ملخص
"بصارة الحاج بيلوتشي" رواية للكاتب المصري كريم القاهري، ( دار العين - القاهرة) تقدم نماذج مصرية متنوعة تعكس تحولات المجتمع، بخاصة انتقال الأفراد من الريف إلى المدينة عبر قرن من الزمن.
لا أعرف لماذا أحالتني قراءة الفصول الأولى من هذه الرواية إلى كتاب له طابع بحثي إجتماعي، هو كتاب "السياسة أقوى من الحداثة" الصادر قبل سنوات، للكاتبة دلال البزري. وتذكرت كيف ركزت غالبية القراءات التي تناولت كتاب البزري حين صدوره العام 2002، على نماذج كبار العمر ممن تناول الكتاب شهاداتهم، ربما لأنهم قدموا جانباً من ذاكرة المجتمع المصري في بدايات القرن الماضي، وركزت القراءات أيضاً على شهادات بعض من يمكن اعتبارهم في عمر الكهولة، الذين كشفوا عن تناقضات قيمية، مثل استغلال بعض الأكاديميين لمواقعهم بعيداً من أخلاقيات المعرفة، مما يعكس خللاً أعمق في البنية الاجتماعية وليس مجرد سلوك فردي.
لكني أذكر أيضاً ضعف اهتمام القراء بنماذج الشباب التي قدمها الكتاب، على رغم أهميتها في التعبير عن الواقع الراهن، وأذكر أنها شخصيات اتسمت بالسوداوية والعدمية، لاح لي آنذاك أنها مؤشر أول إلى انتشار سلوكيات مما ترسخ لاحقاً وبات من سمات العقود الأخيرة. ولعل أبرز تلك السلوكيات تتمثل في نوع من العدمية، والتذاكي السلبي، والفوضى أو العشوائية الأخلاقية، والتهرب من المسؤولية، مع تراجع القيم الاجتماعية التي كانت مستقرة في المجتمع لعقود.
حداثة مشوهة
لعل رواية "بصارة الحاج بيلوتشي" تمكنت أن تقدم تعريفاً سردياً لهذه الظاهرة، من خلال سلوكيات غالبية شخصياتها التي تنتفي لديها ما كان سائداً في المجتمع من "أصالة"، والذي ميز بل وساد، أوساط الطبقة الوسطى وسكان الأحياء الشعبية على السواء، في حقبة سابقة، فهذه الشخصيات في ثوبها السردي الذي تقدمه الرواية بات جلياً أنها لا تعرف من المدينة إلا هامشاً هشاً من حداثة مزيفة.
ولعل بين سمات مجتمع مشوه يتخلى عن الأصول ويتمسك بقشور مزيفة، ويعلي من قيمة الأنانية المطلقة، ما يتجلى حتى في لغته التي تغدو لغة هجينة، بين مجاز رمزي شاع لدى فئات من الطبقات الشعبية، كنوع من خلق "كود" اجتماعي، لا سيما مع انتشار وسائل التواصل من جهة، وتوجه كتاب ومخرجين للتركيز على قطاعات من هذه الفئات الاجتماعية في المسلسلات الدرامية.
لغة الحكاء الشعبي
تتسم رواية "بصارة الحاج بيلوتشي" بلغة سردية مغايرة تستمد نبرتها من طبيعة شخصياتها نفسها، فالراوي يتخلى عن الحياد السردي المألوف، ويصف ما تتسم به معظم الشخصيات من دناءة أخلاقية بألفاظ دارجة شائعة، مما يضفي على خطابه طابعاً يذكرنا بماهية الحكاء الشعبي في السرديات الشعبية التاريخية، لكنه لا يكتفي بالسرد فحسب، بل يمارس نوعاً من "حكم القيمة"، على الشخصيات التي يروي سيرتها، إضافة إلى تحلي اللغة التي يستخدمها بنوع من الواقعية الفجة التي تصف قبح الواقع الذي تعبر عنه بأدوات شبيهة.
يبدو هذا الراوي عليماً في الظاهر، لكنه يعتمد في سرده لغة ترسخ الإحساس لدى القارئ، بأنه جزء من العالم الحكائي أو السردي، فهو يصف الشخصيات كما لو كان يعرفها معرفة شخصية، ويخلق إيحاءً مستمراً بأنه قد يكشف عن حضوره داخل السرد في أي لحظة، بوصفه واحداً من شخصيات العمل.
راوٍ غير محايد
اعتمد الكاتب كريم القاهري على محاولة "تخليق لغوي" يمزج بين التركيبات اللغوية الفصيحة والدلالات اللغوية المنبثقة من خشونة الشارع، مبتكراً "اقتراحات معجمية" (مرادفات غير مألوفة) تكسر نمطية التعبير.
بهذه اللغة التي منحها الكاتب لراوي النص كسر فكرة الحياد المألوفة للراوي العليم، ليتبنى بديلاً لها فكرة "الراوي القيمي" الذي يسبغ "حمولة أخلاقية" وصفية للشخصيات، وإدانات صريحة لها في بعض الأحيان، مما يحول لغة السرد من مجرد أداة وصف إلى "سلطة نقدية" تشكل موقف الراوي من العالم المحكي.
لكن هذه اللغة، من جهة أخرى وفيما تمزج ألواناً من الأمثال الشعبية الدارجة، أو السخرية الحادة، والتذاكي الكلامي بين الشخصيات، واستعراض بعض التركيبات اللغوية الفريدة للقارئ، تقدم، في المقابل، وسماً سلوكياً للمجتمع الشعبي الذي تعبر عنه، ممثلاً في تلقائية الكلمات التي تخرج من الألسنة بلا فلاتر، ووصف الآخرين بما فيهم من دون وضع اعتبارات أخلاقية، تقول ما تراه وبأعلى صوت مهما تضمن الكلام مما يصنف لدى طبقات أخرى في المجتمع "فحشاً" أو "قباحة".
بطل العمل شاب "شيرين الشرقي" في مقتبل شبابه يعيش حالات متباينة من المتناقضات تبدأ من اسمه الملتبس بين الذكورة والأنوثة، ثم تمتد بعلاقته بالأم غريبة الأطوار سامية الشرقي، التي لا يصدر عنها ولو لمحة يمكن أن يفهم منها أنها أمٌّ طبيعية تحب ابنها كما شأن الأمهات، بل لا يمكن أن يصل أي تحليل سلوكي لعلاقتها بالابن إلا بوصفها كراهية غير مفهومة الدوافع، مقرونة بصوت عالٍ وصراخ لا ينتهي تسبب له في فوبيا مرضية من الأصوات العالية بجميع أنواعها.
وأما الأب فغائب، لا وجود له، وسوف تظل علاقة شيرين بالأب الغائب لغزاً تتكشف في الفصول الأخيرة بعض مفاجآته.
بين العباسية وميلانو
ينشأ شيرين في منطقة العباسية، الممتدة أطرافها إلى الوايلي والشرابية والظاهر والقبة وغيرها، ويرتبط مصيره بعمارة تحمل اسم أمه، تتحول إلى مركز تتقاطع فيه العلاقات والمصائر، إذ تجمع أفراد العائلة المتمثلين في سامية وشقيقها إسماعيل وأختها صفاء وابنها (أي شيرين)، إلى جانب الجيران. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل تمتد خيوط الحكاية لتستقطب الشيف الإيطالي بيلوتشي جوليانو وزوجته نتاليا، اللذين يقدمان من بلادهما البعيدة للإقامة في العمارة نفسها. ويأتي ذلك إثر محاولة صديق مصري مقيم في إيطاليا تهريب طبق "بصارة" عبر إجراءات المطارات، وحين يتذوقه الشيف يفتن بمذاقه إلى حد أشبه بالهوس، فيضرب بنظامه الغذائي عرض الحائط، ويقرر السفر إلى القاهرة برفقة زوجته.
والبصارة، لمن لا يعرفها، وجبة شعبية مصرية ولها نظائر في منطقة الشام تتكون من الفول المجروش الذي يمزج مع الخضراوات مثل البقدونس والشبت.
وفي الشقة التي تقع في الطابق الأخير من العمارة المطلة على شارعي العباسية والقبة يقرر أن يبتكر مطعماً شعبياً متنقلاً مما استلهمه من "عربات الفول والطعمية" الشائعة في المنطقة، ويقوم بشراء عربة أنيقة يتولى منها عمل وبيع أطباق البصارة لأهل المنطقة.
شيرين هو تقريباً الشخصية الوحيدة في الرواية التي تحاول أن تحافظ على اتزانها، وتؤمن بقيم تقريباً لم يعد لها وجود من حوله بما فيها حتى مشاعر الحب، فهو يعيش في وسط مجموعة بشرية حولتها ظروفها إلى كائنات متوحشة، بصورة ما، تمارس كل ما يمكن تخيله من سلبيات السلوك بقلوب ميتة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والأدهى أن الأمر لم يقتصر على بعض أفراد عائلته بل امتد إلى الفتاة التي وقع في غرامها من دون أدنى نجاح يذكر في استمالتها، وهي شروق التي ستتحول بمرور الوقت إلى خصم كريه، ثم حامد، مديره في محل عمله (المنفذ)، وقبل هذا كله وبعده خاله إسماعيل الشرقي الذي يمتلك من الخسة ما يكفي العباسية وضواحيها.
تناقضات أبدية
وعبر مفارقات الحبكة، واللغة التي تتسم بفضل تركيبتها غير النمطية، والصادمة أحياناً، حساً ساخراً، يكشف تناقضات النفس البشرية، ومكامن ضعفها، التي يبدو أنها لا تستثني شخصية من ثقافة أخرى مثل نتاليا زوجة الشيف الإيطالي الذي سيحصل على لقب الحاج بيلوتشي، فيما سيغدو اسمها الدارج "أم مونيكا".
وتتجلى سمة إضافية للغة السرد، وظني أنها بطلة هذا العمل بامتياز، تتمثل في كشف التناقض المذهل في شخصيات تعلن محاسن الأخلاق وربما الورع بينما تبطن من الخسة والدناءة وسوء النيات والجشع ما يجعل سيرة كل منهم قصيدة في أناقة الشياطين.
تثير الرواية في قالبها المختلف هذا عدداً من القضايا التي عالجتها مثل الاستغلال الجنسي ودور منصات التواصل الاجتماعي في مثل تلك الأنشطة، والعلاقة بين المسلمين والأقباط، ولو كان ذلك أيضاً بطريقة ساخرة، ورصد التناقضات التي أصابت المجتمع خلال الأعوام الأخيرة، وذلك من خلال حبكة محكمة تربط أطرافاً متباعدة ضمن خيط سردي واحد، تتقاطع فيه مصائر الشخصيات بصورة تبرز وحدة الأزمة على رغم تباين الوجوه، بما فيها أحياناً تشابه سمات شخصيات بعضها من الشرق والأخرى من الغرب.
الجهد الذي بذله كريم القاهري لخلق صوت خاص وأسلوب يخصه وحده، من خلال لغة تمزج الكلاسيكي بالعامي الشعبي، يستحق الإعجاب والإشادة، ويكشف عن صوت سردي واعد ومختلف، على معرفة بمجتمع الهامش وسلبياته قبل إيجابياته.