Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الإرهاب الإيراني" وجه آخر للحرب تخشاه أوروبا

جواسيس وعملاء وتنظيمات يعملون لصالح طهران ويهددون أمن دول القارة من الداخل

سجل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى 157 حالة من العمليات الإيرانية الخارجية خلال الأعوام الخمسة الماضية (غيتي) 

ملخص

تتردد أصداء الحرب على إيران داخل أوروبا على صعد مختلفة، ولكن أخطرها هو الجانب الأمني الذي تخشى فيه القارة من تهديد نظام طهران استقرارها عبر تنظيمات إرهابية كتلك التي تبنت هجمات عدة على مواقع يهودية في دول أوروبية، أو تجنيد جواسيس أو عمليات عدائية فردية أو هجمات إلكترونية وغيرها.

يتهم الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ حكومة رئيس الوزراء كير ستارمر بالتراخي في التعامل مع التهديدات الإيرانية للأمن القومي البريطاني، ويقول في مقابلة صحافية "إن وقوع 10 إلى 20 حادثة أمنية في المملكة المتحدة مرتبطة بنظام طهران، إنما يشير إلى أن حكومة لندن تسمح للإرهابيين الإيرانيين بفعل ما يحلو لهم".

عام 2024 كشف مدير الاستخبارات البريطانية الداخلية والمعروف اختصاراً بـ (أم أي 5)، أن الأمن أحبط 20 مؤامرة "قد تكون قاتلة" مدعومة من إيران ضد مواطنين ومقيمين في المملكة المتحدة منذ 2022، أما في 2025 وحتى اليوم، فاعتقل أشخاص عدة بشبهة التجسس لطهران وارتبط اسم إيران بحوادث مختلفة.

آخر الحوادث كان الهجوم على منظمة يهودية تدعى "غولدرز غرين"، وإحراق أربع سيارات إسعاف تابعة لها شمال لندن، تحقق شرطة مكافحة الإرهاب في الحادثة التي صنفت كجريمة كراهية، ولكن جماعة تسمى "أصحاب اليمين" ترتبط بطهران وفق تقرير لصحيفة "تلغراف" البريطانية، أعلنت مسؤوليتها عن الحادثة مباشرة.

تزامناً مع حديث هرتسوغ كشفت الصحيفة البريطانية ذاتها عن أن حكومة ستارمر تلقت تحذيراً في شأن شبكة لتجنيد جواسيس لإيران تعمل في لندن، موضحة بأن قناة "بريس تي في" الناطقة بالإنجليزية وتتبع لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، تستخدم مقرها في لندن كواجهة لتجنيد عملاء لطهران، وقد أنشأت القناة "قائمة أهداف" من خلال تقاريرها عن المؤسسات الخيرية والمدارس والمنظمات المجتمعية اليهودية، وفق الصحيفة.

في وقت سابق من مارس (آذار) الجاري، وجهت تهمة التجسس لصالح طهران إلى شخصين قيل إنهما "أجريا مراقبة عدائية" للسفارة الإسرائيلية وأقدم كنيس يهودي في بريطانيا، حسبما أُبلغت محكمة ويستمنستر الجزئية، وهو ما دفع لندن إلى استدعاء السفير الإيراني لدى المملكة ​المتحدة، وتسجيل احتجاجها على "تهديد طهران لأمن البلاد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول عميل استخبارات أميركي سابق، جوناثان هاكيت، إن مكتب "بريس تي في" في لندن يؤدي دوراً مهماً في تجنيد جواسيس لطهران في الغرب، ذلك لأن القناة لا تخضع في بريطانيا لعقوبات كالتي فرضت عليها في الاتحاد الأوروبي وأستراليا وكندا وأميركا لأسباب منها بث اعترافات قسرية للمعتقلين في إيران، بمن فيهم الصحافيون والنشطاء.

يؤكد تقرير "التلغراف" كلام هاكيت من ناحية استغلال طهران "البيئة المتساهلة" في المملكة المتحدة كقاعدة لحملات استخباراتية ودعاية في الغرب، فيما يؤكد الباحث في المركز الدولي لمكافحة الإرهاب (ICCT) جوليان لانشيس، أنه منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران في الـ28 من فبراير شباط (الماضي)، حذرت أجهزة الأمن الغربية بما فيها "اليوروبول"، من تزايد التهديد الإرهابي في أوروبا لا سيما الذي يستهدف المواقع اليهودية والإسرائيلية، ويبدو أن المخاوف تتجسد واقعياً.

يلفت لانشيس إلى الحوادث التي قال تقرير لصحيفة "جيروزاليم بوست" إن "أصحاب اليمين" تبنتها منذ بداية الحرب الراهنة في الشرق الأوسط، الأولى استهدفت فيها الجماعة معبداً يهودياً في بلجيكا، تلاها هجوم في اليونان، وبعده كنيس في مدينة روتردام الهولندية، ثم الاعتداء على المنظمة اليهودية في بريطانيا قبل أيام، وأشار التقرير إلى أن هذه الجماعة لم يكن لها أي وجود واقعي أو إعلامي معروف قبل الحرب.

وعلى رغم عدم وجود دليل قاطع على تورط إيران في هجمات "أصحاب اليمين"، فإن لانشيس يرى أن الظروف المحيطة بتلك الهجمات، ولا سيما الآثار المشبوهة على الإنترنت، بما في ذلك نشر المعلومات عبر حسابات مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحرس الثوري، تشير بقوة إلى نشاط مدعوم من إيران، كذلك فإن الخصائص التشغيلية تدعم هذا التقييم بشكل أكبر، ويعكس أسلوب العمل اتجاهاً أوسع نطاقاً في الحرب الهجينة المعاصرة، إذ يتم الاستعانة بمصادر خارجية للقيام بالأنشطة الميدانية من خلال أفراد محليين عاديين، غالباً ما يكونون من الشباب، يتم تجنيدهم مقابل مبالغ مالية صغيرة نسبياً، على حد تعبيره.

 

وفق تقرير نشرته منصة "رؤية الإنسانية" أخيراً، يعمل "الإرهاب الإيراني" من خلال أربعة مسارات هي العملاء الإيرانيون المباشرون، والوكلاء الإجراميون، والوكلاء الإرهابيون، والمجرمون المنفردون، وتشكل هذه المسارات الجزء الأكبر من العمليات السرية الإيرانية ضد الغرب، فقد سجل معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى 157 حالة من العمليات الإيرانية الخارجية خلال الأعوام الخمسة الماضية، من بينها 27 مؤامرة في الولايات المتحدة، و54 استهدفت أوروبا بين عامي 2021 و2024.

يتوقع التقرير أن تنسق إيران مؤامرات خارجية ضد الغرب للانتقام من قتل قادتها في أول هجمة أميركية – إسرائيلية في الحرب، وقد تعهد قائد الجيش الإيراني أمير حاتمي، في بيان صدر في الـ18 من مارس (آذار) الجاري بالانتقام لاغتيال الأمين العام للمجلس الأعلى القومي الإيراني علي لاريجاني، واعداً بـ"رد حاسم ومؤلم".

وحذر مشرعون ومسؤولو استخبارات في أوروبا، بينهم النائب الألماني مارك هنريشمان، من أن الخلايا الإيرانية النائمة في جميع أنحاء القارة من المرجح أن تتخذ إجراءات انتقامية في القارة العجوز، ويعتقد هؤلاء بأن الشبكات الأوروبية، التي تعمل وفق نموذج قيادة شبه مستقل، ستستهدف في المقام الأول مراكز الجاليات اليهودية والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية وموظفي الحكومة الأميركية بشكل عام.

ويقول تقرير نشرته صحيفة "جيروزاليم بوست" إن "أجهزة الأمن الأوروبية أمضت الأعوام الأخيرة في سباق خفي لمواجهة مخططات الاغتيال والشبكات الإرهابية المرتبطة بإيران على أراضي القارة العجوز، فالبنية التحتية موجودة بالفعل، وقد أثبتت النوايا الإجرامية مراراً وتكراراً، أي إن التهديد ليس مستورداً بل موجوداً، وأوروبا ليست مجرد متفرجة، إنها هدف لم يقرر بعد أن يأخذ هذا الواقع على محمل الجد".

تحاول دول أوروبا محاولة أداء دور النأي عن النفس في حرب الشرق الأوسط الجديدة، لكن هذه السياسة لا تقنع الحليف الأميركي ولا الخصم الإيراني إن جاز التعبير، فكلاهما يطالب دول القارة العجوز بمواقف يصعب تبنيها، الانخراط المباشر في الحرب كما تشتهي واشنطن يعني كلفة سياسية وأمنية على القارة، بينما يقود الحياد كما ترغب طهران، إلى التخلي عن مصالح حيوية وحلفاء ورعايا لدول أوروبا في الشرق الأوسط.

 

المشكلة تعقدت أكثر بالنسبة إلى الأوروبيين بعدما استهدفت إيران قبل أيام القاعدة البريطانية "دييغو غارسيا" في المحيط الهندي، فهي تبعد مسافة نحو 4 آلاف كيلومتر عن طهران التي كانت تدعي لعقود طويلة أن مدى صواريخها لا يتجاوز 2000 كيلومتر، صحيح أن الصواريخ الإيرانية أسقطت قبل أن تصل إلى القاعدة العسكرية في تشاغوس، ولكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الأوروبيين باتوا يشعرون بالقلق من فرضية الوصول.

يقول معهد "أميركان إنتربرايز" إن التحدي اليوم يكمن في عدم معرفة ما إذا كانت إيران قد كشفت عن قدرة جديدة في استهدافها قاعدة "دييغو غارسيا" التي تخزن قاذفات قنابل أميركية بعيدة المدى، أم أن طهران استخدمت فقط نسخة معدلة من صاروخ مزود برأس حربي أخف وزناً، مما يسمح لها بالوصول إلى مسافة أبعد.

ثمة عواصم في القارة العجوز تقع على مسافة أقصر من "دييغو غارسيا"، كذلك فإن لإيران سابقة في تسخير أسلحتها ضد دول أوروبا من خلال تصدير مسيراتها إلى روسيا لاستخدامها في حرب أوكرانيا، إذاً الاستعدادات والنوايا موجودة.

لا يقتصر التهديد الذي تشكله إيران على الأوروبيين على الجانب المادي فقط، إذ يُنظر إلى نظام طهران منذ فترة طويلة على أنه لاعب متمكن في مجال الحرب الإلكترونية، وقد حذر متخصصون ومسؤولون أوروبيون من أن إيران قد تشن عمليات إلكترونية جديدة ضد دول القارة في أعقاب الحرب التي أشعلتها أميركا وإسرائيل في المنطقة، إما من خلال استهداف الحكومات مباشرة أو ضرب مشغلي البنية التحتية الحيوية.

ويُنظر إلى إيران على أنها واحدة من أكبر أربعة خصوم إلكترونيين للغرب إلى جانب روسيا والصين وكوريا الشمالية، وقد نقلت صحيفة "بوليتكو" عن مسؤول كبير في الأمن الإلكتروني الأوروبي أن الأنشطة الإلكترونية الإيرانية تراجعت إلى حد كبير منذ بدء القصف الأميركي، ولكنه لفت إلى أنه "إذا أعلنت دول أوروبا دعمها أنشطة واشنطن وتل أبيب القتالية بشكل أكبر، فمن المرجح أن يضعها ذلك في مرمى النيران الإيرانية".

وفق تقرير "رؤية الإنسانية" ثمة تهديد أمني آخر يخشاه الأوروبيون بسبب حرب إيران هو "داعش"، فالحرب يمكن أن تؤدي إلى خلق فراغ أمني محتمل في الشرق الأوسط يهيئ الظروف الملائمة لإعادة بناء التنظيم في مناطقه وإحياء خلاياه النائمة في القارة العجوز، وبخاصة بعد هروب 15 إلى 20 ألف شخص مرتبط بالتنظيم الإرهابي من مخيم الهول شرق سوريا، فيما تقول تقارير أممية مختصة إن عدد الهجمات التي شنها "داعش" في البلد العربي قد تراجع إلى 244 في 2025 مقابل 294 نفذها عام 2024.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير