Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ألعاب غزة... مساعدات "متخيلة" وأراجيح تطير فوق الركام

يحوّل الأطفال قوافل الإغاثة البعيدة إلى لعبة لإشباع أرواحهم بالنصر وعلبة التونة المحشوة بالرمل تصبح حينها كنزاً

على قمة تل في مخيم النصيرات للاجئين، شمال دير البلح، قطاع غزة، 26 فبراير 2026 (أ ف ب)

ملخص

في الساحة الترابية خلف خيام أهلهم النازحين، يترقب الأطفال صيحة مدوية تعلن وصول قافلة المساعدات، ويبدأون في تجسيد واقعهم على شكل لعبة قاسية يختبرون فيها غريزة البقاء قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، وبمجرد أن يسمعوا الإشارة وهي صراخ هيثم "وصلت الشاحنات"، تبدأ اللعبة.

بين خيام النازحين المتهالكة، يتجمع أطفال مخيم غزة ويخططون لعبة "تأمين المساعدات"، بسرعة ينقسم الصغار إلى فريقين بملابس رثة ووجوه شاحبة، فريق يمثل عناصر التأمين يمسكون بأعواد خشبية مكسورة، وفريق الجائعين الذين تلمع عيونهم بلهفة تحاكي جوعاً حقيقياً وليس مجرد لهو ولعب.

في الساحة الترابية خلف خيام أهاليهم النازحين، يترقب الأطفال صيحة مدوية تعلن وصول قافلة المساعدات، ويبدأون في تجسيد واقعهم على شكل لعبة قاسية يختبرون فيها غريزة البقاء قبل أن يتقنوا القراءة والكتابة، وبمجرد ما يسمعون الإشارة وهي صراخ هيثم "وصلت الشاحنات" تبدأ اللعبة.

محاكاة المجاعة

المسرح عبارة عن صندوق كرتوني فارغ، كان يوماً يحمل معلبات حقيقية، والآن يتوسط الساحة كأنه كنز مفقود، يقول هيثم "هذه ليست مجرد لعبة، إنها قصة حقيقية رأيناها بأعيننا، واليوم تحولت إلى لعبة هدفها التسلية والتفريغ النفسي".

في الواقع، يحاول الأطفال محاكاة المجاعة الثانية التي ضربت قطاع غزة في الفترة الممتدة ما بين مارس (آذار) 2025 حتى سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، وخلال تلك الفترة كانت إسرائيل تسمح لقافلة من خمس شاحنات فقط بالدخول إلى القطاع وتقف تلك العربات في نقطة محددة ويهرع الغزاويون للحصول على نصيب بسيط من الكراتين إما علبة فول أو تونة.

يكرر هيثم نداءه "وصلت الشاحنات" وما أن يتفوه بهذه العبارة ينفجر المشهد، يندفع الأطفال من فريق الجائعين بنسق فوضوي، يسقط أحدهم أرضاً ولا أحد يقدم له يد المساعدة، بعضهم يسير بقدميه عليه، والصغار الآخرون يتسابقون للحصول على كرتونة فارغة.

يحاول الصغار في فريق التأمين صد الهجوم، وتنظيم طابور وهمي لا يصمد طويلاً أمام الاندفاع، فالحصول على الحلم المعلب هو المهم الآن، ومن بينهم حشود الصغار يرفع هيثم يده يحمل علبة تونة فارغة محشوة بالرمل يركض بها بعيداً كأنه حقق نصراً عسكرياً.

يقول وهو يلتقط أنفاسه، "في اللعبة، أنا سريع دائماً وآخذ المعلبات لعائلتي، الحقيقة أصعب بكثير، هناك الزحام يخنقنا، لكن هنا أنا من يقرر من يأكل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بالنسبة لهيثم ورفاقه، هذه ليست تسلية بل هي تفريغ للصدمة، الحرمان من الغذاء الحقيقي والوقوف لساعات في طوابير التكية جعل من المساعدات المحور الذي تدور حوله أحلام صغار غزة، فاستحضروها في لعبهم ليحاولوا السيطرة على شعور العجز.

تبدو لعبة الأطفال "تأمين المساعدات" واقعية وقاسية، يقلد الصغار التدافع والصراخ وأحياناً السقوط أرضاً للحصول على المعلبة الوهمية، وتعكس هذه اللعبة صراع البقاء حين تحول الغذاء من حق طبيعي إلى جائزة يحتاج الحصول عليها إلى قوة بدنية وسرعة، وهو ما يرسخ مفهوم البقاء للأقوى في عقولهم الصغيرة.

يضيف هيثم، "بهذه اللعبة نحاول تفريغ مشاعر الحرمان والجوع التي نعيشها فالحصول على علبة تونة فارغة في اللعبة يمنحنا شعوراً وهمياً بالانتصار على الجوع الحقيقي، من خلالها نفهم الاضطراب الذي عاشه أهلنا ونحاول والتعايش معه".

في غزة حول الأطفال مخلفات الحرب والركام إلى أدوات للعب ووسيلة لابتكار عالمهم الخاص وسط الدمار، حيث برزت عدة أشكال لهذه الألعاب بما يعكس صمود الأطفال وقدرتهم على التأقلم وفي نفس الوقت تكشف حجم الصدمات النفسية التي يعانون منها، حيث باتت مفردات الحرب والموت جزءاً أساسياً من خيالهم اليومي.

إضافة إلى الألعاب المرتبطة بالواقع القاسي، ابتكر أطفال غزة ألعاباً أخرى تجمع بين المحاكاة الاجتماعية والألعاب الشعبية، من خلال استغلال الموارد المتاحة في خيام النزوح والركام.

أرجوحة وسط الركام

في الزاوية التي كانت يوماً حديقة منزل الطفلة غادة لا يوجد اليوم عشب أخضر أو مقاعد خشبية، بل جبال من الإسمنت المفتت، وسط هذا الخراب، تقفز الصغيرة بضفائر مغبرة تطير في الهواء فوق أرجوحة لم تصنعها مصانع الألعاب.

بين أعمدة الحديد التي أسقطتها القذائف الإسرائيلية ربطت غادة بقايا حبال الغسيل المتينة وتثبيت قطعة قماش مهترئة كانت جزءاً من ستارة صالونهم المدمر لتصنع أرجوحة، ثم نادت على شقيقها عمر ليدفعها بقوة نحو السماء.

تقول الصغيرة غادة وهي تلعب "الدبابة أسقطت العمود، لكننا رفعناه مرة أخرى، لا نرى الدمار أسفلنا عندما نطير، نرى السماء فقط، الأرجوحة تجعلنا نشعر أننا في ملاهٍ بعدما فقدناها في غزة، لقد حولت الأعمدة المدمرة إلى مراجيح".

مع كل حركة ذهاب وإياب، يصدر العمود المعدني الملتوي صريراً حاداً، كأنه يئن من ثقل الذكريات، لكن ضحكات غادة وعمر تطغى على كل الأصوات، تضيف الطفلة "هذه أسرع وسيلة لخلق مساحة للفرح بأقل التكاليف، الارتفاع عن الأرض أثناء المرجحة يمنحني شعوراً موقتاً بالحرية والابتعاد عن ضيق المخيمات والدمار المحيط بنا".

تفهم غادة ما يدور حولها تتابع حديثها "في حارتنا، لم يبق حجر على حجر، لكن بقيت بعض الأعمدة الحديدية الملتوية، اللعب وسط الركام مخيف أحياناً لأن الحجارة قد تسقط علينا، لكنه المكان الوحيد الذي نشعر فيه أننا لا نزال نملك الشارع، عندما أطير في الهواء أشعر أنني فوق الحرب وفوق الخوف".

في الواقع، لا يوجد أمام أطفال غزة سوى هذه الألعاب، إذ بعدما دمرت إسرائيل السوق الشعبية المركزية التي تضم في جنباته مخازن الألعاب القطنية والبلاستيكية، منعت بعد ذلك دخول قافلات الألعاب إلى القطاع.

يقول الباحث التربوي رامي مقاط، "يعد اللعب بالنسبة لأطفال غزة مختبراً نفسياً عفوياً، حيث يستخدمون مخلفات الحرب والركام ليس للتسلية فقط، بل كأداة للمعالجة الذاتية لصدماتهم، وفيها تفريغ طاقة الخوف والغضب المكبوتة لديهم نتيجة القصف، مما يقلل من حدة التوتر الداخلي".

يضيف مقاط، "في الحرب، يشعر الطفل بأنه ضحية لا يملك قراراً، لكن عندما يلعب فإنه يستعيد الشعور بالقدرة على التحكم والابتكار، وليس أمامه سوى المحاكاة والتعايش لما يعيشونه، وبذلك يحاولون فهم وتفكيك المشاهد القاسية التي رأوها، إن هذه الألعاب حتى وإن كانت في أدوات القتل يمنح الطفل شعوراً بالأمل وبأن الحياة تستمر رغم فقدان المنزل أو المدرسة، إن في ذلك اللعب آلية دفاعية تحمي الصحة العقلية للطفل وتمنع انهيار شخصيته أمام فظاعة الأحداث".

داخل هياكل السيارات المتفحمة يلعب الأطفال الغميضة يستخدمون الشاسيه كأفضل مكان للاختباء، لكن عند عماد لعبة أخرى لتلك العربات إذ يتخيل القيادة فور جلوسه خلف مقود محترق ويحاكي بصوته حركة المحرك، متخيلاً أنه يقود عائلته إلى مكان آمن أو يعود بهم إلى منزلهم الأصلي.

كثيرة هي ألعاب الأطفال، إذ يصنع رؤوف من فوارغ القذائف وصناديق الذخيرة الخشبية الفارغة طبلة وأدوات إيقاعية لإصدار أصوات وموسيقى وسط صمت النزوح، وأيضاً يستغل عبوات المنظفات للعزف عليها وإقامة حلقات دبكة مصغرة.

جيل يصارع

الابتكار في اللعب ليس رفاهية، بل هو صراع للبقاء النفسي لجيل كامل مهدد بالضياع، إذ بحسب منظمة "اليونيسف" 100 في المئة أطفال القطاع (نحو 1.2 مليون طفل) بحاجة ماسة إلى دعم نفسي واجتماعي بسبب التعرض المستمر للقصف والنزوح.

وتشير "اليونيسف" إلى أن 17 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما أو انفصلوا عن ذويهم، هم الفئة الأكثر عرضة لصدمات الفقد العميقة، وأن 90 في المئة من الأطفال أظهروا علامات القلق الشديد، و80 في المئة يعانون اضطرابات النوم والكوابيس، بينما يعاني 75 في المئة زيادة في السلوكيات العدوانية أو الانعزال التام.

يقول أستاذ علم النفس التربوي محمد أبو سابحة، "ما يفعله أطفال غزة ليس مجرد تسلية، بل هو إعادة تدوير للألم، هو في الحقيقة يحاول ترميم عالمه المحطم، العقل البشري الصغير يرفض الاستسلام للقبح، فيعيد صياغة مخلفات الموت لتصبح أدوات للحياة، هذا اللعب يحمل صرخة استغاثة".

يضيف أبو سابحة "ابتكار ألعاب من المخلفات يعني أن خيال الطفل تشبع بمفردات الحرب، نحن أمام جيل يعيد تعريف الطفولة تحت الضغط، وهذا يتطلب تدخلات نفسية عميقة لتحويل هذا الإبداع الدفاعي إلى استقرار نفسي طويل الأمد".

يوضح أبو سابحة أن اختيار الأطفال للعب فوق الركام ليس مجرد ضرورة لعدم توفر بديل، بل هو محاولة لا واعية لترويض المكان الصادم، إن الأطفال يستخدمون مخلفات الحرب كأدوات لإسقاط مشاعر الخوف والعجز، فصناعة لعبة من بقايا دمار هي وسيلة العقل الصغير".

هذه الألعاب ليست كلها آمنة، فقد يتعرض الطفل إلى ذخائر غير منفجرة بين الأنقاض مما يجعل اللعب في مناطق الركام محفوفاً بالأخطار، يقول متحدث الدفاع المدني محمود بصل، "عثرنا بين الأنقاض على أجسام تشبه الألعاب والكرات الملونة تركها الجيش الإسرائيلي في المناطق التي انسحب منها، وهي في الحقيقة عبوات ناسفة مموهة تستهدف جذب الأطفال".

ويضيف، "الأطفال الذين يلعبون بين الركام هم عرضة لخطر الانهيارات الإنشائية تسلق الصغار لتلال الدمار لصنع زحليقات أو البحث عن أخشاب قد يؤدي إلى انهيار كتل أسمنتية ضخمة عليهم أو سقوطهم في فجوات عميقة تحت الأنقاض".

في الواقع، تفرض السلطات الإسرائيلية على المعابر التجارية قيوداً شديدة على المعابر التجارية وتمنع إدخال الألعاب والمواد الترفيهية باعتبارها سلعاً كمالية غير حيوية للبقاء على قيد الحياة، يقول منسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في المناطق يورام هليفي، "العديد من المواد تدخل ضمن قائمة الاستخدام المزدوج، ويشمل ذلك الألعاب التي تحتوي على أجزاء إلكترونية وبطاريات، في حالات معينة سمحنا لمنظمات دولية بإدخال شحنات من الحقائب الترفيهية والقرطاسية لدعم الصحة النفسية للأطفال".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير