ملخص
يجسد ريال سوسيداد فلسفة الباسك الهادئة عبر تخطيط هندسي دقيق وأكاديميات عالمية وانضباط مالي ذكي، ليصنع نموذجاً أوروبياً ناجحاً ومستداماً ينافس الكبار بثبات بعيداً من الضجيج والاستعراض.
في الأول من فبراير (شباط) الجاري كانت مدرجات استاد "سان ماميس" في مدينة بلباو تبدو كلوحة فسيفساء (موزاييك) هائلة الحجم، مكونة من 48.020 قطعة بالألوان البيضاء والحمراء والزرقاء، ترسم المشهد الكامل لمباراة "ديربي الباسك" بين صاحب الضيافة أتلتيك وجاره وغريمه التاريخي ريال سوسيداد، ضمن مباريات الجولة الـ22 من الدوري الإسباني الدرجة الأولى.
48.020 كان عدد الجماهير التي حضرت في المدرجات بألوان العملاقين الباسكيين اللذين يتنافسان بلا كلل طوال 117 عاماً، وتحديداً منذ تأسيس ريال سوسيداد في سبتمبر (أيلول) 1909.
وعلى رغم المشهد الاستثنائي للتداخل التام بين جماهير الناديين في المدرجات، لدرجة يصعب معها إيجاد مربع كامل من مشجعي أحد الناديين، كان يسهل ببعض التدقيق تمييز جماهير أتلتيك بلباو الأكثر حماسة وتشجيعاً، عن جماهير ريال سوسيداد الأهدأ والأكثر ميلاً لمتابعة سير اللقاء وتبادل الحديث في ما بينهم مع الإشارة إلى المستطيل الأخضر، إلا في بعض لحظات الاحتفال بالأهداف أو الاعتراض على المواقف الجدلية.
هوية الباسك بين التقاليد والانفتاح الكروي
في إقليم الباسك المعروف بتمسكه الشديد بهويته التاريخية من جانب، ودقته الصناعية على الجانب الآخر، كوجهي عملة، يبدو أتلتيك الطرف الأكثر تمسكاً بالتاريخ والهوية التقليدية مهما تعالت المغريات، وريال سوسيداد رمز الانفتاح وسبر أغوار المستقبل وتقبل التغيير.
يبدو ريال سوسيداد انعكاساً طبيعياً لبيئته في مدينة سان سباستيان بإقليم غيبوثكوا الذي يشتهر بالصناعات الدقيقة والمتطورة، وتبدو فيه كرة القدم أيضاً عملاً هندسياً. فريال سوسيداد لا يرفع صوته كثيراً، لكنه يبني فريقاً كما تبنى الآلات الباسكية عبر التخطيط الطويل والصبر والتطوير المستمر.
قاعدة زوبييتا وفلسفة الهدوء والانضباط
أثناء زيارة "اندبندنت عربية" إلى قاعدة تدريب ريال سوسيداد التي تحمل اسم "زوبييتا"، وتقع في منطقة هادئة وسط الجبال والسهول الخضراء، تبعد قرابة 15 دقيقة بالسيارة عن وسط مدينة سان سيباستيان، كان السؤال الأول من المنسق الرياضي الدولي بالنادي، غوركا لاريا، صادماً "هل أعجبتكم سيارات لاعبينا؟".
كانت السيارات الفارهة لنجوم الفريق الأول لكرة القدم بالنادي متوقفة في أماكن الانتظار أمام المدخل الرئيس لمبنى "زوبييتا"، وأضاف لاريا، المسؤول عن رعاية اللاعبين "لدينا سيارات رائعة لكن نفضل أن تكون ألوانها هادئة، نحن نفضل الأسود أو الكحلي أو الرمادي، فنحن في الباسك نميل للهدوء ولا نحب الاستعراض".
كانت كلمات لاريا في شأن ألوان سيارات لاعبي الفريق كاشفة عن فلسفة ناديه الذي ليس عملاقاً مثل ريال مدريد أو برشلونة، أو ثورياً مثل جاره ومنافسه المحلي بلباو، لكنه نادٍ عبقري في التخطيط الهادئ والإنفاق الذكي والسير بخطوات ثابتة نحو تحقيق مزيد من النجاحات المحلية والبقاء في دائرة المشاركة أوروبياً.
استمرارية رياضية ونمو اقتصادي مدروس
حافظ ريال سوسيداد، الفائز بلقب الدوري الإسباني مرتين في موسمي (1980 - 1981) و(1981 - 1982)، على استمراره بين كبار كرة القدم الإسبانية، في مسابقة الدرجة الأولى، منذ تعثره وهبوطه إلى الدرجة الثانية في موسم (1962 - 1963)، ثم صعوده في موسم (1966 - 1967)، وظل ينافس الكبار حتى هبط مجدداً في موسم (2007 - 2008)، وسرعان ما عاد إلى الأضواء في موسم (2010 - 2011)، ومنذ ذلك الحين عمل ريال سوسيداد وفق نموذج ذكي هدفه التطور بهدوء والنمو رياضياً واقتصادياً.
وباستثناء الموسم الماضي الذي اختتمه ريال سوسيداد في المركز الـ11 بترتيب الدوري الإسباني، أنهى الفريق المواسم الستة التي سبقته في النصف الأول من جدول الترتيب، وقد أطاحت نتيجة الموسم الماضي، المدير الفني إيمانول ألغاوسيل من منصبه بعد ثمانية أعوام في منصبه، وتم التعاقد مع المدرب الأميركي بيليغرينو ماتارازو لقيادة الحقبة التالية.
وكشف ماتارازو لـ"اندبندنت عربية" عن مدى إعجابه بآلية العمل الدقيقة في ناديه الجديد، إذ تولى مهام منصبه في ريال سوسيداد في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، بعد فترتين تدريبيتين في شتوتغارت وهوفنهايم الألمانيين.
وقال "عادة ما يكون تولي تدريب فريق قبل بداية فترة الانتقالات الشتوية مباشرة أمراً صعباً، لكن لدي الآن لاعبون ممتازون وبينهم روابط شديدة وهذا ما يجعل الأمر أسهل".
نظام حياة اللاعبين في ماكينة "زوبييتا" المتطورة
كانت إشارة ماتارازو إلى الروابط بين لاعبيه دقيقة للغاية، إذ يضع النادي نظاماً محكماً لحياة اللاعبين، وفق أسس علمية حديثة. وقال غوركا لاريا "من أسس النظام اليومي للاعبين في ريال سوسيداد هو تناول وجبات الإفطار والغداء معاً في مقر الفريق، أولاً من أجل ضمان سير كل اللاعبين وفق خطط التغذية الموضوعة لكل منهم على حدة، وثانياً لزيادة الروابط بينهم، ومن يرغب منهم يمكنه الحصول على وجبة العشاء من النادي".
وتمتاز قاعدة "زوبييتا" التي تضم الفريق الأول لكرة القدم للرجال، والفريق الأول لكرة القدم النسائية، وفرق الشباب والناشئين، ببنية معمارية شديدة الذكاء والعملية حيث تدمج مباني الفرق مع ملاعب التدريب الكثيرة مع مكاتب الإدارة والمدربين في نطاق يسمح بالتكامل بينهم بكل سهولة.
وقالت المهندسة المنفذة لاستاد "أنويتا" الجديد ومنشآت قاعدة "زوبييتا" إيزاسكون لارزابال لـ"اندبندنت عربية" إن الهدف الأساس من المشروع كان بناء أذكى وأجود وأبسط مركز تدريبات للنادي بأقل كلفة ممكنة.
ويوفر التصميم الهندسي لقاعدة "زوبييتا" التدريبية مبنى للفريق الأول للرجال، يضم غرفة فندقية لكل لاعب تطل على ملعب التدريب الرئيس وكل المرافق التي يحتاج إليها اللاعبون والجهاز الفني والأجهزة الطبية والإدارية، ومبنى آخر مطابقاً، مخصصاً لفريق الكرة النسائية الذي يعد من أقوى فرق كرة القدم النسائية في إسبانيا.
ويستفيد الفرق الأصغر سناً من مرافق الفريق الأول، في تجسيد لفلسفة النادي في الدمج بين الماضي والحاضر لإنتاج المستقبل.
نظرة استراتيجية
وقال كبير المسؤولين الإعلاميين بالنادي، يون أندر موندواته لـ"اندبدنت عربية" إن ناديه يتبنى عدداً من الأكاديميات الكروية في إسبانيا وأوروبا والعالم بحثاً عن أفضل االمواب، وأضاف "لاحظنا في ريال سوسيداد أننا ننتج لاعبين بالنمط الشكلي والكروي نفسه، من صغار الحجم ذوي المهارات العالية، ففكرنا في البحث عن لاعبين صغار في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية".
وكشف عن سعي ناديه إلى توفير ملاعب تدريب لأكاديمية من غانا وأخرى من اليابان لإحضار أفضل المواهب الصاعدة للاستفادة من فلسفة ريال سوسيداد، مع إمكان ضم العناصر الأكثر تميزاً إلى فرق النادي.
وتابع موندواته "أهالي اللاعبين يسمحون لهم بالبقاء في أكاديميتنا بسبب سمعتها الطيبة إذ نساعد اللاعبين على التطور رياضياً وتعليمياً. ما يزيد على 96 في المئة من لاعبي الفريق 'ب' والفريق الثالث يدرسون في الجامعات أو المرحلة الثانوية".
نجاح اقتصادي مواكب للتفوق الرياضي
ونجح ريال سوسيداد في بيع لاعبين مقابل 71.35 مليون يورو (84.74 مليون دولار) في الموسم الماضي، في مقابل شراء لاعبين بإجمال 45.2 مليون يورو (53.68 مليون دولار)، وهو ما ساعده على تحقيق إيرادات إجمالية بلغت 189.7 مليون يورو (225.29 مليون دولار)، في مقابل مصروفات تشغيلية بلغت 126.5 مليون يورو (150.23 مليون دولار)، وصافي ربح قيمته 19.7 مليون يورو (23.4 مليون دولار)، وفقاً للبيانات المالية الرسمية التي نشرها النادي عبر موقعه الإلكتروني.
لذلك وبفضل نموذجه الاستراتيجي يمثل ريال سوسيداد نموذجاً مثالياً لأندية "الطبقة المتوسطة الذكية" في كرة القدم الأوروبية، وبينما يفتخر غريمه التاريخي أتلتيك بلباو بكونه "الوحيد من نوعه في كرة القدم العالمية"، يمكن بسهولة ملاحظة أن مصدر إلهام ريال سوسيداد للأندية الأخرى في إسبانيا والعالم هو أنه "نموذج قابل للتكرار والاستمرار والنجاح على أعلى المستويات بلا إمكانات مالية ضخمة أو ضجيج.
وإن كان أتلتيك بلباو نادي مبدأ حتى لو دفع الثمن، فشقيقه ريال سوسيداد نادي فكرة تتطور مع الزمن.