Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أجساد متعبة وهواتف لا تتوقف... يوميات مراسلي الحرب في لبنان

ما وراء الكاميرا وسط الغارات والقصف ساعات ثقيلة لا تُبث على الهواء

ملخص

تكشف يوميات مراسلي الحرب في لبنان أن ما يظهر على الشاشة ليس سوى جزء صغير من واقع أكثر قسوة وتعقيداً. خلف البث المباشر، حياة يومية من الخطر والتعب والتنسيق المستمر، حيث تتداخل المهنية مع البقاء. تتراجع المنافسة لمصلحة التعاون، ويتحول الزملاء إلى شبكة أمان إنسانية في مواجهة المجهول.

في هذا العالم، يصبح الخوف مؤجلاً، ويُستبدل بالتركيز، بينما تبقى النجاة الهدف الأول.

في يوميات الحرب، يقاس النهار بعدد المرات التي يضطر فيها الإنسان إلى ابتلاع قلبه وإكمال الطريق وليس بعدد ساعاته. تتكثف الأيام على نحو شرس، وتتراكم فيها المسافات والإنذارات والاتصالات والوجوه والركض والبرد والصوت شبه المتوازن للخبر العاجل، ويصبح اليوم الواحد أشبه بعمر صغير مكتظ، له بدايات كثيرة ونهايات مؤجلة.

أدب على الجبهة

في كتابه "الزهير" يكتب باولو كويلو عن الحرب كاختبار داخلي يعيد تشكيل الإنسان من جذوره إضافة إلى كونها حدثاً خارجياً، وهو ما يتقاطع بشكل لافت مع شهادات المراسلين في لبنان اليوم. فشخصية إستير، المراسلة الحربية، لا تذهب إلى الجبهات بدافع المغامرة، إنما لأنها ترى أن "في زمن الحرب، يعيش الناس الحياة عند أقصاها"، وهي عبارة تختصر المفارقة التي يعيشها الصحافي الميداني، إذ كلما اقترب من الموت، اقترب أكثر من معنى الحياة. هذا ما يتردد صداه في شهادات المصورين والمراسلين الذين يتحدثون عن الخوف كنبض متقطع، لا يتجلى أثناء إطلاق النار، إنما قبله وبعده، بينما في لحظة الحدث نفسها يتحول الجسد إلى أداة عمل خالصة، تُؤجل الإحساس إلى ما بعد انتهاء التغطية.

بهذا المعنى، لا يعود المراسل مجرد ناقل للخبر، ويصبح جزءاً من بنيته الوجودية، وعيناً أخلاقية ترى ما لا يريد العالم أن يراه من خراب بصري. وبحيث المراسَلة الحربية ليست مهنة بقدر ما هي حالة وجودية. إنها اختيار واعٍ للوقوف على الحافة، حيث يتساوى الخبر مع الحياة والصورة مع النجاة، واللحظة مع الاحتمال المفتوح للموت. وحين يقول كويلو إن "من يرى الحرب لا يعود الشخص نفسه"، فهو يصف تحوّلاً حقيقياً يعيشه كل من اقترب من الجبهة، سواء كان جندياً أو مدنياً أو صحافياً يحمل كاميرا بدل السلاح.

وراء الشاشات

يرى المشاهدون على الشاشات اللقطة الأخيرة المصقولة، مراسل يقف بثبات وكاميرا مضبوطة وجملة محسوبة، وفي الخلفية صورة دخان أو ركام أو شارع فارغ. ولكن ما لا يظهر هو الحياة الكاملة خلف الكادر. أم تحضر الفطور قبل أن تخرج إلى احتمال الغارة، وصحافي ينام ساعات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ويحسبها ترفاً، ومصور يضع الخوذة ويتظاهر أمام أولاده أن الطريق عادية، ومراسلة تبحث عن زجاجة ماء ومرحاض وإشارة إرسال في جغرافيا تقرر في كل ساعة أن تزداد عداءً.

من وراء الشاشة تحدثت "اندبندنت عربية" إلى مراسلين ومصورين لتغطية يومياتهم والتحدث عن كواليسها.

محمد زيناتي: لا سبق صحافي والتعاون أولاً

يقول المراسل والمصور الحربي محمد زيناتي إن يومه المهني يبدأ باكراً، قبل أن تبدأ التغطية فعلياً. فمنذ لحظة خروجه صباحاً، يبدأ بتقييم ما ينتظره ميدانياً خلال النهار، مستنداً إلى ما جرى ليلاً من تطورات. النوم بالنسبة له ترف نادر، إذ لا يتجاوز في أفضل الأحوال أربع ساعات، وغالباً ما يكون متقطعاً بين ساعات الفجر، تبعاً لحدة الأحداث. يخبر محمد أن الفريق يبدأ بإطلالات مباشرة صباحية، ثم ينتقل إلى إعداد القصص والتقارير. لكن أي تطور ميداني، كغارة أو سقوط ضحايا، يغيّر المسار فوراً، فيتحركون إلى موقع الحدث.

يتعامل محمد مع السلامة بواقعية قاسية، إذ لا يوجد أمان فعلي في الحرب. ومع ذلك، يحاولون تقليل الأخطار عبر ارتداء معدات الحماية، وتجنب التنقل الليلي في المناطق الخطرة، والابتعاد عن المواقع العسكرية، وعدم التحرك منفردين. كما يحرصون على إبلاغ زملائهم بمساراتهم تحسباً لأي طارئ.

يقول محمد "لا مكان للمنافسة الصحافية في الحرب، ولا معنى لفكرة السبق عندما يتعلق الأمر بالضحايا"، لذلك كان من المبادرين إلى إنشاء شبكة تنسيق بين الصحافيين تقوم على التعاون وتبادل المعلومات، إيماناً بأن حرية الصحافة تفرض تضامناً لا تنافساً. ويحاول أيضاً توثيق يومياته عبر سلسلة فيديوهات تظهر الجانب الإنساني من حياة الصحافي في الحرب، في تفاصيل الحياة اليومية التي لا يراها الجمهور.

أما عن المواقف الطريفة، فيوضح أنهم هم من يصنعون الطرافة والضحك، لأن الواقع ليس جيداً ووضعهم النفسي صعب. ومع ذلك، حين يلتقون كزملاء، يحاولون المزاح وتبادل النكات واختراع مواقف خفيفة لتخفيف الهم والتعب، وصنع جو خاص بهم. ويؤكد أنهم يسعون دائماً إلى إيجاد هذه المساحة التي تغذي الروح وتمنحهم بعض النشاط وتخفف عنهم على رغم الألم.

ويقول إن مجرد عبورهم إلى الجنوب هو في ذاته عبور إلى مكان غارات واعتداءات وقصف ومناطق خطرة، وهو كان أصيب عدة مرات آخرها قبل ثلاثة أشهر عندما أصيب في يده نتيجة غارة قريبة منه. أما أصعب ما يواجهه، فهو توثيق موت الأطفال، بحيث تصبح "أصغر النعوش أثقلها".

فنجان قهوة ووقفة قصيرة خلف الكواليس

على سطح أحد المباني المطلة على الضاحية الجنوبية لبيروت، يجتمع عشرات الصحافيين، بين مراسلين ومصورين وتقنيين، يرصدون القصف الإسرائيلي المتواصل وينقلون تفاصيله لحظة بلحظة.

لكن بين بث مباشر وآخر، وبين رسالة مفتوحة وتسجيل صوتي، تنسحب الكاميرات قليلاً، ويستعيد هؤلاء بعض أنفاسهم. يجلسون متجاورين، بعضهم على كراسٍ وفرها سكان المبنى، وآخرون على الأرض التي تبدو، في تلك اللحظات، أكثر راحة مما يُظن.

وفي ثقل الساعات الطويلة، تأتي القهوة كفسحة نجاة صغيرة. يعدّها أحد الزملاء على موقد متنقل لا يفارقه، يحمله كما يحمل كاميرته، ويتنقل بها بين رفاقه. يوزّع الأكواب واحداً تلو الآخر، ومع كل فنجان، يمنحهم شيئاً من الدفء… وقليلاً من الإيجابية التي تتآكل تحت وطأة الدقائق والساعات والأيام.

لارا الهاشم: الحذر حتى لا نتحول إلى خبر!

تخبر مراسلة قناة "أل بي سي" اللبنانية لارا الهاشم أن القلق عليها يبدأ من البيت من والدتها وأخواتها امتداداً إلى عائلتها الكبيرة قبل أن يبدأ من الميدان. فيلاحقون أخبارها واتصالاتها ويسألونها باستمرار أين هي، وإلى أين تتجه، وماذا تغطي. وحين يشاهدونها على التلفزيون يرسلون فوراً ليطمئنوا أو ليطلبوا منها أن تكتب لهم عن حالها. هذا القلق، في نظرها، ليس تفصيلاً عابراً، إنما هو عبء عاطفي تحمله معها إلى كل مهمة، لأنه قلق من يحبها ويخاف عليها. وفي الميدان، تؤكد أنها لم تختبر الحرب كمساحة تنافس بين الصحافيين، وإنما كمساحة تكامل. فهناك من الزملاء من يعرف الجغرافيا أكثر، وهناك من يمتلك المعلومة أكثر، ولذلك يتعاون الجميع بحسب نقاط القوة التي يملكها كل واحد.

وعن النوم، تقول إنه يكاد يختفي بسبب متابعة الضربات والأحداث الإقليمية للبقاء على اطلاع دائم. ومع اضطرارهم إلى الخروج في الصباح الباكر إلى مناطق بعيدة، إضافة إلى وجود أحداث ليلية تتطلب تغطية مبكرة، يصبح النوم قليلاً جداً. وتخبر أنها لا تشعر بالخوف قبل الذهاب، غير أن الحذر يرتفع كثيراً داخل المكان الخطر نفسه. وتذكر حادثة في منطقة الخردلي الجنوبية حين كانت الطريق مقطوعة، وبدأت الصواريخ تنطلق فوقهم، فارتفع منسوب القلق لديها وصارت تريد فقط إنهاء التصوير والرسالة المباشرة بسرعة والمغادرة. وتعتبر هذا الحذر ضرورة مهنية حتى لا يتحول الصحافي نفسه إلى خبر.

وتقول لارا إن هاجسها الأول هو الوصول إلى النقطة المطلوبة والحصول على الصورة القوية التي توثق الحدث عن قرب، لأن الموضوع، مهما كانت معلوماته جيدة، يفقد جزءاً كبيراً من قيمته إذا غابت عنه الصورة المؤثرة. غير أن الطريق إلى هذه الصورة مليء بالمشقات اليومية، من استيقاظ مبكر جداً ونهار طويل وصعوبة العثور على الطعام أو حتى الماء، وأحياناً العجز عن دخول المرحاض لساعات طويلة.

ولأن هذه الحرب جاءت في الشتاء، فلقد تضاعفت صعوبة التغطيات، كما حدث في بعلبك وعلى طريق ضهر البيدر وسط العاصفة والضباب والرياح، حيث صار الطريق نفسه خطراً يضاف إلى خطر الحرب.

وفي ما يتعلق بالسلامة، تشدد على أهمية تقدير الأخطار قبل الانطلاق، واختيار الطرق الأقل خطراً، وتقليص مدة البقاء في الأماكن المكشوفة أو المعرّضة للغارات، مع ارتداء الخوذة والدروع، ثم ترك الباقي على الله.

إدمون ساسين: الضغط يكون أخف عند الحضور الجماعي

يوضح مراسل "العربي الجديد" إدمون ساسين أن الخروج لتغطية الحرب ينقسم إلى مستويين أساسيين. الأول يتعلق بالتحضير الميداني، إذ يبدأ العمل بتأمين كل الجوانب اللوجستية المرتبطة بالمكان المقصود، من سلامة الطريق إلى أمان النقطة التي سيتم التمركز فيها. ويتطلب هذا التحضير تواصلاً دائماً مع مختلف الأطراف الفاعلة على الأرض، من الجيش إلى قوات الأمم المتحدة "اليونيفيل" وسواها، لضمان أعلى قدر ممكن من الحماية. كذلك يشمل ذلك دراسة البيئة المحيطة في حال الإقامة لفترة، مثل توفر الطعام والدواء وفتح المحال، إضافة إلى تحديد الطرق الآمنة، ومراقبة الجسور، ومتابعة الإنذارات المسبقة، وإجراء تقييم دقيق لمستوى الخطر، وطبيعة الاستهدافات.

أما المستوى الثاني، فيرتبط بالبعد الشخصي والعائلي، إذ يشير إلى أن التوجه إلى مناطق الحرب يعني الانتقال إلى بيئة أعلى خطورة من الحياة اليومية، ما يولّد هاجساً دائماً بإمكانية التعرض لأي أذى. كذلك يلفت إلى أن الابتعاد عن العائلة والبيت، بوصفه مساحة الأمان الأساسية، يفرض ضغطاً نفسياً ومعنوياً كبيراً، لا يقتصر على المراسل وحده، بل يمتد إلى عائلته أيضاً، بخاصة مع وجود أطفال يطرحون أسئلة يومية عن موعد العودة، في مشهد يعكس عبء القلق المتبادل بين الطرفين.

وعن العمل الميداني مع الزملاء، يبين أن الحضور المشترك لا يكون دائماً مستمراً، إلا أن نقاط الاستراحة أو التمركز، خصوصاً في مناطق مثل القطاع الغربي، تجمع معظم الفرق الإعلامية المحلية والأجنبية، ما يخلق نوعاً من التعاون المهني والإنساني. ففي المساحات الضيقة، يتشارك المصورون والمراسلون في تنظيم العمل وتبادل المعلومات، وقد يتخلل ذلك بعض المزاح لتخفيف الضغط. ويلاحظ أن مستوى الضغط يكون أخف عند الحضور الجماعي، بينما يرتفع بشكل ملحوظ عند التنقل الفردي.

وفي ما يتعلق بالخوف، يؤكد أنه شعور موجود لدى الجميع، غير أن الخبرة تساعد على إدارته، من خلال حسن اختيار الموقع والتوقيت، والتنسيق المسبق، والمعرفة الدقيقة بطبيعة المكان واحتمالات استهدافه.

ويختتم بالتشديد على أن السلامة تبقى المعيار الأهم في العمل الميداني، على رغم السعي الدائم إلى الاقتراب من الحدث لنقل الصورة والمعلومة. ويرى أن أي قصة، مهما بلغت أهميتها، لا تستحق أن تُدفع مقابلها حياة المراسل أو المصور، لأن الخبر قد يفقد قيمته بعد أيام، بينما تبقى خسارة الإنسان دائمة.

رنا نجار: الحضور في الميدان أفضل من البقاء في المنزل

من جهتها، تخبر المراسلة الحربية رنا نجار، التي تعمل بشكل مستقل مع مؤسسات أجنبية عدة، أنها تعيش توتراً دائماً يسبق أي مهمة ميدانية، لأن الهاجس الأول في التغطية ليس القصة الصحافية وحدها، إنما الطريق إليها وكيفية الوصول والعودة. تستعيد مثلاً أنها كانت ستتوجه إلى حاصبيا جنوب البلاد، ثم تعذر استكمال الطريق، فعادت إلى بيروت واضطرت إلى سلوك طريق آخر عبر البقاع.

وتوضح أن وجودها في الميدان يخفف عنها أحياناً أكثر من بقائها في المنزل، لأن البقاء في البيت وسط الأخبار المتلاحقة يمنحها شعوراً بأن الدنيا كلها تُقصف دفعة واحدة، فيما الوجود على الأرض يجعلها ترى المكان وتفهم حدوده وتفاصيله. وتقول إن الوجود على الأرض يعيد صياغة علاقتها بالأرض وبالهوية، ويجعلها تعيد طرح أسئلتها السياسية مع من تقف، ولمن، ولماذا يريد هؤلاء الحرب ولماذا لا يريدها الآخرون، وأنها مع كل خروج ميداني تعود إلى هذه الأسئلة المرتبطة بالهوية والانتماء.

وتشرح أن التغطية في الحرب لا تعرف الخطة الثابتة. لا أحد يستطيع أن يقرر قبل أسبوع ماذا سيفعل. القرار قد يُتخذ ليلاً، ثم تتغير الأمور مع الفجر. قد تستعد للذهاب إلى الجنوب ثم يستهدف القصف بيروت نفسها، فيلغى كل شيء، وتقول "الزمن في الحرب يسبق الصحافيين دائماً، فيما يُطلب منهم أن يكونوا جاهزين باكراً وعلى الدوام". وفي بداية الحرب، وضعت على سيارتها كلمة "صحافة"  من الجهات كلها، من الأمام والخلف والجانبين وفوق السيارة، على أمل أن تُرى من الجو.

وتقول إنها، بطبيعة الحال، تودّع قبل كل مهمة فتتصل بابنتها قبل الوصول إلى أي مكان خطر، حتى لو كان على أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت، لتقول لها إنها تحبها وتطلب منها أن تبقى قوية، من دون أن تشرح لها أين هي ذاهبة. أحياناً تقول لها فقط إنها تشتاق إلى النوم قربها. أما والدتها فلا تخبرها بشيء حتى لا تقلقها، فيما تعتمد على شقيقتها كجزء من "نظام الأمان" الخاص بها، لأنها صحافية أيضاً وتتابع السياسة والأخبار لحظة بلحظة. وتخبرها مسبقاً بالمكان المقصود وتطلب منها مراقبة أي خبر عاجل أو قصف أو إنذار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التفاصيل التي لا تظهر على الشاشة

ترى رنا أنها تعرف كيف تتصرف تحت الضغط، أكثر مما تعرف كيف تتصرف حين يكون لديها وقت طويل للتفكير. وتستعيد انفجار المرفأ في صيف عام 2020، حين أصيبت هي وزملاء لها في جريدة "النهار" وسط بيروت، كانت تعرف كيف تتصرف، فلم تفقد وعيها ولم تنهَر، بل انشغلت بمساعدة من كانوا أكثر إصابة منها، من خلال تأمين دراجات نارية أو سيارات لهم وطلب الإسعاف. وتضيف أنها تعرف كيف تتصرف بصورة فائضة في مثل هذه اللحظات.

تضيف أنه لا توجد في الحرب أشياء طريفة كثيراً. فحتى حين تنشأ خلافات ميدانية، يكون ذلك على خلفية العمل، لأن الصحافي الأجنبي الذي يرافقها قد يتحمس أحياناً بطريقة لا تناسب البيئة، بينما هي، بحكم معرفتها بالعادات والتقاليد وبكيفية الاقتراب من الناس، تعرف أي الأسئلة تُطرح وكيف يمكن التعامل معهم من دون استفزازهم أو جرحهم. وتوضح أن دورها في هذه الحالات يقتضي قدراً كبيراً من الدبلوماسية ومهارات التواصل، وأن عليها أن تُشعر الناس بأنها منهم وفيهم، وليست غريبة عنهم.

وفي يوميات المراسلين، تتوقف عند التفاصيل التي لا تظهر على الشاشة. تقول إنها تحتاط دائماً للطعام والشراب، تملأ سيارتها بصناديق مياه، وتحمل التمر واللوز والجوز وكل ما يمنح طاقة ولا يفسد، وتأخذ معها شطيرة وتفاحاً وبعض الخضراوات لأنها أطعمة يمكن تناولها بسرعة. أما الراحة فتكاد تكون معدومة، إذ لا وجود فعلياً لمكان مريح في الحرب، وحتى الفنادق الفخمة لا تمنح هذا الإحساس، لأن مراكز الانتظار تتحول إلى غرف عمل مكتظة بالصحافيين والمترجمين والمحررين.

وتضيف أن المراحيض والنظافة الشخصية من أعقد المشكلات اليومية، وقد تمر أيام من دون العثور على مرحاض مناسب. كذلك تشير إلى صعوبة العمل في مكان خطر، إذ اضطرت حديثاً، في طريق عودتها من صور أو من إحدى مناطق الجنوب إلى بيروت، إلى مواصلة العمل داخل السيارة، فبينما كانت تقود، كانت زميلتها تكتب وتنفذ العمل، وكانت هي تترجم.

علاقة قائمة على المساعدة 

وفي الحرب السابقة تذكر رنا أنها رأت للمرة الأولى قصفاً إسرائيلياً في منطقتها في البقاع شرقاً من بلدة رياق إلى سمشطار، "أول مرة أرى الناس تُهجَّر، أول مرة ينزحون. كنت أذهب إلى مدارس النزوح فأجد أقاربي وأشخاصاً يعرفونني. أناس يبكون ومقهورون، ورأيت جرحى داخل المستشفى، وكان الأمر شديداً جداً علي... وصلت إلى البيت، وكنت أحتبس كل هذا داخلي، ولم أستطع أن أصل إلى قريتي لأن الطريق كان مقفلاً بسبب غارة. وصلت إلى البيت وقلت لوالدتي اليوم شعرت أن أبي مات. كنت أريد فقط أن أذهب إلى قريتي لأرى قبر أبي، لكن لم أستطع، وبكيت...".

تصف رنا العلاقة مع الزملاء بأنها قائمة في معظم الوقت على المساعدة، وليس على الصراع. وتؤكد أن الخوف والقلق موجودان دائماً، لكنهما يرتفعان وينخفضان بحسب كثافة الغارات. وتقول إنها لا تخاف من الموت بقدر ما تخاف من الذل والجوع وانقطاع النفط، ومن أن تتعرض ابنتها أو والدتها للمهانة، أو أن يحدث شيء لأحد من أفراد عائلتها من دون أن تستطيع الوصول إليه، أو أن تتقطع أوصال البلد فلا يعود الناس قادرين على التنقل بين المناطق، كما حصل في حرب عام 2006 حين حوصرت عائلتها في مناطق معينة.

وتشير إلى أن الحرب الماضية تركت فيها أثاراً جسدية، إذ ظهرت لديها بقعة بيضاء في حلقها، وبعد الفحص والخزعة تبيّن أنها نوع من الأمراض المرتبطة بالصدمات النفسية التي تظهر بعد الـصدمة. وتقول إن هذه البقعة لا تزال موجودة وقد تكبر أو تمتد، وإنها على الأرجح نتجت من حادثة وقعت لها في بلدة جزين حين سقطت غارة أمامهم مباشرة. لكنها تضيف أن هذا هو عملها وخيارها، وأنها تستمتع به ولم يُجبرها أحد عليه.

وتوضح أن خطها الأحمر أنها لا تريد أن تموت وأن تغطي الحرب وتخرج منها سالمة كاملة، لا أن تعود بعضو مبتور أو بجسد مشوّه، وتقول "حتى لو عرض علي ألف دولار في اليوم للذهاب إلى مناطق شديدة الخطورة، لن أقبل".

وتلفت أخيراً إلى أن من بين الأمور الجميلة في الحرب أنها تعيد لقاءها بزملاء لم ترهم منذ أيام الجامعة، أو بآخرين سبق أن عملت معهم في مؤسسات أخرى، وهذا ما يحمل عزاءً ما، لأنه يجعلها ترى أشخاصاً تحبهم، أو ترى فيهم نفسها ويرون هم أنفسهم فيها، أو تسمع منهم كلاماً طيباً عن تجربتهم معها.

فضل عيتاني: أعود راكضاً لأطفالي

يقول المصور الحربي فضل عيتاني إنه يعيش الحرب يوماً بيوم، حاملاً شعوراً دائماً بأن كل يوم قد يكون الأخير. يودّع عائلته باستمرار، والدته وزوجته وأولاده، من دون أن يخبرهم إلى أين يذهب أو ماذا سيغطي، في محاولة لحمايتهم من القلق. وبعد كل مهمة، يسارع إلى الاتصال ليؤكد أنه بخير.

في الميدان، يتعامل مع السلامة بقدر من الخبرة المكتسبة. يرتدي السترة والخوذة، ويحاول استخدام أي ساتر ممكن. تعلّم أن الشظايا والحجارة المتطايرة قد تكون أخطر من الرصاص، لذلك يسعى للبقاء على مسافة آمنة، على رغم اعترافه بأنهم أحياناً يقتربون أكثر مما يجب. يدرك أن الصورة القوية قد تكون أحياناً هي اللحظة التي تنهي حياة صاحبها، ومع ذلك يواصل العمل، متأرجحاً بين الحذر والمخاطرة وفقاً للمكان والظرف وحتى المزاج.

يصور فضل مختلف المناطق، من بيروت إلى الضاحية والجنوب، ويذهب حيثما يكون الحدث. وعندما يثبت كاميرته، يدعو الله أن يلطف بالناس وبأحلامهم وأرزاقهم. ويخبر أن علاقته بالزملاء تشكل جزءاً أساسياً من يومياته. فالوقت الذي يقضيه معهم يفوق ما يقضيه مع عائلته، وعلى رغم وجود الضغط، تبقى هناك مساحة للمزاح والمودة بينهم، يمزحون، يخففون عن بعضهم، ويقلق كل واحد على الآخر ، فيذكره بارتداء الخوذة أو السترة، ويوزع الجميع على بعضهم بعضاً نصائح السلامة والدعاء.

وفي لحظات القصف، لا يهيمن عليه الخوف بقدر ما يسيطر عليه التركيز على الصورة، وكيف يلتقطها ويوثقها. أما الخوف الحقيقي فيأتي لاحقاً، حين يعود إلى البيت ويستعيد تفاصيل يومه، فيراجع قراراته بين التهور والتعقل، عندها فقط تتسلل الأسئلة والقلق.

أما يومياته، فهي سلسلة من التحديات الجسدية والنفسية. فوقت الذهاب قد يكون معروفاً، أما وقت العودة فلا يعرفه إلا الله. والأكل غير منتظم، وغالباً غير صحي، وأحياناً يمر سريعاً عند والدته ليأكل قبل أن ينطلق مجدداً. أما النوم فشبه معدوم، وقد ينام على كرسي إن حالفه الحظ، كما حصل حين أمضى ليلة كاملة على سطح بناية في الصقيع والبرد.

ويشير فضل أيضاً إلى كثافة الاتصالات التي يتلقاها بعد كل غارة، من العائلة والأصدقاء وحتى معارف يطلبون منه الاطمئنان على بيوتهم. يتحول إلى مصدر معلومات مباشر، وأحياناً يضطر إلى إغلاق هاتفه من كثرة القلق الجماعي.

يقول "على المستوى الشخصي، تغيّر إحساسي بالمخاطرة بعد أن أصبحت أباً لطفلين. لم أعد أتصرف باندفاع كما في السابق"، إذ بات يرى نفسه من خلال عيون ابنه البالغ أربع سنوات وابنته ثلاث سنوات. يستعيد موقفاً مؤثراً حين طلب منه ابنه أن يبقى، فاضطر للشرح أنه يجب أن يعمل، فطلب منه الطفل أن ينتبه لنفسه ويجلب له حلوى.

غنوة يتيم: الاعتياد القسري وتطبيع الوقائع

من جهتها، تقول مراسلة "الحدث" غنوة يتيم إنها في ظل الأزمات المتراكمة التي يعيشها لبنان منذ عام 2019، باتت تتعامل مع الأحداث، بما فيها الحرب، بنوع من الاعتياد القسري، وتعيش كل يوم بيومه. وتوضح أن عقلها أصبح مبرمجاً على احتواء هذه الوقائع والتعامل معها بقدر من "الطبيعية"، على رغم استثنائيتها.

وتوضح أنها، بصفتها أماً، تحرص على الحفاظ على روتين يومي طبيعي، فتعد الطعام أو تجهز وجبات أطفالها للمدرسة، وتبدأ عملها بعدها، أو تنام لساعات قليلة بعد المناوبات الليلية ثم تتابع يومها. وتؤكد أنها تتجنب نقل القلق إلى أطفالها، فتشرح لهم أن ما يسمعونه من أصوات الحرب بعيد، وتحرص على طمأنتهم باستمرار.

وفي ما يتعلق بعلاقتها بزملائها، تشير إلى أن التغطيات العادية لا تتيح وقتاً كافياً لبناء علاقات، أما في الحرب فالوضع مختلف، حيث تقضي ساعات طويلة أكثر من 10 ساعات، أوقات عمل وأوقات فراغ، مع زملاء من مؤسسات مختلفة، ما يخلق مساحة للتواصل والتعارف.

وعلى صعيد التحديات اليومية توضح أن الفوضى تكون سائدة في بداية الحرب، قبل أن يبدأ العمل بالتنظيم التدريجي وإيجاد حلول. وتشير إلى صعوبات لوجيستية واجهتهم، مثل غياب مرافق أساسية أثناء التغطيات، ما اضطرهم أحياناً للجوء إلى سكان المباني المجاورة، وأحياناً عند الساعة الخامسة صباحاً، إلى أن تم تأمين بدائل أكثر استقراراً إذ وجدوا سطحاً مرتبطاً بشقة يمكن أن تؤمن لهم هذه الخدمات مقابل دفع إيجار.

وتلفت غنوة إلى حساسية العمل في مراكز النزوح، حيث قد يواجه الصحافي رفضاً أو شكوكاً من النازحين، بخاصة إذا كان ينتمي إلى وسيلة إعلام ذات توجه سياسي معين. لكنها تؤكد أن مقاربتها إنسانية بالدرجة الأولى، وأن هدفها نقل صوت المدنيين وليس استخدام صوتهم.

وفي ما يتعلق بتجاربها الشخصية خلال الحرب، تشير إلى أن تهديد إحدى الغارات لمبنى فيه القرض الحسن في منطقة سليم سلام – زقاق البلاط في بيروت حيث منزل أهلها في المبنى ذاته، ما جعل همها الأول تأمين سلامتهم ونقلهم إلى منزلها، من دون التفكير بالنزول للتغطية.

وفي ما يخص الموازنة بين السلامة المهنية والمجازفة، توضح أن القرار يعتمد على طبيعة المهمة. فهي قد تقبل بالمخاطرة في حدود معينة إذا كان الخطر محصوراً بمضايقات أو احتكاكات ميدانية، لكنها ترفض المجازفة في ظروف قد تعرض حياتها للخطر المباشر، مؤكدة أن سلامتها وعائلتها تأتيان قبل أي خبر. وتستعيد في هذا السياق مقولة لأحد مديريها السابقين بأن حياة الصحافي أهم من أي سبق صحافي، وهو مبدأ تؤمن به.

هكذا، حين ننظر إلى هذه اليوميات مجتمعة، تبدو الحرب نظام حياة كاملاً يبتلع من يقترب منه. وما يظهر على الشاشة ليس سوى قشرته الأكثر تهذيباً. وخلف الصورة، مراسلون ومصورون وتقنيون تنتظرهم عائلاتهم، ويحاولون ألّا يتحولوا إلى خبر، وألّا يسقطوا في الإغراء الأسهل، أن يقسوا أكثر كي يحتملوا أكثر. ولهذا تبقى شهاداتهم أثمن من التحليلات الباردة، لأنها تردّ الحرب إلى حجمها الحقيقي، بعيداً من خرائط وتحالفات وبيانات، إلى أجساد متعبة وهواتف لا تتوقف، وطرقات محفوفة بالإنذار، أطفال ينتظرون قبلة سريعة...

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات