ملخص
يقدم الباحث المصري محب جميل في كتابه "محمود درويش: هكذا صنعتُ قصيدتي"، مسار الشاعر الفلسطيني ، من خلال إجوبته على أسئلة وجهت إليه، في حوارات معه، نشرت في صحف وكتب وأخرى تضمنتها أفلام وثائقية، وقسَّمه إلى ثلاثة محاور: أصول ثقافته الشّعرية، وطقوسه في الكتابة، ورأيه في مجموعاته الشِعريّة حسب تاريخ صدورها.
يواكب صدور كتاب "محمود درويش: هكذا صنعت قصيدتي" (دار مرفأ) للباحث المصري محب جميل مرور 85 عاماً على مولد صاحب ديوان "لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي"، فقد ولد في 13 مارس (أذار) 1941، أما رحيله فكان في الثامن من أغسطس ( آب) 2008. وقام محب جميل، عبر هذا الكتاب، بوضع خارطة وقاموس مبسّط لكواليس الكتابةِ وصنعة الشِّعر لدى محمود درويش، معتبراً أنه، على الرغم من صدور عشرات الكتب والدراسات حول درويش وتجربته الثريّة، "فإنني لم ألحظ وجود كتاب مخصّص للمحاور الثلاثة المذكورة".
ومن أبرز ما جاء على لسان درويش ووضعه جميل ضمن متن كتابه، قوله إن ولادته الشعريّة الحقيقيّة بدأت في منتصف الثمانينيات، عندما انتبه إلى أن "الشّعر لا يستطيع الانفصال عن الواقع"، وقوله: " كانت لديَّ وقاحة الكتابة عن بيروت قبل شعرائها"، وكذلك قوله: "إنني أعتبر نفسي كفلسطيني وكنتاج هذه الأرض الفلسطينية، أحد الذين يملكون حق أن يرثوا كل تاريخ الإبداع والثقافة التي مرّت على هذه الأرض ومنها التوراة"، و"لا يسعني إلاّ أنّ أقرّ بديْني للعِبرية في تعرفي إلى الآداب الأجنبيّة، وأن "بدر شاكر السيَّاب هو الأبقى من شعراء الحداثة الشعريّة العربية"، وأن محمد الماغوط، "هو أهم شاعر عربي أعطى شرعية جمالية لقصيدة النثر"، و"لم يتّضح مشروع صلاح عبد الصبور، إلا عندما كتب المسرح الشعري".
الشرط الفلسطيني
وبحسب ما جاء في أحد حوارات درويش فإن "الطريقة الأدبيّة للتعبير عما يتركه الواقع فينا من آثار تتطلب أن لا نقول في الشّعر ما يمكن قوله في غير الشّعر، موضحاً أنه في منتصف الثمانينات، طرأ على شِعره تغير واضح؛ "لم أعد أعبرِ عن اللحظة السياسية الفلسطينيّة، بل عن إنسانيّة الفلسطيني، وانتقلت بالتالي من النمط إلى الإنسان، أي أنني تعلمت أن أطرد من صياغتي الخطاب السياسيّ البطولي، وأتعمّق في تراجيدية الشرط الفلسطيني، وفي جماليّة هذه التراجيديّة. انتقلتُ من الحماسة، التي كانت تميّز مرحلة من مراحل الشعب الفلسطيني، إلى التأمل الذاتي، وإلى "أنسنة" الموضوع الفلسطيني، فلم أعد أقوى على الصراخ".
ويقول في موضع آخر: "أنا شاعر مهووس بخلق معادل لغوي للواقع العربي الذي نعيش فيه، أي أنّني أخلق واقعاً لغويّاً. لا يهمّني أن أكون شاعراً ثورياً أو رومانسياً. في قصيدتي الواحدة مدارس عدّة. أنا أستفيد من كل المدارس وأكتب قصيدة متميزة اسمها قصيدة درويشيّة ومن دلائل ذلك أنّ علاماتي، بصماتي الشعريّة موجودة على جيل كامل".
أما بدايات وعيه بالشعر فترجع إلى طفولته، حيث يقول صاحب "أوراق الزيتون": "لم يكن يُقام أيّ حفل (في القرى المحتلة) دون أن يتضمن مباراة بين شاعريْن شعبيين. كنتُ أتحمّس كثيراً لطريقة القافية في هذه الأغاني، وقد تكون في اللاوعي ترسّبات كثيرة دفعتني إلى التعامل مع الكلمات المقفّاة أو الإيقاعات". كذلك – يضيف درويش- كان التعبير الثقافيّ في المآتم عبر نواح السيّدات، "وأذكر أن أمّي كانت متمكّنة في هذه الناحية؛ فهي لم تكنْ تذهب إلى أيّ عُرس لأنّها سيّدة حزينة، ولكنَّها كانتْ دائماً أولى الذاهبات إلى أيّ جنازة، وفي إحدى المرّات، فوجئتُ بأن أمي تقرض الشعر".
بواكير التأثر
أما جده فكان يفتخر بكونه يستطيع القراءة وهو في نحو السادسة من عمره، ويجعله يقرأ أمام أصدقائه، "وكان يهديني الكتب أحياناً، وهو مثلاً من جعلني أقرأ حكايات غاليفر وأوليفر تويست، وأهداني مجموعة شكسبيريّات مُبسَّطة للأولاد، وكان كلّما ذهب إلى المدينة يحضر لي هدية كتاباً". أما صاحب التأثير الأقوى في تلك البدايات، فيقول عنه درويش: "أذكر أننا بعد عودتنا من بيروت عشنا في قرية دير الأسد، وكان بين أهلها رجل يسحرني. قد يكون هو أكبر المؤثرين في تكويني المُبكر. كان يرتجل شعراً يُبكي الناس. كان أيضاً يتكلم عن شيء بعيد وغريب وقصيدتي "يغني المغني عن النار والغرباء" (قصيدة الأرض) مأخوذة من صورة هذا الرجل، لأنه كان دائماً يغني عن شيء بعيد".
وأول شعر قرأه كان للمتنبي الذي يعتبره "أعظم شاعر في تاريخ اللغة العربيّة، وهو كما يبدو لي تلخيص لكل الشّعر العربيّ الذي سبقه، وتأسيس لكل ما لحقه". وبدأ تعرُّفه إلى الأدب الثوري والشيوعي خلال دراسته الثانويّة، "تحسستُ طريقي، وظهرت نقطة ضوء في حياتي". ولاحقاً قرأ لوركا ونيرودا والتراجيديا الإغريقية بالعِبرية، ويقول في هذا الصدد: "لا يسعني إلاّ أنّ أقرّ بديْني للعِبرية في تعرفي إلى الآداب الأجنبيّة. وبغض النظر عن مصادر نشيد الأناشيد المحقق في التوراة، فإنه نص أساسي في تاريخ شعر الحُب في العالم، ولم ينجُ من الوقوف أمامه ومن تمثله أي شاعر في العالم".
ويضيف: "لم يكن عندي شاعر واحد أتعلَّم منه، كانت الكتب المتوافرة عندنا في الداخل هي ما تبقّى من مرحلة الانتداب البريطاني، كنا في حالة حصار ثقافي حقيقي، كنت أعرف السياب جيداً والبيَّاتي وكنت أقرأ نزار قبَّاني أيضاً، وهو كان حاضراً في مراهقتي الشعريّة. كان المرحوم صلاح عبد الصبور من الذين ربطتني بهم علاقة يوميّة، وهو من شعراء الحداثة الأوائل في مصر، كان مشغولاً بهاجس الشكل الشِعري دائماً وكيفية تطوير القصيدة العربية، والوصول بها إلى حد التقشف البلاغيّ، وأعتقد أن مسرحياته أسهمت في تحقيق انتشاره، وفيها زاوج بين الإبداع الشعري والرؤية الفكرية والفلسفيّة للعالم، وهذا أمر يصعب تحقيقه في القصيدة الغنائيّة، وقد اتّضح مشروعه الشعري عندما كتب المسرح الشعريّ".
الشعر والنثر
وكان درويش يرى أن أسهل علاقة يمكن أن يقيمها مع شاعر هي العلاقة مع أدونيس؛ "لأنّه إنسان رقيق وراقٍ على المستوى الشخصي، وهو أيضاً شاعر كبير ومُفكِّر مهم ومؤثر في الشعر العربي". ويضيف في سياق الحديث عن الشعراء العرب الذين يقدر منجزهم: "لا أستطيع أن أُخفي إعجابي بالماغوط، فهو أهم شاعر عربي أعطى شرعيّة جماليّة لقصيدة النّثر. أما بدر شاكر السيَّاب فهو الأبقى من شعراء الحداثة الشعريّة، فكثير من شعره ما يزال صالحاً لقراءات متجدّدة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي سياق مختلف يقر درويش بأنه لم يفكّر في كتابة الرواية؛ "لأننّي لا أستطيع أن أضمن النتائج، فهي تحتاج إلى جهد وصبرٍ غير متوافرين فيَّ". وفي موضع آخر يؤكد أنه أحبَّ النثر أكثر من الشعر، "ولا أعرف لماذا يخاف الناس من كلمة النثر. النثر أرفع مستوى وأنبل". ويضيف أنه خرج من قرءته للأدب الصوفيّ العربي، بما يفيد أن الشّعر ليس هو أفضل ما فيه، "بل النصّ النثريّ. قمثلا ابن عربي، نصّه النّثريّ أغنى كثيراً من نصّه الشّعري".
أما قصيدته هو، فتبدأ دائماً – كما يقول - بالإحساس بقلق مدمر من حالة وجودية، وهي لا تبدأ بتشكيل ذاتها إلا بالعثور على جملة موسيقيّة هي النواة الشكليّة للقصيدة، يحتاج استكمالها إلى حالات نفسيّة أو إلى عنصر تفجير نفسي، تتدفّق فيه القصيدة بعقلانية تلقائية. ولكن لا يمكن أن تُترك القصيدة سائبة وحرة في هذا الدفق، وهنا تأتي العملية الثانية في كتابة القصيدة، وذلك عندما يتحوّل الشاعر إلى ناقد، أي في عملية «تحرير» القصيدة.
ومما قاله درويش في هذا الصدد: "ليست الفكرة ولا الصورة هما ما يجعلانني أكتب، حين تأخذ الفكرة والصورة إيقاعهما أعرف أنني بتُّ قادراً على أن أكتب. عندما تنتهي الكتابة أنظر إلى النصّ بخوف شديد وأضعه في الدُرج، أخبئه عن نفسي، وأعود بعد مدة لقراءته، فإذا كان يشبهني كثيراً أو يكرّر أشياء قلتها في السابق فإنني ألغيه أو أعيد كتابته من جديد، إذا كان فيه ما يثير التحريض على الكتابة، وإذا شعرت أنّه ليس أنا من كتبت هذا النصّ، أي أنّه جديد حتى على نفسي، فإننّي أشعر أني نجحت وقد أضفت تجربة جديدة إلى عملي الشعري وإلى مجموع الحركة الشعرية التي أنا جزء منها". وفي السياق ذاته يقول درويش: "أحياناً، أحتاج إلى نوع من الموسيقى لكي يخدم إيقاعي، أو لكي آخذ من هذه الموسيقى إيقاعاً ما مثلاً، عندما أُريد أن أكتب نصاً خافتاً أستمع إلى شوبان، وعندما أُريد أن أكتب مقطعاً عالي النبرة وقويّاً، أستمع إلى بتهوفن". وأخيراً فقد كان درويش يؤمن بأن الهوية الفلسطينية ليست مهنة، "قد يتكلم الشعر عن قضايا كبرى، لكن علينا أن نحاكمه بخصائصه الشعرية، وليس بالموضوع الذي يتكلم عليه. الشّعر يُعرّف جمالياً لا بمضمونه، وإذا تطابق الاثنان فإن ذلك جيّد".