Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مراكب صيد مصنوعة من أخشاب البيوت المدمرة في غزة

"نجار البحر" يرمم أسطول الصيد بوسائل بدائية

خسر قطاع الصيد خلال الحرب على غزة نحو 75 مليون دولار (أ ف ب)

ملخص

يطلق "نجار البحر" في غزة على كل حرفي يجمع بين مهارة النجارة ومعرفة هندسة السفن لصناعة قوارب الصيد، وهي حرفة تقليدية قديمة واليوم أضحت إرثاً مهدداً وباتت ضمن سجلات "مهنة تنقرض".

في ظروف قبل الحرب، كان بناء قارب صغير يستغرق أسبوعاً، لكن الآن مع الاعتماد على الأدوات اليدوية والبحث عن الخشب بين الأنقاض، فإن بناء حسكة يستغرق 15 يوماً، وتكون بمجداف وليس بمحرك، إذ تمنع السلطات الإسرائيلية دخول المحركات الجديدة منذ أعوام طويلة، وما توفر منها تعرض للقصف.

يجلس النجار عطية القرفصاء ويطرق على آخر مسمار يدقه في القارب الذي صنعه، يقفز فرحاً ويبتعد قليلاً لينظر بتمعن في مركب الصيد الذي صنع في غزة من ركام المدينة التي دمرتها الحرب، ثم ينظر إلى البحر يراقب تحركات زورق بحرية الجيش الإسرائيلي، ويضرب كفاً بكف مع كل خبطة إصبع تحمل معاني موجة عن واقع قطاع الصيد في غزة.

من المخيلة للواقع

خلف المسمار الأخير في قارب غزة الذي عاد للحياة، قصة عجيبة فيها تحديات ومغامرات وحتى رهانات، بدأت عندما صارع النجار عطية المستحيل واستبدل كل ما هو هندسي بما هو متاح لصناعة مركب من وسط دمار مدينة سحقتها آلة الحرب الإسرائيلية.

بعد أن دمر القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل قوارب عائلة عطية وتوقفت ورشتهم عن صناعة السفن، لم يستسلم النجار، ودفعه عشق البحر والحاجة والدمار لابتكار حلول لم يسبقه إليها أحد، وبدأت خطة صناعة مركب غزة الأول تتبلور في ذهنه.

قفز من خيمته، وتوجه إلى أكوام ركام المنازل التي دمرها الجيش الإسرائيلي، وأخذ يمسح الأنقاض في ذهنه وكأنه يجري مسحاً بصرياً للمنطقة ويتخيل ما تحت الأنقاض، بعدها تحرك بسرعة وبدأ ينبش بين حجارة البيوت المدمرة.

تنقيب عن الأخشاب

لم ينجح التنقيب اليدوي مع عطية، فاستخدم عتلات حديدية ومطارق يدوية وبدأ يرفع كتل الإسمنت، وعندما لمحت عيناه خشباً هلل فرحاً، واستبشر بنجاح فكرته في صناعة قارب من ركام وأنقاض الحرب ليبحر في شاطئ غزة.

بدأ يستخرج عطية "الكنز"، يخرج أطر الأبواب (الحلوق) وخزانات الملابس التي صمدت تحت السقف الخرساني وأبواب الخشب، ويجري عملية التنقيب يدوياً، يقول "استخدام الجرافات الكبيرة قد يحطم الألواح الخشبية ويحولها إلى قطع غير صالحة للصيد".

لا يجري عطية عملاً إنشائياً لاستخراج الأخشاب، وإنما "عملية جراحية" تتطلب دقة عالية للحفاظ على سلامة الخشب المتهالك أصلاً، وبعد رفعه تبدأ مهمة فرز الخشب الطبيعي عن الخشب المضغوط، وهذه مهمة سهلة لا أخطار فيها.

فرز… الطبيعي للقوارب والصناعي للنار

بيديه يمسك عطية كل قطعة خشب، يعاينها بنظره والقرع عليها، السويد والزان يضعهما على بقايا جدار مهدوم، أما خشب MDF فهذا النوع يتحلل فور ملامسته للماء ولا يصلح نهائياً لصناعة القوارب، فيستثنيه من المواد الخام اللازمة لعمله.

من بين كومة أدوات عدة حرفية، يلتقط نجار البحر مطرقة ويبدأ بتنظيف الخشب، ينزع المسامير الصدئة والبراغي ومفصلات الأبواب والأقفال، ثم يقشط طبقات الدهان القديمة باستخدام سكاكين وماكينة حف يدوية. يوضح أن الهدف هو الوصول إلى لب الخشب الخام لضمان امتصاصه للمواد العازلة لاحقاً.

بعد ذلك يقص النجار الأطراف المحطمة، وبينما ينشر الخشب يدوياً. يضيف "أفعل ذلك لضمان وجود حواف مستقيمة تسمح بـ"تعشيق الألواح مع بعضها البعض أثناء صناعة القارب، وذلك لمنع تسرب الماء".

لم تنته بعد عملية تجهيز الخشب، إذ في مساحة واسعة تسقط عليها أشعة الشمس طيلة النهار يصفّ عطية الألواح لفترة قصيرة في الشمس للتخلص من الرطوبة ومخلفات غبار الإسمنت العالقة في المسام. بعدها يبدأ النجار بطلائه بمواد بدائية لمحاولة عزل المسام قبل النزول إلى البحر. يعلق "بهذه الطريقة يتحول باب منزل كان شاهداً على قصف أو دمار، إلى دفة قارب تشق أمواج البحر بحثاً عن رزق جديد".

مهنة تندثر

يطلق "نجار البحر" في غزة على كل حرفي يجمع بين مهارة النجارة ومعرفة هندسة السفن لصناعة قوارب الصيد، وهي حرفة تقليدية قديمة واليوم أضحت إرثاً مهدداً وباتت ضمن سجلات "مهنة تنقرض".

بعد أن كانت غزة تضم العديد من الورش، أصبح هناك عدد محدود جداً من النجارين غير معروف عددهم يكافحون للحفاظ على هذا الإرث، فلا إحصائية رسمية دقيقة لعدد نجاري القوارب في غزة، لكنهم قلة قليلة، فهي حرفة تعتمد على عائلات محددة تتوارث الخبرة.

فعطية النجار المحترف بالوراثة، عاد لصناعة القوارب كآخر نجار بحر في غزة، يوضح أن فعله مقاومة للحفاظ على مصدر رزق آلاف الصيادين في ظل الأزمات المتلاحقة التي عصفت بقطاع غزة، لذلك يعمل على حلول لا يعرفها العالم من قبل.

دفنت الحرب الإسرائيلية معظم الورش الكبرى في ميناء غزة، لكن عطية لا يستطيع صناعة أي قارب إلا أمام تضارب أمواج شاطئ غزة، هناك يشعر بالراحة ويبدع في ضرباته على المسامير ويتقن تجميع قارب محلي الصنع.

صناعة القارب لا تحلو إلا أمام الشاطئ

يدندن عطية بكلمات أغنية يا بحر غزة للفنان الفلسطيني محمد عساف "يا بحر غزة يا بحر... يا موج عالي ع الصخر" ويبدأ بصناعة القارب، يفرز الألواح الخشبية بسبب عدم توافر ألواح موحدة الطول، ويبحث النجار عن حلق باب خشبي سميك يكون عموداً فقرياً للقارب، ثم يقص قطعاً خشبية منحنية من بقايا الأثاث لتشكل القفص الصدري للمركب، وهي التي تحدد عرضه وتوازنه.

ينتقل مسرعاً بين الأخشاب كما ينتقل الفنان التشكيلي بين الألوان، ويبدأ في رص ألواح الخشب المستخرجة من الأبواب والخزائن جنباً إلى جنب فوق الأضلاع، وكأنه يدمج شتات الخشب ليصنع قارباً متواضعاً من قلب غزة المدمرة.

بما أن الأخشاب ليست متطابقة، تظهر فراغات كبيرة بين الألواح، وهنا جاهز عطية لكل الثغرات، إذ يعلق على خصره كيساً به خيوط خيش يعمل على تذويبها لسد هذه الثقوب منعاً لتسرب الماء. ثم ينتقل إلى المرحلة الأخيرة وفيها يجري تغليف الهيكل الخشبي بشرائح الفايبر الرقيقة وألواح الزينكو كدرع خارجي يحمي الخشب من التآكل المباشر بالماء، ويعمل النجار بدقة متناهية لضمان انسيابية القارب في الماء.

من وجهة نظر عطية، فإن ما يصنعه ليس قارباً بمعنى الكلمة، ويوضح أن حرفة نجار البحر انتقلت من التصنيع إلى محاولة منع الغرق، إذ لا يتم بناء قوارب جديدة بالمعايير المعروفة، بل بما تيسر من حطام المنازل.

المعجزة المرة

يصف عطية حرفة صناعة وقوارب الصيد في غزة بعد الحرب بالمعجزة المرة، فهي تسهم في توفير بدائل موقتة للبقاء على قيد الحياة، لكنها لا تعوض القوارب الاحترافية التي فقدت بالحرب.

في ورشة عطية التي أقامها على الشاطئ لا تتوافر مقومات الكهرباء، ويعتمد العمل فيها على المجهود العضلي والأدوات اليدوية التقليدية والمهارة البصرية. يستخدم "نجار البحر" المنشار اليدوي لقص ألواح الخشب المستخرجة من الأنقاض، ويحتاج لمهارة عالية لقص الزوايا المنحنية للقارب يدوياً.

القدّوم أكثر الأدوات أهمية في عمله، جهة يستخدمها للطرق وجهة حادة تشبه الفأس الصغيرة تستخدم لقلع المسامير، أما الفأرة يدوية أيضاً، ويستخدم النجار مثقاباً يعمل بحركة اليد لعمل ثقوب دقيقة للمسامير والبراغي من دون كسر الخشب الجاف.

ولطلاء القارب بالمواد العازلة المتوافرة، فإن الفرشاة اليدوية هي الحل. وتختلف أدوات القياس البحرية، إذ يستخدم خيط الشاقول والميزان كبديل عن أجهزة ليزر، والقلم الرصاص لرسم مسارات القص على أخشاب الأنقاض غير المنتظمة.

خسائر الحرب

في الحرب خسر قطاع الصيد 75 مليون دولار، مع تدمير 90 في المئة من مقدرات هذا القطاع الحيوي. وبحسب منظمة "الفاو" فإن أسطول الصيد دمر منه ما نسبته 94 في المئة من قوارب الجر الكبيرة، و100 في المئة من قوارب الشنشولة الكبيرة، و70 في المئة من قوارب الفلوكة والحسكات الصغيرة.

كذلك دمر القتال ميناء غزة الرئيس وجرى سحق نحو 120 منشأة تابعة للصيادين، بما في ذلك مخازن المعدات وورش الصيانة وغرف الصيادين على الشاطئ، وفقدت المحركات وأجهزة الملاحة، وقتل في العمليات العسكرية نحو 200 صياد وانهار الإنتاج السمكي اليومي ليصل إلى 7.3 في المئة فقط مما كان عليه قبل الحرب.

إعادة الحياة للقوارب في غزة بوسائل بدائية تحمل دلالات تتجاوز مجرد إصلاح وسيلة نقل، يوضح عطية أنه يكسر حصار الجوع، ويستعيد الكرامة والعمل، ويتحدى المستحيل التقني، وفيه نوع من الابتكار القسري لمواجهة سياسة تدمير القطاعات الإنتاجية.

والأهم من ذلك يقول عطية "وجود قوارب غزة في عرض البحر حتى لو كانت متهالكة، هو تأكيد سياسي وميداني على الحق في ممارسة الصيد والملاحة، ومنع تحويل الساحل إلى منطقة مهجورة. إعادة الحياة لهذه القوارب تعني أيضاً أن الصياد يقبل الإبحار في توابيت خشبية غير آمنة، ما أفعله عملية إنعاش قطاع الصيد بالكامل".

مدة مضاعفة وتكاليف لا طاقة لسكان غزة على دفعها

في ظروف قبل الحرب، كان بناء قارب صغير يستغرق أسبوعاً، لكن الآن مع الاعتماد على الأدوات اليدوية والبحث عن الخشب بين الأنقاض، فإن بناء حسكة يستغرق 15 يوماً، وتكون بمجداف وليس بمحرك، إذ تمنع السلطات الإسرائيلية دخول المحركات الجديدة منذ أعوام طويلة، وما توافر منها تعرض للقصف.

وتضاعفت بعد الحرب أيضاً تكاليف صناعة وترميم القوارب، كانت تكلفة الحسكة 400 دولار قبل الحرب، أما الآن 5500 دولار، إذ أصبحت لخشب الأنقاض سوق حيث يضطر النجار أحياناً لشراء أبواب خشب السويد القديمة من المواطنين بأسعار مرتفعة لاستخدامها في التصنيع. يعقب عطية "بناء قارب هو استثمار باهظ وخطر، فالكلفة التي كانت تبني أسطولاً في السابق، لا تكاد تبني حسكة خشبية بسيطة".

مجداف

الحسكات التي يصنعها عطية بدائية لا تعمل بمحركات، المجاديف هي محركها. يصنعها من أرجل الطاولات وهذه ليست حرفة نجارة وإنما عملية نحت يدوي شاقة، حيث يجري الحصول على المجداف من قطع أثاث صلبة يبحث عنها "نجار البحر" في الركام، للعثور على نوع محدد من الخشب يتميز بالصلابة وغير قابل للكسر تحت ضغط الماء.

أثناء صناعة المجداف، يتم بري الساعد من قطعة خشبية طويلة دائرية باستخدام القدوم لتصبح مريحة لقبضة يد الصياد وانسيابية لا تسبب جروحاً. أما الكفة، وهي الجزء العريض الذي يدفع الماء، يقصها عطية من لوح خشبي على شكل قلب ليشق الماء بسهولة.

بحسب عطية، فإنه يحرص على أن يكون المجداف خفيف الوزن بقدر الإمكان ليتمكن الصياد من التجديف لساعات من دون إرهاق، وفي الوقت نفسه مرناً كي لا ينكسر إذا اصطدم بصخرة أو بجسم القارب، يتابع حديثه "إن رجل الطاولة هي وسيلة الدفع الوحيدة لقارب يحمل رزق عائلة كاملة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جاهز بمعايير غزة

بعد هذه الخطوات التقنية البدائية والمضنية، يعتبر القارب جاهزاً بمعايير غزة الحالية، لكنها جاهزية اضطرارية وليست مثالية، والمرحلة الآن التدشين أي النزول الأول للماء، وبسبب عدم توافر رافعات ينقل عطية القارب يدوياً بواسطة مجموعة من الصيادين الذين يحملونه على أكتافهم أو يدحرجونه فوق دواليب قديمة وصولاً إلى الماء.

ينادي عطية بأعلى صوته على الصيادين الذين نقلوا القارب للماء "اتركوه في منطقة ضحلة لساعات لمراقبة أماكن التسريب، خشب الأنقاض الجاف يمتص الماء ويتمدد، وهنا تظهر الثقوب الصغيرة".

مع الفرحة التي غمرت عطية، انتقل بسرعة ليجهز صناديق حفظ الشباك والأسماك، ويهتف "جرى تجهيز القارب في غزة اليوم، الآن أصبحت أملك نصف معجزة، وسيلة الصمود هذه قادرة على الطفو وحمل صياد أو اثنين، يمكن الآن رمي الشباك الصغيرة لجلب بعض أسماك السردين أو البوري القريبة".

في البحر صعود أول وشبكة صيد

عندما لامست مقدمة القارب أول موجة ساد صمت موقت، فالجميع يراقب خط الطفو، هل القارب متزن أم يميل لجهة ما لأن خشب أحد الأبواب أثقل من الآخر؟ بعد انتظار لدقائق حمل عطية أدوات الصيد البسيطة ودخل المياه يتفحص الحسكة.

الصعود الأول كان حلماً عند عطية، ولحظة تحقيقه قفز بمرونة داخل القارب وأمسك بالمجاديف يضعها في الشناكل المصنوعة من جلد الإطارات. ومع أول شدة مجداف يختبر "نجار البحر" استجابة القارب، هل هو ثقيل كالحجر أم ينساب مع الموج.

في هذه اللحظة، اختلطت الروائح بشكل غريب، رائحة يود البحر المنعشة مع رائحة غبار الإسمنت العالق في مسام الخشب القديم، يصفن عطية ثم يقول فرحاً "هذا قارب يحمل ذكريات بيت دمر ليبحث عن رزق بيت صامد".

يبدأ القارب بالابتعاد عن الشاطئ، صغيراً ومتهالكاً وسط مياه زرقاء عميقة، يودعه الواقفون على الشاطئ بنظرات تمزج بين الفخر والخوف، يقطعها تصفيق الجميع لحظة رفع عطية الشبكة الأولى على متن قارب مصنوع من الركام.

بعد ساعة في عرض البحر، هم عطية العودة إلى الشاطئ، يسحب خلفه الشبكة. ومع الاقتراب من سطح الماء يلمع سمك السردين، بريق العملة الصعبة في غزة، يصيح نجار البحر "يا رزاق يا كريم"، يعلن لمن على الشاطئ أن القارب البدائي قد نجح في مهمته الأولى.

بعد الرحلة جلس عطية على صخرة يحدثنا، يقول "رائحة السمك الطازج التي تفوح من القارب المصنوع من الأنقاض، تعيد للأذهان رائحة غزة القديمة. صحيح أن كمية الصيد قد تكون قليلة بسبب المسافة القصيرة التي يقطعها القارب بالمجاديف، إلا أن قيمتها المعنوية هائلة. إنها تعني أن البحر لا يبخل وأن الابتكار من وسط الموت قد أثمر حياة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير