ملخص
تتلاقى خطة عربات جدعون مع خطة السلام والازدهار، فإسرائيل تريد حشر السكان في رفح الجديدة لتسهيل مراقبتهم عسكرياً.
في الوقت الذي ينشغل فيه مجلس السلام بوضع مسودات لنزع سلاح "حماس" ويتفاوض معها على آليات التنفيذ، ويتحمس العالم للسلام المستقبلي الذي لا نظير له، باغتت إسرائيل الجميع بفرض الخيار العسكري وإعادة احتلال القطاع بالكامل.
تحت شعار نزع السلاح الشامل، تتأهب إسرائيل سياسياً وعسكرياً ودبلوماسياً لاستئناف الحرب على غزة، إذ كشفت حكومة بنيامين نتنياهو عن خطة شاملة لاحتلال القطاع عسكرياً وإدارياً، ومع تتبع مسار التسريبات العسكرية يؤكد المراقبون السياسيون أن المحطة النهائية هي حشر سكان غزة في رفح الجديدة.
"عربات جدعون 3"
بصفته وزيراً ثانياً لوزارة الدفاع الإسرائيلية، أطلق بتسلئيل سموتريتش رصاصة الرحمة على المسار السياسي الذي تتبعه الولايات المتحدة، وقال "إما نزع السلاح والاستسلام، وإما الاحتلال العسكري الكامل وفرض الحكم الإداري على قطاع غزة". ولم يكن هذا مجرد تهديد، إذ تزامن مع انتهاء الجيش الإسرائيلي من تجهيز خطة "عربات جدعون 3" .
بحسب هيئة البث الإسرائيلية "كان" فإن الجيش أعد خطة "عربات جدعون 3" للعودة إلى السيطرة العسكرية الكاملة على قطاع غزة، وهي حملة قتالية واسعة النطاق تهدف لاحتلال القطاع بالكامل وتضمن تغيير سكاني دائم في غزة الغربية التي لا تزال تحت سيطرة حركة "حماس".
أثناء القتال العسكري بين "حماس" وإسرائيل خلال مايو (أيار) 2025 صادق الكابينت على خطة "عربات جدعون 1" وكان هدفها تقسيم شمال غزة إلى مناطق أمنية وإجبار جميع سكان مناطق الشمال على النزوح إلى جنوب القطاع نحو "رفح الإنسانية".
وخلال سبتمبر (أيلول) من العام نفسه بدأ الجيش الإسرائيلي في عملية "عربات جدعون 2" وخلالها وسع الهجوم العسكري ليشمل احتلالاً كاملاً لمدينة غزة وأجبر غالبية سكان المدينة المركزية البالغ عددهم نحو 1.1 مليون نسمة على الرحيل نحو الجنوب لحشرهم في مدينة رفح الخضراء.
تطور رفح التدريجي
توقف الجيش الإسرائيلي عن تنفيذ "عربات جدعون"، بموجب خطة السلام والازدهار الأميركية، ولكن مع انتهاء الحرب لم تستبعد تل أبيب خططها في تغيير تركيبة غزة السكانية، وشرعت فرقها الهندسية في تجهيز مدينة رفح وتطويرها إذ أزالوا الأنقاض والمخلفات الحربية منها وبدأوا في تجهيزها لتصبح "رفح الجديدة".
على مدار الأشهر الماضية، تطورت رفح من مدينة إنسانية تستقبل الغزيين النازحين وفقاً لرؤية إسرائيل، إلى مدينة خضراء مطهرة من السلاح والأنفاق، وبعد ذلك أصبحت رفح الجديدة التي ينتظر العالم أن يراها نموذجاً لإعادة بناء "غزة الجديدة" وفقاً لمخططات الولايات المتحدة المستقبلية للقطاع.
في أي حال، فإن الجيش الإسرائيلي أعد حملة عسكرية واسعة النطاق وأطلق عليها "عربات جدعون 3" وبرر أن الحسم العسكري المقبل يأتي بسبب تعثر المسارات السياسية، وهنا يقول رئيس أركان الجيش إيال زامير "الخطة جاهزة فنياً وتنتظر الضوء الأخضر السياسي النهائي في ظل جمود مفاوضات نزع السلاح".
بحسب صحيفة "معاريف" الإسرائيلية فإن "عربات جدعون 3" فيها تحول من العمليات الجراحية ضد "حماس" إلى السيطرة الجغرافية الكاملة على غزة، إذ تهدف لاحتلال القطاع بالكامل وفرض إدارة عسكرية ومدنية وحشر السكان في رفح الجديدة بعد التأكد من نزع السلاح من الحركة.
تعتمد "عربات جدعون 3" على تقسيم القطاع إلى مربعات أمنية لتسهيل نزع السلاح وفرض إدارة عسكرية مباشرة على الأرض، إذ جهز الجيش وحدات متخصصة للبقاء الطويل داخل المدن، وتخطط تل أبيب إلى ترحيل السكان وحشرهم في بقعة جغرافية واحدة من أجل تحقيق هندسة مكانية جديدة لغزة وفقاً لخرائط "غزة الجديدة".
أسباب استئناف الحرب
ليس عبثياً تريد إسرائيل استئناف الحرب واحتلال غزة عسكرياً، وإنما جهزت المبررات والأسباب التي قد تجبرها على هذه الخطوة، وتتمحور في ثلاثة مستويات أمنية وسياسية واستراتيجية، إذ يؤكد قادة إسرائيل أن الضغط العسكري هو النموذج الأمثل للتعامل مع "حماس".
الدافع الأمني الذي تسوقه إسرائيل من أجل تنفيذ خطة "عربات جدعون 3" هو نزع السلاح ومنع إعادة التأهيل، أما الدافع السياسي يتمثل في تعثر المفاوضات، والدافع الاستراتيجية يتخلص حماية خطة السلام من خلال خلق واقع ديموغرافي جديد تمهيداً لانطلاق اليوم التالي للحرب وتسليم غزة للتكنوقراط.
أخيراً أوردت "كان" تقريراً مفصلاً عن السبب من خطة "عربات جدعون 3" وذكرت أنها حصلت على معلومات استخبارية تفيد بأن الفصائل نجحت في ترميم جزء من شبكة الأنفاق وورش التصنيع المحلية، كما أن "حماس" لا تزال الحاكم الفعلي على الأرض من خلال لجان الطوارئ والعناصر الأمنية بلباس مدني وأن هذا البقاء الإداري يمنع عمل لجنة إدارة غزة.
وأيضاً تقول هيئة البث الإسرائيلية إن "حماس" تفرض الجباية على البضائع التي تدخل غزة مما يمنحها قدرة مالية على الاستمرار، لذلك يرى الجيش الإسرائيلي أنه لسحب سلاح الحركة وكسر هياكلها الإدارية وتفكيك سلطتها المدنية لا بد من عملية "عربات جدعون 3".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول سموتريتش، "أمام ’حماس‘ الاستسلام أو الاحتلال فإما أن تسلم الحركة سلاحها وتتوقف عن الإدارة والجباية، أو أن الجيش سيفرض حكماً عسكرياً كاملاً، رفض الفصائل لشروط نزع السلاح لا يترك لإسرائيل خياراً سوى فرض السيطرة العسكرية المباشرة وهذه ضرورة وجودية لمنع عودة التهديد العسكري من غزة".
ويضيف "على قادة الحركة مغادرة القطاع وتسليم كافة المكاتب والأنفاق. إسرائيل تمنح الرئيس دونالد ترمب فرصة لتدمير ’حماس‘ بطريقته الخاصة، لكن في حال فشل ذلك، فإن تل أبيب ستتحرك بمفردها. إن المهلة الممنوحة ستكون قصيرة جداً، وحينها سيمتلك الجيش شرعية دولية ودعماً أميركياً كاملاً لاحتلال القطاع وتطهيره".
خلال الأيام المقبلة ستمنح الإدارة الأميركية الإنذار الأخير لـ"حماس" لنزع سلاحها وتجريد غزة من السلاح تماماً، وفي حال رفضت سيمتلك الجيش الإسرائيلي الشرعية الدولية والغطاء الأميركي لاحتلال القطاع وتطهيره بنفسه. ويقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو "نخطط لنذهب إلى النصر المطلق، نرفض أي خطة لا تتضمن سيطرة أمنية إسرائيلية عليا، يجب على خطط اليوم التالي أن تبدأ بتفكيك كامل لسلطة ’حماس‘ المدنية والعسكرية، والجيش لديه الضوء الأخضر للتحرك في أي منطقة لضمان ذلك".
نزوح إلى رفح الجديدة
بحسب صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، فإن الهدف الخفي من "عربات جدعون 3" دفع الغزيين إلى سندان جغرافي ضيق يعرف برفح الجديدة، إذ يشكل احتلال المدن وسيلة لتفريغ الجغرافيا وحشر الكتلة البشرية في أقصى الجنوب.
في الواقع، تعتمد خطة عربات جدعون بالأساس على تحويل الأحياء السكنية إلى مناطق غير قابلة للحياة، والأهم من ذلك تفريغها من السكان عن طريق أوامر إخلاء فورية، وهذا قاله بصراحة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس "سنحول غزة إلى شاهد قبر لـ’حماس‘".
وفي كل موجة نزوح تخطط إسرائيل لتوجيه النازحين عبر ممرات أمنية تحت سيطرة الجيش نحو رفح الجديدة، وهي مناطق خيام ضخمة تم تجهيزها لامتصاص الكثافة السكانية بعيداً من المراكز الحضرية، يقول الباحث السياسي أكرم فريد "تتلاقى خطة عربات جدعون مع خطة السلام والازدهار في نقطة جوهرية، إسرائيل تريد حشر السكان في رفح الجديدة لتسهيل مراقبتهم عسكرياً، وأميركا تريد تجميع السكان في مناطق محددة جيوباً إنسانية ليسهل على مجلس السلام تنفيذ رفح الجديدة".
"حماس" ترفض وواشنطن لا تمانع
من جانب "حماس"، يقول ومسؤول ملف الإعلام أسامة حمدان "الحركة لن تسلم سلاحها تحت التهديد، مطالب سموتريتش هي ابتزاز يهدف لتهجير الشعب الفلسطيني، إدارة غزة شأن فلسطيني داخلي، وأن أي محاولة لفرض إدارة عسكرية أو فقاعات إنسانية ستواجه بالرفض الشعبي والعسكري القاطع، إن خطة احتلال كامل للقطاع هي إقرار رسمي بفشل إسرائيل في تحقيق أهدافها العسكرية طوال الفترة الماضية".
في أميركا لا يرى ترمب أي ضرر من تنفيذ عملية عسكرية للقضاء على "حماس"، ويقول "مسألة كيفية التعامل مع غزة عسكرياً، بما في ذلك الاحتلال الكامل لتطهيرها من الإرهاب، هو قرار يعود لإسرائيل وحدها، نحن ندعم حقهم في إنهاء المهمة بسرعة وبصورة نهائية".