كشريك لنجم برشلونة الصاعد لامين يامال (18 سنة) على جانبي خط هجوم المنتخب الإسباني المرعب الذي توج بلقب كأس أوروبا (يورو 2024)، وكان النادي الكتالوني يأمل في جمع هذا الثنائي بألوان "البلاوغرانا".

رسالة أتلتيك بلباو إلى برشلونة والعالم

وسعى أتلتيك إلى التصدي لبرشلونة للحفاظ على نجمه في ملعب "سان ماميس". ودان التصريحات العلنية للمدير الرياضي لبرشلونة، ديكو، الذي قال إن ناديه يحاول التعاقد مع ويليامز، على رغم من أن النجم الشاب كان لا يزال مرتبطا بعقد مع ناديه يمتد حتى 2027.

لاحقاً، في يوم الإعلان عن تمديد ويليامز مع أتلتيك حتى 2035، اختار النادي الباسكي طريقة إبداعية في إبراز قدرته إبقاء نجمه الشاب بين صفوفه، إذ ظهر اللاعب في مقطع فيديو قصير أصبح واحد من أكثر الفيديوهات إثارة الجدل في كرة القدم خلال الصيف الماضي، لأنه كان أكثر من مجرد إعلان عقد، بل إعلان موقف.

وأظهر مقطع الفيديو نيكو ويليامز يسير ليلاً في مكان عام (موقع غرافيتي على جدار في منطقة باراكالدو)، ثم يقف أمام جدارية تحمل صورته وأخيه الأكبر إينايكي ويليامز، قائد أتلتيك بلباو، والتي كان قد تم تشويهها من الجماهير المحلية بسبب شائعات قرب انتقاله إلى برشلونة. ثم كتب بزجاجة طلاء عبارة "WIN 2035" أو "انتصار حتى 2035" للدلالة على استمراره لـ10 أعوام أخرى.

وأتبع ويليامز هذا المشهد بإزالة غطاء رأسه، ثم قال "عندما يتعلق الأمر بالقرارات، ما يهمني أكثر هو القلب، أنا في المكان الذي أريد أن أكون فيه، مع جماهيري وهذا بيتي".

وكانت تلك الرسالة موحية جداً عن طبيعة فلسفة هذا النادي الباسكي الإسباني العريق الذي تأسس عام 1898، وتتصدر عبارة "فريد من نوعه في العالم" حوائط ملعبه وأكاديميته ومنشآته الرياضية وموقعه الرسمي على الإنترنت.

فلسفة أبناء الباسك

وعلى الطرف النقيض من غريمه المحلي ريال سوسيداد الواقع في مدينة سان سيباستيان، والذي يعد أكثر انفتاحاً على العالم، يتمسك أتلتيك بالهوية الباسكية الكلاسيكية ويعتز بفلسفته وقيمه التي يقول إنها "باتت نادرة في عالم كرة القدم والرياضة في القرن الـ21".


وعلى رغم المنظومة الاحترافية الدولية التي ينافس أتلتيك فيها لا يزال يتبنى فلسفة تجبره على الاعتماد حصراً على لاعبين صعدوا من أكاديميته الخاصة "ليثاما"، أو أكاديميات الأندية الأخرى في إقليم الباسك، أو لاعبين ولدوا في إقليم الباسك في بيسكاي وغيبوثكوا وألافا ونافارا ولابورد وسولي ونافارا السفلى.

تطوير في إطار الهوية التاريخية

في حي باسورتو سان ماميس الملاصق لمركز مدينة بلباو يقع إستاد "سان ماميس" معقل نادي أتلتيك، وسط تناغم ساحر بين الجبال الخضراء المحيطة بالمدينة والمزيج المعماري المعتمد على الطراز الكلاسيكي الجديد حيث المباني الحجرية ذات الواجهات المزخرفة والشرفات الحديدية والارتفاعات المتناسقة، وأخرى أحدث قليلاً تغطي أدوارها الأولى رسومات "الغرافيتي"، ومبان أخرى شاهقة الارتفاع لا تزال قيد الإنشاء، مما يوحي بالتطور المستمر في المدينة التي كانت يوماً ما من أسوأ مدن أوروبا وأكثرها تلوثاً بسبب صناعات الحديد والصلب. 

الآن أصبحت بلباو درة في تاج المملكة الإسبانية بفضل مزيج الحفاظ على الهوية، والتطور السياحي والعمراني الذي كان في القلب منه افتتاح متحف غوغنهايم بلباو المطل على نهر نرفيون، حتى إن إستاد "سان ماميس" الحالي هو ذاته جزءاً لا يتجزأ من حركة التطور المحكوم بالحفاظ على الهوية في بلباو، إذ أُسس ملعب "سان ماميس" القديم في 1913، وكان يعرف بلقب "كاتدرائية كرة القدم" واحتضن مباريات النادي الباسكي لأكثر من قرن.

أما الملعب الحالي فقد شيد بديلاً عنه وافتتح رسمياً في سبتمبر (أيلول) 2013 بعد عملية هدم تدريجية للملعب القديم وبنائه في الموقع نفسه، مع الحفاظ على الاسم والمكان والرمزية التاريخية، لكن مع بنية حديثة تلبي المعايير الأوروبية المعاصرة.

أقدم لغة في أوروبا وأسد حقيقي في المتحف

وافتخر مدير العمليات التجارية والإستاد بنادي أتلتيك بلباو، بورخا غونزاليس، بالهوية الباسكية الخالصة التي تميز ناديه، وقال لـ "اندبندنت عربية"، "في الباسك نسعى إلى الحفاظ على هويتنا ولغتنا التي هي ربما أقدم اللغات الأوروبية، وقد ساعدت شعب الباسك في التواصل والبقاء في الفترات الصعبة".

ويعد أتلتيك من الأندية القليلة في أوروبا التي لا تزال مملوكة لأعضائها، ويبلغ عدد ملاك أسهمه نحو 44 ألف عضواً يشاركون في إدارته عبر حق التصويت في الانتخابات الرئاسية واختيار مجلس الإدارة، وحضور الجمعية العمومية والمصادقة على الميزانيات والقرارات الكبرى، وقد ابتكر النادي طريقة لتكريمهم بوضع أسماء كل الأعضاء على حوائط شرف داخل متحفه الملحق بالملعب.

وتقديراً لنجوم النادي عبر تاريخه يضع أتلتيك صور كل لاعبيه منذ يومه الأول وحتى الآن على جدران مخصصة في متحفه الذي يزوره الآلاف سنوياً، ومن بين المشاهد المثيرة في متحف أتلتيك وجود أسد حقيقي محنط بين المقتنيات، وتعود قصته لرهان خسره الرئيس السابق لنادي ديبورتيفو ألافيس، خوان أريغي، لمصلحة نظيره في أتلتيك بلباو، بيدرو أورتيينيتشيه عام 1984.


 حين فاز أتلتيك الملقب بـ"الأسود" بلقب الدوري الإسباني في موسم (1982-1983)، لكن رئيس ألافيس راهن نظيره في بلباو أن ناديه لن يتمكن من تكرار هذا الإنجاز، ووعده بإهداء النادي أسد حقيقي محنط إن تكرر الإنجاز، وفي الموسم التالي حقق "الأسود" ثنائية الدوري الإسباني وكأس الملك، فأوفى رئيس ألافيس بوعده، وأصبح وجه هذا الأسد المحنط من رموز النادي.

قاعدة ليثاما: حيث يُصنع حاضر ومستقبل أتلتيك بلباو

على بعد نحو 15 كيلو متراً من ملعب "سان ماميس" في بلدة ليثاما، يقع مركز تدريبات أتلتيك بلباو الذي أُسس عام 1971، وفيه يتدرب الفريق الأول للرجال وفريق الكرة النسائية، وتصنع فيه مواهب المستقبل بجميع المراحل السنية وفق فلسفة أتلتيك.

وجرى تزيين مركز التدريبات في ليثاما بالقوس الحديدي التاريخي الذي كان يميز إستاد "سان ماميس" القديم، إذ جرى قطعه من هيكل الملعب التاريخي خلال مرحلة الهدم قبل بناء الملعب الجديد، وتكلفت عملية نقله إلى مكانه الجديد نحو مليون يورو (1.18 مليون دولار)،

ويضم المركز في محيطه مبنى للفريق الأول للرجال وآخر لفريق الكرة النسائية، وملاعب عشبية عدة للتدريبات والمباريات، بينها ملعب داخلي وصالات رياضية ومركز طبي، وملحق بالمركز التدريبي مبنى مخصص لاستضافة اللاعبين الناشئين حيث يلتحقون بالأكاديمية في سن الدراسة ويقيمون فيها بين التدريب والدراسة.


وقال مدير العلاقات الإعلامية نيكا كوينكا لـ "اندبندنت عربية" إن جميع اللاعبين في ليثاما يدرسون حتى المراحل النهائية من التعليم الأساس، ويلتحقون بالمراحل الجامعية، وأن بعض اللاعبين الذين يدرسون في جامعات خاصة يتكفل النادي بنحو 50 في المئة من قيمة مصروفاتهم الدراسية لتشجيعهم على استكمال رحلتهم العلمية، وأضاف "كرة القدم غير مضمونة".

ورداً على سؤال "اندبندنت عربية" حول ما يمثله تمسك النادي باللاعبين الباسكيين أو الوافدين من أكاديميات الباسك فقط، وهل هو عقبة في طريق التقدم والمنافسة أوروبياً أم دافع للاعبين للتفوق، قال مدير أكاديمية "ليثاما" إينيكو بوفيدا إن الأهم بالنسبة لأتلتيك أن ينتصر لهويته وفلسفته قبل أي شيء، وأن هدفه الأكبر هو خدمة محيطه وتوفير بيئة لاستكشاف المواهب المحلية والوصول بها إلى الأضواء.

تحديات ما بعد قاعدة بوسمان التاريخية

وكان أتلتيك من أشد الخاسرين مع تحول كرة القدم العالمية إلى الانفتاح التام بعد صدور الحكم التاريخي الخاص بقاعدة بوسمان عام 1995، حين أصدرت محكمة العدل الأوروبية حكماً قانونياً سمي باسم اللاعب البلجيكي جان مارك بوسمان، وقضى بمنح لاعبي كرة القدم في إطار (يويفا) حق الانتقال الحر إلى أي نادٍ آخر عند انتهاء عقودهم، من دون أن يكون للنادي السابق حق المطالبة بمقابل مادي، وألغت القاعدة القيود على عدد لاعبي دول الاتحاد الأوروبي داخل أندية الاتحاد نفسها، باعتبارهم عمالاً يتمتعون بحرية التنقل داخل السوق الأوروبية، وقد منحت قاعدة بوسمان اللاعبين قوة تفاوضية أكبر ورفعت رواتبهم بشكل كبير، وقللت من قدرة الأندية على الاحتفاظ بلاعبيها من دون عقود طويلة، لكن الجانب الذي أثر بشكل أكبر في أتلتيك بلباو هو توسع الفجوة المالية والرياضية بين الأندية، وفتحت أبواب انتقال اللاعبين بين الدوريات الأوروبية على مصراعيها.

وفي خضم النظام العالمي الجديد لكرة القدم واجه أتلتيك صعوبات كبرى في منافسة الأندية الكبرى سواءً في إسبانيا مثل ريال مدريد وبرشلونة وأتلتيكو مدريد الذين ينفقون مئات الملايين لشراء أفضل لاعبي العالم، أو باقي الأندية الأوروبية التي يصطدم بها فريق "الأسود" حين يتأهل للمسابقات القارية.

وبعد تحقيق ثمانية ألقاب للدوري الإسباني كان آخرها في موسمي (1982-1983) و(1983-1984) على التوالي، لم يتمكن من رفع اللقب مرة أخرى حتى الآن، وكذلك في بطولة كأس ملك إسبانيا التي يعد ثاني أكثر الأندية تتويجاً بها عبر التاريخ برصيد 24 لقباً، فقد كان 23 لقباً منهم حتى 1984، وجاء اللقب الأخير في (2023-2024)، وخلال الأعوام الأخيرة فاز بلقبين لكأس السوبر الإسباني عامي 2015 و2021.

نجاح رياضي وإداري على رغم التحديات

وعلى رغم التحديات التي يمر بها النادي الباسكي للحفاظ على هويته لكنه أنهى السنة المالية الماضية (2024-2025) محققاً ربحاً مقداره 7ملايين يورو (8.27 مليون دولار)، ويتوقع رفع هذا الرقم إلى 10 ملايين يورو (11.82 مليون دولار) في نهاية الموسم الحالي.

واستفاد أتلتيك مالياً من صفقات بيع ضخمة لبعض لاعبيه الذين لفتوا اهتمام أندية أوروبية أكثر ثراء، وأصبح حارس المرمى كيبا أريزابالاغا أغلى صفقة بيع في تاريخ النادي حين انتقل إلى تشيلسي الإنجليزي في مقابل 80 مليون يورو (94.43 مليون دولار) في موسم (2018-2019).

وجرى بيع المدافع أيمريك لابورت إلى مانشستر سيتي الإنجليزي في موسم (2017-2018) في مقابل 65 مليون يورو (76.72 مليون دولار).

وكانت قد سبقتها صفقة بيع أندير هيريرا إلى مانشستر يونايتد الإنجليزي نظير 36 مليون يورو (42.49 مليون دولار) في موسم (2014-2015)، ومن قبلها صفقة بيع خابي مارتينيز إلى بايرن ميونيخ الألماني في موسم (2012-2013) مقابل 40 مليون يورو (47.21 مليون دولار).

وعلى الجهة المقابلة يعد أغلى لاعب انضم إلى أتلتيك عبر تاريخه هو قلب الدفاع إينيغو مارتينيز الذي انتقل إلى عملاق بلباو قادماً من ريال سوسيداد في مقابل 32 مليون يورو (37.79 مليون دولار) في موسم (2017-2018)، يليه الجناح الأيسر يوري برشيش الذي انضم من باريس سان جيرمان الفرنسي في (2018-2019) مقابل 24.75 مليون يورو (29.23 مليون دولار).

ألقاب وإنجازات وضلع في مثلث كبار إسبانيا

ويعد أتلتيك أحد كبار كرة القدم الإسبانية إذ حقق لقب دوري الدرجة الأولى ثماني مرات واحتل المركز الثاني سبع مرات، وفاز بلقب كأس ملك إسبانيا 24 مرة وحقق المركز الثاني 16 مرة، وهو الثاني في ترتيب الأكثر فوزاً بالبطولة خلف برشلونة الذي حمل الكأس في 32 نسخة، وكذلك بلباو وهو ثاني أكثر أندية إسبانيا وصولاً للمباراة النهائية في 40 نسخة، خلف برشلونة الذي لعب النهائي 43 مرة.

ويقف بلباو في المركز الثالث تاريخياً في كأس السوبر الإسبانية برصيد ثلاثة ألقاب خلف المتصدر برشلونة صاحب الـ16 لقباً، ووصيفه ريال مدريد الذي جمع 13 لقباً، لكن أروع إنجازات بلباو هو أنه من بين ثلاثة أندية فقط لم تهبط إلى الدرجة الثانية طوال تاريخ كرة القدم الإسبانية، بالمشاركة مع برشلونة وريال مدريد.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة