ملخص
رسمت جماهير أتلتيك بلباو وريال سوسيداد لوحة فنية جديدة في ملعب "سان ماميس" خلال مباراة التعادل (1- 1) في "ديربي الباسك" الذي يجمع بين التنافس التاريخي والاندماج الجماهيري، وسط لحظات احتفالية وصراعات تكتيكية أثرت في ترتيب الدوري الإسباني.
قد يظن بعض المتابعين أن مباراة أتلتيك بلباو وريال سوسيداد التي انتهت بالتعادل (1 - 1)، مساء الأحد الماضي، مجرد مباراة عادية ضمن مباريات الجولة الـ22 من الدوري الإسباني، لكن الحقيقة أن "ديربي الباسك" يحمل في طياته عناوين كبيرة وتفاصيل دقيقة تجعله أكثر من مجرد مباراة كرة قدم سجل خلالها كل من الطرفين هدفاً وخرج بنقطة واحدة.
كانت مباراة "ديربي الباسك" الماضية هي المواجهة الـ195 بين الناديين المتنافسين في إقليم الباسك شمال إسبانيا والمباراة الـ158 بينهما في تاريخ الدوري الإسباني، وقد أصبح هذا التعادل هو الـ41 في مسابقة "لا ليغا".
جماهير متحدة في سان ماميس على رغم الاختلاف
قبيل انطلاق المباراة التي استضافها استاد "سان ماميس" في بلباو، كانت شوارع وميادين المدينة ممتلئة بجماهير الناديين، إذ ارتدت جماهير أتلتيك زيها باللونين الأبيض والأحمر، وحملت جماهير سوسيداد اللونين الأبيض والأزرق، لكن اللافت للنظر أن أعداداً كبيرة من تلك الجماهير المتنافسة كانت تتوافد إلى الملعب معاً وتلتقط الصور التذكارية بقمصان الناديين.
بعد ساعات من مراقبة المشهد في محيط الملعب أصبح من المألوف رؤية شاب يحمل ألوان ريال سوسيداد وصديقته بقميص أتلتيك، أو أسرة مكونة من أربعة أفراد، يرتدي فيها الأب وابنته قمصان أتلتيك بلباو، والأم وابنها قمصان ريال سوسيداد، أو أصدقاء عدة يقفون أمام أحد محال بيع المشروبات على رغم تصادم انتمائهم الكروي، وقبل وقت قصير من مباراة ستفرقهم ولو لمدة 90 دقيقة.
داخل الملعب، في مدرجات استاد "سان ماميس" المهيب، التي تتسع إلى 53289 متفرجاً كان المشهد أكثر لفتاً للنظر وإثارة للإعجاب، فخلافاً للمشهد المعتاد في القمم الكروية حول العالم، حين تنقسم جماهير الناديين في مدرجات منفصلة مع أماكن مختلطة محدودة، كانت مدرجات ملعب بلباو بأكملها تجمع بين جماهير الناديين، مما جعل من الصعب تمييز موقع جماهير كل فريق إلا من خلال ردود فعلهم تجاه كل لعبة أو قرار من الحكم.
خلف مرمى مدرج الدرجة الثالثة على الجهة اليسرى كان قائد مشجعي أتلتيك بلباو يقف طوال المباراة مستنداً إلى السور القصير المحيط بالمستطيل الأخضر، ويقود بصوته عبر مذياع في يده، مئات من الشباب الذين يرتدون الأحمر والأبيض ويهتفون بحماسة من خلفه، وكان من بينهم جماهير للمنافس ريال سوسيداد يجلسون في صمت لمتابعة المباراة، أو يتفاعلون معها بكل حرية على رغم وجودهم في المنطقة الوحيدة المغطاة بكثافة بألوان المنافس.
ومع الدقيقة الـ37 كان الفرحة الأولى من نصيب جماهير ريال سوسيداد التي أطلقت الصرخات من وسط الحشود احتفالاً بهدف فريقها الذي سجله البرتغالي غونسالو غيدش.
وعلى رغم التأخر في النتيجة استمرت هتافات التشجيع من جماهير أتلتيك طوال المباراة.
اللحظة الحرجة والبطاقة الحمراء
وكانت لحظة الذروة التي تجلى فيها الاختلاف والاندماج بين جماهير الناديين حين أشهر الحكم غييرمو كوادرا فيرنانديز البطاقة الحمراء للاعب ريال سوسيداد برايس مينديز في الدقيقة الـ83 على خلفية توجيه ضربة خارج إطار اللعب إلى أحد لاعبي المنافس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وانفجرت جماهير ريال سوسيداد غاضبة من قرار الحكم، فيما احتفلت به جماهير بلباو التي واصلت الضغط والتشجيع حتى تمكن إينييغو رويز دي غالارييتا من معادلة النتيجة في الدقيقة الـ88، مما أدى إلى مزيد من الاحتفالات الهائلة في المدرجات.
وعقب نهاية المباراة خرجت الجماهير معاً من مدرجات الملعب إلى الشوارع، مع استمرار الأحاديث حول أحداث المواجهة وقرارات التحكيم.
إحباط فالفيردي في مواجهة غضب ماتارازو
وتزامناً مع الأحاديث والنقاشات الجماهيرية، ألقى المدير الفني لأتلتيك بلباو، إرنستو فالفيردي، باللوم على نفسه وفريقه في عدم القدرة على استغلال استضافة "سان ماميس" للمباراة لتحقيق الفوز، وقال "المباراة كانت تتجه نحو الأسوأ، لقد اندفعنا، مع فرصة واضحة لأويارزابال، وبعد ذلك حدث الطرد وتمكنا من التعادل"، وأضاف "في الشوط الأول افتقدنا بعض اللعب الجيد ثم أنجزنا الأمر بالإصرار، ليس لدينا أسلوب جيد كما نود".
وكشف المدرب الإسباني عن استمرار آلام جناحه الهجومي نيكو ويليامز بسبب إصابة سابقة في منطقة العانة، وهو ما كان سبباً في انخفاض مستواه خلال المباراة وعدم قدرته على التوغل من الطرف الأيسر بسرعته الطبيعية.
وعلى الجانب المقابل، كان المدير الفني الجديد لريال سوسيداد بيليغرينو ماتارازو، الذي انتزع فريقه نقطة ثمينة من غريمه أتلتيك في ملعبه وسط جماهيره، أكثر غضباً، إذ انتقد الحكم وقال "أنا واضح، ما حدث لم يكن يستحق بطاقة حمراء لبرايس، لم يعطني أحد أي تفسير في ما يتعلق بمراجعة نظام حكم الفيديو المساعد"، وتابع "القرار واضح لي أنه ليس بطاقة حمراء، لقد رأيت ذلك لاحقاً وهو واضح جداً بالنسبة إليَّ".
وأكمل المدرب الأميركي الذي تولى منصبه في ريال سوسيداد في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 "حتى الدقيقة الـ80 أعتقد أننا استحققنا الفوز، الشوط الأول كان جيداً جداً، لكننا لم نتمكن من تسجيل الهدف الثاني"، وأعلن نادي ريال سوسيداد تقدمه باحتجاجاً رسمياً على طرد لاعبه مينديز.
ورفع التعادل رصيد أتلتيك بلباو إلى 25 نقطة في المركز الـ11 بالدوري الإسباني، كما ارتفع رصيد ريال سوسيداد إلى 28 نقطة في المركز الثامن، قد قطع هذا التعادل سلسلة انتصارات سوسيداد التي تكونت من ثلاث مباريات متتالية، فيما أوقف نزف بلباو للنقاط إذ خسر مباراتين قبل قمة الباسك.
الجذور التاريخية للخصومة الباسكية
ويرجع تاريخ "ديربي الباسك" إلى مطلع القرن الـ20، قبل تأسيس الدوري الإسباني، إذ كان الاحتكاك الأول بين الجارين في مسابقات إقليمية وكؤوس بدائية، لكن التوتر الحقيقي ولد مبكراً بسبب الجدل حول "هوية اللاعب" ومن يحق له تمثيل نادٍ باسكي، وتشكلت الخصومة الفكرية بين الناديين بسبب تشدد أتلتيك تاريخياً في سياسة الاعتماد على اللاعب المحلي، في مواجهة سوسيداد الأكثر مرونة في فترات عدة.
ومع انطلاق الدوري الإسباني في 1929 انتقل الخلاف من نقاش ثقافي إلى صراع رسمي متكرر، يزداد سخونة كلما تغيرت موازين القوة داخل الإقليم.
وعلى عكس ديربيات أخرى في إسبانيا، لا تحكم العداوة العمياء علاقة بلباو بسان سباستيان (معقل ريال سوسيداد)، فهناك احترام متبادل لكن بلا تنازلات داخل الملعب.
وخلال 117 عاماً من مواجهات قطبي الباسك تواجها في 195 مباراة، فاز أتلتيك بلباو في 80 منها وفاز سوسيداد في 63 وتعادل في 52 مباراة.
الألقاب والهيمنة التاريخية
وبينما يعد أتلتيك الذي أُسس في الـ18 من يوليو (تموز) 1898 أحد كبار إسبانيا كروياً، إذ حقق لقب دوري الدرجة الأولى ثماني مرات واحتل المركز الثاني سبع مرات، وفاز بلقب كأس ملك إسبانيا 24 مرة وحقق المركز الثاني 16 مرة، وهو الثاني في ترتيب الأكثر فوزاً بالبطولة خلف برشلونة الذي حمل الكأس في 32 نسخة، وكذلك بلباو وهو ثاني أكثر أندية إسبانيا وصولاً للمباراة النهائية في 40 نسخة، خلف برشلونة الذي لعب النهائي 43 مرة.
ويقف بلباو في المركز الثالث تاريخياً في كأس السوبر الإسبانية برصيد ثلاثة ألقاب خلف المتصدر برشلونة صاحب الـ16 لقباً، ووصيفه ريال مدريد الذي جمع 13 لقباً، لكن أهم ألقاب بلباو هو أنه من بين ثلاثة أندية فقط لم تهبط إلى الدرجة الثانية طوال تاريخ كرة القدم الإسبانية، بالمشاركة مع برشلونة وريال مدريد.
أما الغريم ريال سوسيداد فيتمتع بتاريخ أقل على صعيد الألقاب، إذ حقق لقب الدوري الإسباني مرتين، وكأس ملك إسبانيا مرتين، وكأس السوبر الإسبانية مرة واحدة.
وبعد أكثر من قرن من المواجهات، لم يستطع "ديربي الباسك" أن ينهي الجدل حول هوية الإقليم، ولا يبدو أنه يريد ذلك.
فنادي أتلتيك الذي يملك أفضلية رقمية طفيفة، وسوسيداد يملك لحظات تفوق لا تقل وزناً. وبين هذا وذاك، تبقى مواجهات القمة بينهما مساحة نادرة في كرة القدم الإسبانية والعالمية لتنافس شرس بلا ابتذال، وهوية بلا شعارات فارغة، ومباراة تعرف مسبقاً أنها ستحاكم خارج خانة الفوز والخسارة.