Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رئاسة آميدي تفتح نقاشا حول مستقبل التوازنات في العراق

تباين في آراء المراقبين بين انتقال الحكم لجيل ثانٍ منذ 2003 واختبار اختيار رئيس الوزراء

حرص آميدي على تثبيت مرجعية الدستور بوصفه الإطار الناظم للحياة السياسية (وكالة الأنباء العراقية)

ملخص

انتخاب رئيس الجمهورية في العراق لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع داخل الطبقة السياسية، حيث تتداخل حسابات التوازنات التقليدية مع محاولات إدخال وجوه جديدة إلى مواقع القرار.

لم يكن انتخاب نزار آميدي رئيساً لجمهورية العراق مجرد محطة دستورية ضمن سياق تداول المناصب العليا، بل بدا حدثاً مفصلياً أعاد فتح النقاش حول طبيعة المرحلة السياسية المقبلة، وحدود التغيير داخل بنية النظام الذي تشكل بعد عام 2003.

فبينما يرى فريق من المراقبين أن ما جرى يمثل بداية انتقال تدريجي نحو "جيل ثانٍ" في إدارة الدولة، يذهب آخرون إلى أنه لا يتجاوز إعادة تموضع داخل القوى التقليدية نفسها، وإن بوجوه جديدة.

الحدث جاء في لحظة سياسية معقدة، تتقاطع فيها التحولات الداخلية مع ضغوط إقليمية ودولية، ومع جدال متصاعد داخل القوى الشيعية تحديداً حول قواعد التوافق وإدارة الاستحقاقات الدستورية، ولا سيما بعد جلسة انتخاب الرئيس التي وصفت بأنها كسرت نمط التفاهمات التقليدية.

خطاب رئاسي بين تثبيت النظام وإشارات التغيير

في أول خطاب له أمام مجلس النواب بعد انتخابه، حرص الرئيس نزار آميدي على تثبيت مرجعية الدستور بوصفه الإطار الناظم للحياة السياسية، مؤكداً أهمية وحدة القرار الوطني، وصون السيادة، وتعزيز التعاون بين السلطات، وشدد على ضرورة تجاوز تراكمات المراحل السابقة، والتعامل مع الأزمات الاقتصادية والأمنية بروح أكثر جرأة وفاعلية.

لكن اللافت في خطابه كان المزج بين خطاب الاستمرارية السياسية، وإشارات إلى الحاجة إلى تطوير الأداء المؤسسي، في محاولة لطمأنه القوى التقليدية من جهة، وإرسال رسالة بأن المرحلة المقبلة لا يمكن أن تدار بالأدوات ذاتها من جهة أخرى.

"كسر التوافقات" داخل "الإطار التنسيقي"

في موازاة ذلك، فجر النقاش داخل قوى "الإطار التنسيقي" جدالاً واسعاً حول طبيعة ما جرى في جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، وما إذا كانت قد مثلت تحولاً في قواعد إدارة السلطة.

وفي هذا السياق قال عضو ائتلاف دولة القانون ضياء الناصري إن زعيم الائتلاف نوري المالكي كان يعتقد سابقاً أن القرار يحسم داخل "الإطار التنسيقي"، إلا أن جلسة انتخاب رئيس الجمهورية "غيرت القواعد"، على حد وصفه، وأعادت خلط الأوراق في شأن آليات التوافق داخل البيت السياسي الشيعي.

 

وأوضح الناصري في حديث إعلامي أن جلسة البرلمان الأخيرة يمكن اعتبارها "كسراً للتوافقات السياسية" التي تأسس عليها النظام بعد عام 2003، والقائمة على ثلاثة مبادئ: التوافق، والتوازن، وضمان حقوق المكونات. وذهب إلى أن ما حدث قد يدفع باتجاه إعادة النظر في طريقة إدارة الاستحقاقات المقبلة.

ولفت الانتباه إلى أن دولة القانون كانت في مراحل سابقة قادرة على فرض حضورها السياسي، لكنها لم تمض في "كسر الإرادات"، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن التمسك بوحدة الإطار يبقى أولوية أساسية لديهم، لأن أي مسار خارج التوافق قد يقود إلى تفككه.

وفي قراءة أوسع للمشهد أشار الناصري إلى وجود قوى سياسية جديدة وصفها بـ"الطارئة" تسعى إلى تثبيت حضورها عبر تسريع الحسم السياسي ومخاطبة جمهورها، معتبراً أن ضغط وسائل التواصل الاجتماعي أصبح عاملاً مؤثراً في سلوك بعض الكتل.

وأكد أن النقاش داخل "الإطار" لا يزال مفتوحاً حول مرشح رئاسة الوزراء، مع الإشارة إلى أن نوري المالكي لم يسحب ترشيحه حتى الآن، لكنه أبدى استعداداً للبحث عن بدائل "يطمئن لها" وتكون مقبولة داخل "الإطار". وكشف عن طرح سابق تضمن ورقة سياسية مرتبطة بترشيح رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في مقابل مقترحات أخرى يجري تداولها داخل "الإطار"، بينها أسماء جديدة يجري اختبارها ضمن مسار التوافق.

وذهب الناصري إلى حد الإشارة إلى إمكان التوافق على اسم باسم البدري، وهو شخصية إدارية مرتبطة بهيئة اجتثاث "البعث"، بوصفه خياراً وسطياً، في حال حصول توافق سياسي شامل داخل "الإطار"، وهو ما يعكس حجم الانفتاح – أو التردد – داخل قوى "الإطار" في حسم هوية المرحلة المقبلة.

منطق جديد أم إعادة إنتاج التوازنات؟

هذا الجدال يعكس، وفق مراقبين، أن انتخاب رئيس الجمهورية لم يكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من إعادة ترتيب أوسع داخل الطبقة السياسية، حيث تتداخل حسابات التوازنات التقليدية مع محاولات إدخال وجوه جديدة إلى مواقع القرار.

فمن جهة، يتمسك "الإطار التنسيقي" بمنطق التوافق بوصفه ضمانة لاستمرار الاستقرار السياسي ومنع الانقسام الداخلي. ومن جهة أخرى تظهر مؤشرات إلى أن هذا المنطق نفسه بدأ يتعرض لاختبار حقيقي، مع صعود شخصيات سياسية أكثر جرأة في طرح بدائل، أو أقل التزاماً بالخطوط التقليدية.

هل بدأ فعلاً "الجيل الثاني"؟

رأى بعض المحللين أن هذا التحول لا يتعلق بالأسماء فحسب، بل بطريقة إنتاج القرار السياسي. فوجود شخصيات جديدة في مواقع عليا قد يعكس محاولة لإعادة ضبط التوازنات، من دون المساس بجوهر النظام القائم.

في المقابل، اعتبر آخرون أن ما يحدث هو "تجديد شكلي" داخل بنية سياسية ما زالت تُدار بمنطق التوافق الحزبي وتقاسم النفوذ، وأن أي جيل جديد سيبقى مقيداً بإرث 2003 ما لم تتغير قواعد اللعبة نفسها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في هذا السياق أوضح الباحث السياسي مرتضى الكعبي أن انتخاب آميدي يعكس "إعادة تدوير للنخبة السياسية أكثر منه تغييراً في بنية النظام"، موضحاً أن القوى التقليدية ما زالت تمسك بمفاصل القرار، لكنها باتت مضطرة إلى إدخال وجوه جديدة لامتصاص الضغوط الداخلية. ونبه إلى أن تصريحات مثل تلك التي أدلى بها ضياء الناصري تكشف عن "حال قلق داخل الإطار التنسيقي" من تحولات غير محسوبة في قواعد التوافق، خصوصاً بعد جلسة انتخاب الرئيس التي لم تمر بالصيغة التقليدية الكاملة.

بينما تذهب الباحثة في الشأن العراقي، زهراء الطائي إلى أن ما يحدث اليوم هو "اهتزاز تدريجي في العقد السياسي الذي حكم العراق بعد 2003"، مشيرة إلى أن الجيل الجديد من السياسيين لم يعد يقبل بسهولة بمنطق الإجماع المغلق. وتقول إن "ظهور خلافات علنية حول التوافق، كما ورد في تصريحات قيادات داخل (الإطار)، يعني أن قواعد اللعبة لم تعد ثابتة كما كانت، وأننا أمام مرحلة إعادة تفاوض على شكل السلطة".

أما المحلل السياسي محمد توفيق فيؤكد أن الرئاسة، على رغم رمزيتها، ليست مركز القرار التنفيذي في العراق، مشيراً إلى أن الاختبار الحقيقي يكمن في تشكيل الحكومة المقبلة. ونوه بأن أي حديث عن جيل جديد سيبقى ناقصاً ما لم ينعكس على شكل الحكومة وبرنامجها الاقتصادي والأمني، لافتاً إلى أن التباين داخل "الإطار" في شأن المرشحين يعكس صعوبة الوصول إلى صيغة نهائية مستقرة.

ويبدو المشهد السياسي العراقي اليوم مقبلاً على مرحلة إعادة تشكل هادئة، لا تنفجر في قطيعة واضحة، لكنها تعيد ترتيب موازين القوى من الداخل، فانتخاب رئيس جديد، وفتح نقاشات حادة داخل "الإطار التنسيقي" حول قواعد التوافق، وصعود أسماء جديدة إلى واجهة الترشيحات، كلها مؤشرات إلى أن النظام السياسي يدخل مرحلة اختبار جديدة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير