ملخص
تسبب اعتقال الغزي في أزمة دبلوماسية فورية بين البعثة الأوروبية وإسرائيل، وتقول رئيسة بعثة "يوبام رفح" ناتاليا أبوستولوفا إن "البعثة طرف ثالث محايد لا تقبل تحويل الممر الإنساني إلى نقطة ملاحقة أمنية للمسافرين الحاصلين على تصاريح طبية، لذلك ما جرى بمثابة خرق للاتفاقات، تحديداً اتفاق التنقل والعبور".
عندما قرر المريض محمد عثمان العودة لغزة عبر معبر رفح حديث التشغيل، لم يكُن يعرف أن مصيره الاعتقال من الجانب الإسرائيلي، إذ فور وصوله إلى المنفذ اقتحمت قوة من الجيش الموجودة في محيط المعبر المكان واقتادته إلى جهة مجهولة.
وكان محمد في رحلة علاجية طويلة في مصر استمرت ثلاثة أعوام، وعند وصوله إلى منطقة التفتيش الفني الواقعة في الجانب الفلسطيني من معبر رفح، تحديداً في المساحة التي تسيطر عليها قوات الاحتلال أمنياً حيث أجهزة المسح الضوئي، داهمت القوة الإسرائيلية المكان واعتقلته.
صدمة أمنية
وأوقف محمد أثناء إنهائه إجراءات ختم الجوازات والفحص الروتيني للأمتعة وهو في طريق عودته للقطاع، مما أثار غضب البعثة الأوروبية التي تشرف على تشغيل المعبر، إذ عدت الحادثة تجاوزاً للخطوط الحمراء.
فمن وجهة نظر البعثة الأوروبية، إن حادثة الاعتقال وقعت في منطقة يفترض أنها تحت إشراف المراقبين الدوليين والتنسيق المشترك، ومداهمة الجيش للمكان واعتقال غزي أثناء عودته للقطاع بمثابة صدمة وخرق واضح للترتيبات الأمنية المتفق عليها لتشغيل المنفذ.
وتُعد هذه الحادثة سابقة أولى، فهي أول عملية اعتقال لمسافر عبر معبر رفح منذ إعادة فتحه بعد انتهاء الحرب لعبور المرضى والمصابين، لذلك علقت بعثة المراقبة الأوروبية العاملة في المنفذ عملها احتجاجاً، وعلق كذلك الهلال الأحمر نقل الفئات للسفر، وتسبب ذلك في تعليق حركة المسافرين تماماً.
آلية التشغيل المتفق عليها
بحسب بروتوكولات تشغيل معبر رفح، فإنها تستند إلى اتفاق التنقل والعبور لعام 2005، وتتضمن أن يتولى الجانب الفلسطيني تشغيل المعبر من جهته، بينما يتولى الجانب المصري التشغيل من جهته، بوجود طرف ثالث مراقب وهو بعثة الاتحاد الأوروبي لضمان تنفيذ المعايير المتفق عليها.
ولا يسمح بالسفر لأي شخص إلا بعد خضوعه لآلية التدقيق الأمني، إذ يجري تبادل كشوفات المسافرين المسجلين مسبقاً والموافقة عليها من قبل الجانبين المصري والإسرائيلي قبل موعد السفر، أما أثناء الرحلة فيخضع المسافرون لفحص وتحقق إضافي في نقاط تفتيش محددة تخضع لسيطرة أمنية مباشرة من إسرائيل للتأكد من المعايير المطلوبة.
ويُعد اتفاق 2005 المرجع القانوني لعمل البعثة الدولية، والذي ينص على أن يكون المعبر ممراً آمناً للأفراد، ويمنع أية تدخلات عسكرية تعرقل حركتهم داخل حرم المعبر، ولهذا السبب تعد حادثة الاعتقال خرقاً لهذه البروتوكولات لأنها تضمن حماية المسافرين الذين حصلوا على موافقة أمنية مسبقة، مما دفع البعثة الأوروبية إلى تعليق عملها موقتاً احتجاجاً على فقدان هذه الضمانات الأمنية.
أزمة دبلوماسية
وتسبب اعتقال الغزي في أزمة دبلوماسية فورية بين البعثة الأوروبية وإسرائيل، وتقول رئيسة بعثة "يوبام رفح" ناتاليا أبوستولوفا إن "البعثة طرف ثالث محايد لا تقبل تحويل الممر الإنساني إلى نقطة ملاحقة أمنية للمسافرين الحاصلين على تصاريح طبية، لذلك ما جرى هو بمثابة خرق للاتفاقات، تحديداً اتفاق التنقل والعبور".
وتضيف أبوستولوفا أن "البعثة تجري محادثات مكثفة مع جميع الأطراف بهدف الضغط للإفراج عن المسافر المعتقل والحصول على ضمانات قاطعة بعدم تكرار مثل هذه الحوادث لضمان سلامة المسافرين المستقبليين، ونحذر من أن مثل هذه الإجراءات تقوض الثقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحتى اللحظة لم تعلن السلطات الإسرائيلية عن تهم محددة بصورة رسمية وواضحة ضد المعتقل، إذ جرى تحويل محمد عثمان إلى مركز تحقيق عسقلان ومنع المحامي من زيارته بحجة الدواعي الأمنية، مما تسبب في قلق حقوقي وأثار مخاوف لدى آلاف الغزيين العالقين في الخارج أو الذين يحتاجون إلى السفر للعلاج من تحول المعبر إلى مصيدة للاعتقال.
مخاوف حقوقية
ويعتقد حقوقيون بأن معبر رفح تحول فعلاً إلى مصيدة أمنية، ويقول مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي الصوراني "هذه جريمة حرب واستغلال لحاجة المرضى، هناك مؤشرات عدة تدعم فرضية المصيدة، إذ إن خرق الحماية الدولية ووقوع الاعتقال داخل منطقة التفتيش وبوجود البعثة الأوروبية كسرا الضمانات التي كانت تعتقد العائلات بأنها تحمي المرضى والجرحى".
ويضيف أن "إسرائيل استغلت قوائم التنسيق المسبق لمطابقة الأسماء مع قواعد بياناتها الأمنية، مما يعني أن كل من يتقدم بطلب سفر قد يضع نفسه تحت المجهر الأمني، والمعبر حالياً في مرحلة اختبار ثقة، فإذا تكررت حوادث الاعتقال، سيفقد صفته كممر إنساني آمن ويتحول فعلياً إلى مصيدة".
وبعد حادثة الاعتقال تراجعت أعداد المتقدمين للعودة، إذ يسود حذر شديد بين أوساط المرضى، وخلقت الحادثة حالاً من الذعر والارتباك، ويقول الباحث في علم النفس حسن العيش "أدت الواقعة إلى شلل الحركة الإنسانية وتسببت في أزمة ثقة دولية، إذ كانت ضربة قوية لجهود المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي في تقديم المعبر كنموذج لممر آمن، بخاصة أن البعثة الأوروبية ظهرت كطرف عاجز عن حماية المسافرين المنسق لهم مسبقاً".
ويضيف أن "الحال السيكولوجية للمسافر تغيرت وأصبح هناك ’فوبيا‘ التنسيق الأمني، فسادت مخاوف من أن طلب السفر للعلاج أصبح بمثابة تقديم معلومات مجانية لإسرائيل، مما دفع بعضهم إلى إلغاء رحلاتهم العلاجية خوفاً من الاعتقال عند العودة. واليوم يخشى الغزيون أن يتحول المعبر إلى أداة لابتزاز المرضى ومقايضة علاجهم أو عودتهم بتقديم معلومات أمنية، مما يعرف بالابتزاز الإنساني".
ويوضح العيش أن تلك الحادثة قد تؤدي إلى هرب الكفاءات والجرحى، فهذه الممارسات تدفع إلى عزوف الجرحى عن العودة للقطاع خوفاً من الملاحقة، مما يشتت العائلات الفلسطينية ويزيد من أعداد النازحين والتهجير القسري. ومن وجهة نظره، فإن الحادثة لم تكُن مجرد اعتقال فرد، بل كانت اختباراً للقواعد، فإذا مرت فإنها ستؤسس لمرحلة يكون فيها المعبر تحت رحمة القرار الأمني المباشر لإسرائيل.
"حماس" والسلطة ترفضان المصيدة الأمنية لكن ماذا عن إسرائيل؟
وكان الموقف الفلسطيني موحداً ضد حادثة الاعتقال، فيقول المتحدث باسم حركة "حماس" فوزي برهوم إن "ما جرى هو عملية اختطاف غادرة وقرصنة أمنية، إسرائيل استخدمت التسهيلات الإنسانية ووجود المراقبين الدوليين كغطاء لخداع المرضى واستدراجهم لاعتقالهم".
ويضيف أن "الحادثة هي طعنة في ظهر التوافقات الدولية، فالمعبر يجب أن يكون فلسطينياً- مصرياً خالصاً من دون أي تدخل أمني إسرائيلي، ووجود نقطة تفتيش إسرائيلية احتلال مقنع للمعبر".
أما هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية، فرأت أن الاعتقال ينسف بروتوكولات الثقة، ويوضح المتحدث باسمها عماد قراقرة "أجرينا اتصالات عاجلة مع الجانب الإسرائيلي والشركاء الدوليين للاحتجاج على هذا التجاوز الخطر، لا يمكن قبول تحويل الممر الإنساني إلى نقطة ملاحقة أمنية، نريد ضمانات لعدم تكرار هذا الخرق لضمان استمرارية عمل المعبر وتسهيل حياة المواطنين".
وبعد الحادثة أجرت البعثة الأوروبية والشؤون المدنية محادثات مع إسرائيل تضمنت طلبات وشروطاً، إذ تفيد المعلومات الواردة بأن الجهات الفلسطينية طلبت لضمان استقرار العمل في المعبر ضمانات الحصانة الإنسانية من خلال عدم تعرض أي مسافر حاصل على موافقة أمنية مسبقة للاعتقال أو التوقيف، وكذلك تعزيز دور البعثة الأوروبية بالوجود الميداني الفعلي في نقطة التماس وعدم الاكتفاء بالرقابة عن بعد عبر الكاميرات.
لكن وسط كل هذا الخوف، ما هو الموقف الإسرائيلي؟ على أرض الواقع تمسكت تل أبيب بالذرائع الأمنية مع تقديم تأكيدات إجرائية محدودة لضمان استمرار عمل المعبر، ويقول منسق أعمال الحكومة في المناطق إن "عملية الاعتقال استندت إلى معلومات استخباراتية ضرورية، وتشغيل المنفذ لا يعني منح حصانة للأفراد الذين يشكلون خطراً أمنياً. تمتلك تل أبيب الحق القانوني والميداني في توقيف أي مسافر مشتبه به، حتى لو كان حاصلاً على تنسيق مسبق".