Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسفة ألمانية تستلهم القدس في عهد صلاح الدين

"ناثان الحكيم" لليسنغ أو كيف ننقل فكر التسامح إلى الناس عن طريق المسرح

عرض معاصر لـ"ناثان الحكيم" (موقع ستايج دور)

ملخص

تدور أحداث "ناثان الحكيم" إذاً في القدس، إبان استعادة صلاح الدين إياها على عهد الحملة الصليبية الثالثة. وهي إذ تتمركز حول إدخال ليسنغ فيها حكاية الخواتم الثلاثة التي ترد في أول قصة من قصص "ديكاميرون" للإيطالي بوكاتشيو، تنطلق من ذلك لتصب في محور درامي عماده اليهودي ناثان، العجوز الذي يعرفه العامة باسم "الحكيم".

"ستأتي ساعة الذروة حيث لا يكون الإنسان في حاجة إلى أن يستمد دوافع سلوكه من المستقبل، مهما يكن عقله مقتنعاً بإمكان العمل من أجل مستقبل أفضل، وذلك لأنه سيفعل ما هو صحيح لمجرد أنه صحيح لا أكثر، وليس لأن ثمة مثوبات اعتباطية مرتبطة به، تلك المثوبات التي لا يُقصد بها إلا اجتذاب انتباهه الشارد، وذلك لكي يدرك مثوباته الباطنية التي هي الأفضل...".

هذه العبارة المستقاة من القضية التي تحمل الرقم 85 بين القضايا الـ100 التي تشكل سياق كتاب "تربية الجنس البشري" للكاتب والمفكر الألماني ليسنغ، كانت تكمن بلا ريب في خلفية أفكار هذا الكاتب حين انصرف ذات يوم من أعوام حياته الأخيرة إلى كتابة المشهد السابع من الفصل الثالث من مسرحيته الأخيرة (والأكثر شهرة من بين أعماله جميعاً)، مسرحية "ناثان الحكيم". ففي ذلك المشهد الذي أثار يومها جدلاً واسعاً، وأدى، بين تفاصيل أخرى، إلى منع عرض المسرحية في العديد من البلدان الكاثوليكية في أوروبا، يستدعي صلاح الدين، القائد المسلم الذي كان يخوض في القدس آخر معارك الحملة الصليبية الثالثة ضد الفرنجة، الشيخ اليهودي ناثان، الذي لفرط صلاحه وتسامحه كان يُلقب من قبل الشعب بـ"الحكيم".

وحين يمثل الشيخ العجوز في حضرة القائد العسكري المظفر، وقد خُيل إليه أن صلاح الدين، كالعادة، إنما يريد أن يطلب منه قرضاً مالياً في ظل ظروف اقتصادية سيئة نتجت عن الحروب والمعارك الطويلة، يُفاجأ "الحكيم" بالسلطان وهو يسأله: أيُّ الأديان التوحيدية الثلاثة، الإسلام واليهودية والمسيحية، هو الذي يملك الحقيقة من دون الدينين الآخرين.

وهنا، على الفور، لا يشعر ناثان بأي تردد أو وجل، بل يجيب عن سؤال السلطان بالرجوع إلى أمثولة الخواتم الثلاثة، وحكاية القاضي الذي عجز عن تحديد أيها الحقيقي وأيها المزيف بين تلك الخواتم التي قدمها الإخوة الثلاثة؛ ذلك لأن كلاً من الخواتم بلغ في صنعه درجة سامية من الكمال. ما يعني أن ناثان الحكيم عاجز بدوره - وعلى رغم كل الحكمة التي يتمتع بها - عن الإجابة بوضوح عن سؤال السلطان.

زبدة فكر

الحقيقة أن هذا الموقف كان هو الذي يشكل خلاصة تفكير ليسنغ في آخر سنوات حياته، ومن هنا جعله جوهر تلك المسرحية الأخيرة التي كتبها في عام 1779، لتكون خاتمة مسرحياته الخمس عشرة التي كتبها.

 

وهذه المسرحيات لا تزال تعتبر إلى اليوم قمة ما وصلت إليه الكتابة المسرحية في ذلك الزمن المبكر، والأنموذج الذي سار على هديه بعض كبار كتاب المسرح الألماني الذين ساروا على خطى ليسنغ، من أمثال كلايست وغوته.

ومع هذا، من المؤكد أن ليسنغ لم يكتب "ناثان الحكيم" لتمثل على خشبة المسرح، أو أنه كان يأمل ذلك على الأقل، بل إنه كتبها لتكون أشبه بوصية فكرية له. وهو قال عن هذا في رسالة بعث بها إلى أخيه كارل يوم 18 أبريل (نيسان) 1779، أي في اليوم نفسه الذي أنجز فيه كتابة المسرحية: "إنني ليخامرني الاعتقاد الراسخ بأن مسرحية "ناثان الحكيم" هذه ككل، لن يكون لها أي تأثير مباشر ولو قُدمت على المسرح، وهو التقديم الذي لا أعتقد أنه سيحدث أبداً".

والملفت أن المسرحية قدمت متأخرة عن موت صاحبها عامين في برلين، ولكن مع بعض التعديلات... كما قدمت كاملة للمرة الأولى في القسطنطينية، حيث حققت نجاحاً كبيراً ما كان أحد يتوقعه، ما دعا أخا ليسنغ إلى القول لاحقاً إن المسلمين (وكان يعني بذلك أتراك القسطنطينية - إسطنبول - بالتأكيد) أنجحوا مسرحية "ناثان الحكيم" في وقت عجز المسيحيون عن فعل ذلك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مرجع في التسامح

المهم في الأمر أن "ناثان الحكيم"، منذ عروضها الأولى كما منذ نشرها في كتاب، اعتبرت درساً في التسامح الديني واستكمالاً لأفكار ليسنغ التنويرية الإنسانية.

والملفت هنا أن ليسنغ كتب "ناثان الحكيم" كرد فعل على حزنه على وفاة زوجته الشابة، ولكن أيضاً كمساهمة منه في النقاشات الدينية الحادة التي كان قد خاضها، قبل سنوات قليلة، ضد رئيس قساوسة هامبورغ المدعو يوهان غوتسه، وأوصلها إلى الذروة في "إحدى عشرة رسالة ضد غوتسه"، محورها التسامح، ظهرت في عام 1778 في كتاب "ضد غوتسه".

ولقد بدت مسرحية "ناثان الحكيم" في النهاية أشبه بمدخل إلى كتاب ليسنغ الأشهر "تربية الجنس البشري"، لأن ما أثار اهتمام المفكرين بالمسرحية لم يكن في الحقيقة أحداثها التاريخية، بل جوهرها الذي ينادي بأن الأهم ليس التسليم الأعمى بالعقائد، بل الإخلاص والمحبة بين البشر والتسامح. وكان ليسنغ يرى أنه في مثل هذا التفكير يعبر عن الجوهر الحقيقي للمسيحية، ذلك الجوهر الذي "يقوم على المحبة الأخوية والأخلاق". وهو كان في ذلك طبعاً يعبر عما فهمه المفكرون التنويريون لمرحلة ما قبل الإلحاد من علاقة الدين بالإنسان.

خلال الحملة الصليبية الثالثة

تدور أحداث "ناثان الحكيم" إذاً في القدس، إبان استعادة صلاح الدين إياها على عهد الحملة الصليبية الثالثة. وهي إذ تتمركز حول إدخال ليسنغ فيها حكاية الخواتم الثلاثة التي ترد في أول قصة من قصص "ديكاميرون" للإيطالي بوكاتشيو، تنطلق من ذلك لتصب في محور درامي عماده اليهودي ناثان، العجوز الذي يعرفه العامة باسم "الحكيم".

ولناثان هذا ابنة بالتبني تدعى ريشا، تمكن أحد فرسان المعبد من إنقاذها من حريق كاد يقتلها. وبفضل ذلك الإنقاذ، يقوم القائد صلاح الدين بالعفو عن الفارس الذي كان محكوماً بالموت هو وتسعة عشر فارساً آخر، خصوصاً أن صلاح الدين رأى أن ثمة شبهاً بين الفارس وبين أخيه (أخي صلاح الدين) الذي كان قد اختفى بصورة غامضة.

وكما يحدث عادة في الروايات، يغرم الفارس بريشا التي يعتقدها يهودية، ولكن من دون أن يحول ذلك دون طلبه يدها من ناثان. لكن العجوز لا يوافق أول الأمر، ذلك أنه في الحقيقة يشتبه - انطلاقاً من معطيات معينة - في أن ريشا والفارس أخوان، وأنهما ابنا أسعد شقيق صلاح الدين الأصغر. وكان أسعد قد توجه سابقاً إلى ألمانيا، حيث اقترن بامرأة ماتت باكراً بعدما أنجبت طفلة سُميت بلاندين، وعهد بها الأب إلى ناثان الحكيم لكي يهتم بتربيتها، فرباها بعدما سماها ريشا.

وإذ يكشف ناثان هذا السر أمام صلاح الدين والشقيقين، يتوصل هؤلاء معاً، وهم ينتمون إلى الأديان الثلاثة، إلى نسيان الهوة التي تفرق بينهم - دينياً - لتتحول المسرحية إذاك إلى درس عميق في التسامح ووحدة الرؤية والهدف بين الأديان.

مواهب متعددة

لم يعش غوتهولد أفراييم ليسنغ سوى 52 سنة، هو المولود في عام 1729 في مدينة كامنز، والراحل عام 1781 في برونشفيغ، لكنها كانت سنوات كفيلة بأن يخوض غمار الشعر والفلسفة والمسرح والنقد الأدبي. وهو في المسرح كتب 15 مسرحية على الأقل، كانت "ناثان الحكيم" آخرها وستظل أشهرها.

وهو ولد ابناً لقسيس، ودرس مبكراً اللاهوت واللغات، ثم درس الطب قبل أن يعود ثانية إلى اللاهوت والفلسفة. وبدأ ينظم الشعر باكراً. لكن الشهرة الحقيقية بدأت تطل عليه من خلال مآسٍ كتبها بعد ذلك بتأثير من المؤلفين اللاتينيين، محملاً إياها أفكار عصر التنوير التي آمن بها منذ صباه. وهو، بعد نجاح مسرحياته الأولى، توجه إلى برلين، حيث اشتغل في الصحافة وتابع كتابة الشعر والمسرحيات في الوقت نفسه الذي واصل فيه دراساته الجامعية. ثم أسس مع موسى مندلسون وآخرين مجلة للنقد الأدبي، أشاد فيها للمرة الأولى في ألمانيا بمسرح شكسبير، مطالباً بالكتابة على غراره.

وبعد ذلك نراه يخوض التجارة، ثم يبدأ بنشر كتابات فكرية وفلسفية يجادل فيها رجال الدين، واهتم كذلك بالمسرح والنقد، وراح يكثف ما ينشره بعد أن أحس بدنو أجله خلال سنواته الأخيرة. وهو خلف، إلى مسرحياته، عدداً من الكتب الفلسفية والنقدية البارزة، أهمها بالطبع "تربية الجنس البشري"، كتابه الكبير الأخير.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة