Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المألوف والغرائبي في قصص "حفلة الإنس والشياطين"

محمد الفخراني يفكك واقعاً مصرياً معقداً ويكشف عن تناقضات الانسان

لوحة للرسام المصري معتز إمام (صفحة الرسام - فيسبوك)

ملخص

في مجموعته القصصية "حفلة الإنس والشياطين" يدمج الكاتب محمد الفخراني  بين الواقعي والفانتازي، محتفياً باليومي والمألوف، ويدعو إلى الحب واقتناص بهجات الحياة. 

يلتقط محمد الفخراني في مجموعته القصصية "حفلة الإنس والشياطين" (دار العين) تفاصيل تبدو صغيرة وعابرة، يشيّد عبرها، مازجاً بين الفانتازي والواقعي، عالماً أكثر بساطة وأقل تعقيداً، ويحتفي بالجسد والحياة معيداً تعريف الحب وراصداً هشاشة النفس، ويقلب الأدوار في ثنائية الإنس والشياطين، فيجعل الإنسان أكثر تفوقاً في الغرور والغدر والدهاء وفي إشعال الحروب.

 ينطلق الفخراني في رحلته من عنوان ينهض من هذه الثنائية الكلاسيكية، ويؤسس عبر استهلاله بعبارة "لتكن حفلة"، وما تحيل إليه من تناص مع سفر التكوين في الكتاب المقدس "ليكن نور"، عالماً قصصياً لا تحكمه ثوابت الواقع أو قوانينه الصارمة، وإنما يصبح الاحتفال طقسه الأبرز، ونواته وجوهره. ويتجاوز الكاتب علاقات التنافر والتناقض والصراع بين قطبي الثنائية الأقدم. ويبرز تجاور الإنس والشياطين عبر نفس غرائبي، يسعى بالإساس إلى إضاءة التناقض البشري، وما تحمله النفس الإنسانية من مزيج يجمع بين الضعف والمكر والقسوة والرأفة والرومانسية الحالمة والشهوة العارية.

حقيقة الإنس

يتصدر أسلوب السرد الذاتي جميع قصص المجموعة ما عدا قصة واحدة "اللعب مستمر"، إذ يتحمل فيها الراوي العليم مسؤولية الحكي. وتتوزع البطولة في النصوص بين الإنس والشياطين، مما يرسخ شراكة الطرفين في تشكيل العالم القصصي، ويجسد الانقسام الداخلي للنفس الإنسانية في العالم الحقيقي، وتراوحها ما بين الخير والشر. ومن خلال مناخ يسمه التكشف والتخلي عن الأقنعة وخلع الرصانة، بما يتسق مع منطق "الحفلة" وعبر تكنيك قلب الأدوار، يمرر الكاتب مقارنات صريحة وضمنية تشي بتفوق البشر أحياناً على الشياطين في الغدر حدَّ دس السم في الطعام، وفي التناحر على نحو يجعلهم يأكلون بعضهم بعضاً، وفي الطمع الذي يدفعهم إلى الاستيلاء على ما ليس لهم، وكذا في البذاءة والتحرش والقسوة، "أفكر أن الإنس أيضاً ابتكروا الاستعباد. لم يتاجر أحد في بني جنسه بالبيع والشراء غيرهم، هم أيضاً ابتكروا الأقفاص، الشياطين لا يستطيعون صناعة الأقفاص.

الإنس ابتكروا حلبات القتال. ابتكروا المشنقة، والخاذوق والكرسي الكهربائي، والمقصلة" (صفحة 85). وإضافة إلى مقارناته بين الإنس والشياطين، يمضي الكاتب في إبراز تجليات أخرى للرداءة مثل الأنانية والجشع، وشهوة التملك والاستحواذ، عبر المقارنة الضمنية بين الإنس وكائنات أخرى، ولا سيما الطيور، "أحب أن أجلس القرفصاء قرب الطيور وهي تلتقط الحبوب. وألاحظ أن أي نوع من الطيور لا يمانع وجود أنواع أخرى" (صفحة 95). لكنه على رغم هذه المكاشفة، لا يجعل من الإنسان شراً خالصاً، بل يحرص على إبراز نوازعه الطيبة مثل نزوعه للتحرر وللبساطة وللوقوع في الحب وللضحك والسخرية.  

السوريالية والرمز

لا ينتهج الكاتب في قصصه حبكات تقليدية، وإنما ينسج سلسلة من مشاهد يغلب عليها الطابع الحسي والسوريالي، محاولاً الكشف عن الطبقات الخفية من العالم. ويعمد إلى الاقتراب من الهامش المنسي، حيث العابرون والمشردون والباعة الجائلون، ويعلن عن رغبة في التصالح مع الواقع، تتكشف عبر احتفائه بالمتكرر واليومي والمألوف، فيرصد في قصته "أغنية التسكع" صوراً للمتع اللحظية والحب الموقت والجمال العابر وتقلّب الحزن والفرح. وبينما يحول الشارع إلى مسرح مفتوح تتجلى فيه الدهشة والهشاشة والوحدة وسقوط الفوارق الطبقية والجنون المحبب، يجعل من التسكع وسيلة للكشف وفلسفة للنجاة. وفي قصته "بالمناسبة ما الذي تتكلفه حفلة؟" يلتقط مشاهد متفرقة لطقوس يومية في حياة بطلته "الشيطانة التي تبيع الورد"، فيفكك عبرها نظرة ذكورية تختزل المرأة في علاقة جسدية، وتتغافل عن حاجاتها للتواصل النفسي والتشارك الروحي. ويمرر فلسفة تنتصر للحب الخالص الخالي من الأسئلة والأنانية والأحكام، وإن لم يخلُ من جحيم! كذلك يوظف الورد والشوكولاتة والقهوة لتأكيد انحيازاته ذاتها إلى الجمال العابر والبهجة الزائلة والسعادة الموقتة.

وفي قصته "اللعب مستمر"، يصعّد الفخراني من احتفائه باليومي، فيجعل لعبة الزوجين المغلفة بالغرائبية وسيلة للتصالح مع الزمن، وأداة مقاومة للموت والملل وتآكل الروح، ويسعى عبرها إلى إعادة تعريف الجمال وتفكيك وهم المثالية، ويمرر رؤى فلسفية حول هشاشة الإنسان وحاجته العميقة للقبول. وفي قصته "ستاند آب حب"، يستمر في الاحتفاء بالتفصيلات الصغيرة، إذ يجعل ضحكة حلوة سبباً كافياً لوقوع البطل في الحب. وهو بذلك ينتصر لعفوية الشعور، في مواجهة التعقيدات النفسية والمعايير الاجتماعية الثقيلة، "مثلما كنت أعرف أني سأقع في الحب بشيء بسيط، وتمنيت أن يكون ضحكة حلوة، كنت أعرف أني يوماً سأقول بسهولة: أنا أحبك، وعند لحظة، وأنا أستمع لضحكة ثلاثينيتي وجدت نفسي أقول: أنا أحبك. متأكد منها. في واحدة من مرات نادرة أكون متأكداً من شيء" (صفحة 54). ويواصل الكاتب انحيازه إلى الحب في بقية قصص المجموعة، ولا سيما قصة "في بيت سلوى لطيف"، وتتجلى دلالات هذا الانحياز في أسماء الشخوص، إذ يحمل الزوج العاشق اسم "فرحان"، وتحمل زوجته المحبة اسم "سلوى لطيف"، في حين تحمل العجوز الحنونة في قصة "بقدونس" اسم "حبيبة".  

التكرار والمفارقة

 يوظف الكاتب تقنية التكرار للإحالة إلى دلالات نفسية تميز شخوصه، ففي قصة "بالمناسبة ما الذي تتكلفه حفلة؟" تكرر البطلة عبارة "لست رومانسية لعينة" على نحو يرسخ دلالة عكسية، ويبني مفارقة درامية، إذ تتكشف عبر مشاهد القصة رومانسيتها المتجذرة، ويتحول إصرارها على الإنكار إلى دليل إثبات. أما تكرار السؤال "ما الذي تتكلفه حفلة؟" وهو ذاته العنوان الذي تحمله القصة، ففضلاً عن أثره في توريط القارئ ودفعه إلى المشاركة في لعبة السرد، يحيل إلى الغاية الوجودية التي تدور حولها قصص المجموعة، وتتصل بكلفة الفرح الزهيدة التي تغري باقتناصه، فالكاتب يدعو ضمناً إلى الاحتفاء بالحياة واغتراف السعادة.

ويعزز دعوته بتكرار عبارة "الإنس يستحقون الفرح" في قصة "ستاند آب حب"، غير أنه لا يلجأ إلى التكرار من أجل بناء اليقين وحسب، وإنما يوظفه كـ"موتيف" أو لازمة موسيقية، تتيح ترابط الصور السردية وتسمح بضبط إيقاع النصوص. وإضافة إلى التكرار تقوم المفارقة بالدور ذاته في بناء اليقين وتمرير الرؤى، إذ يتكئ عليها الكاتب في قصة "اللعب مستمر"، حين يجمع بين الجمال والرعب، "الإنس هم من اخترعوا بيت الرعب في مدن الملاهي، وضعوا الرعب بجوار اللعب، ربما لأنه وضع يناسبهما" (صفحة 41)، ليبرز الوجوه المتناقضة للحياة. ويعزز عبر هذه المفارقة وغيرها من مفارقات تتناثر في نسيجه القصصي، حقيقة الوجود بوصفه حفلة تجمع بين الضحك والدموع والتعاسة والفرح والسر والعلن، وكذا بين الحياة الصاخبة والموت الصامت.

كذلك يوظف الفخراني المفارقة في توجيه إدانة ضمنية للإنسان الذي يملأ العالم بالمال والجنس والطعام، ويملأه أيضاً بالفقر والجوع. ويوظفها مرة أخرى في قصة "أوضاع للحب والطيران" لإبراز المأساة الوجودية للنفس البشرية المنشغلة بنهاية العالم، في حين لا تكف عن السعي إلى الخلود. ويبرز في القصة ذاتها أيضاً التناقض الظاهري والمفارقة اللفظية، كحيلة لنزع العنف عن مفردات قاسية، على نحو يتسق مع غايته المركزية التي تتصل بالتصالح مع واقع معقد ونفس مركبة "أعجبني تصرف حبيبة صديقي، كلامها فيه تهديد محبوب وابتزاز لطيف وانتهازية حلوة" (صفحة 91).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعكس النسيج القصصي في مجمله وعياً بصرياً يحكم بنية السرد، إذ يعمد الكاتب إلى استدعاء كثير من التقنيات السينمائية، ولا سيما عين الكاميرا متتبعاً سير المتسكع، وتجهيز بائعة الورد لباقة من الزهور، والحركات المفاجئة للزوجين أثناء اللعب، وخطوات الطاهي " بقدونس" داخل المطبخ، وإقبال الباعة المتجولين على السبعيني في المقهى، ومرور الأم الثكلى على بيوت أصدقاء ابنتها المتوفاة. كذلك يستدعي تقنية المونتاج المتوازي والقطع، فيزامن في قصة "لا تدفعوا الحساب" بين حديث السبعيني مع الأصدقاء الأربعة في المقهى، وبين لهو القطة بالعدسة الملونة.

ولا يتوقف عند تحفيز حاسة البصر، بل يمضي في استنفار كل الحواس في توليفة سردية تنقل القارئ من مقعد التلقي إلى قلب المعايشة، وتسمح له بشم الرائحة الهادئة لطعام "الجدة حبيبة" وتذوق طعام "سلوى لطيف" والإنصات إلى عزف "نسمة" والضحكة الحلوة للمرأة الثلاثينية والإمساك بباقة الورود الخماسية. ويتسق هذا الاستنفار الكثيف للحواس مع فلسفة الكاتب في مواجهة قسوة الواقع، عبر الاستغراق في التفاصيل الحسية بوصفها أداة للمقاومة ووسيلة لاقتناص بهجة الحياة.   

الفانتازيا والتغريب

يستثمر الكاتب ثنائية الإنس والشياطين، بوصفها لبنة رئيسة تنهض عليها القصص لتمرير دلالات رمزية وخلق مناخ سحري، يدعمه باستدعاء صور أسطورية تتجلى في مواضع متفرقة من القصص، ولا سيما في حضور طائر العنقاء في قصة "بقدونس" والذي يحيل إلى التجدد وعودة الانبعاث من الرماد، في إشارة ضمنية إلى قدرة الإنسان على النهوض بعد السقوط والانكسار. كذلك يوظف الفانتازيا لتشكيل واقع مغاير وفق منطق جمالي متحرر، فيستعيد عبر تجسيده للمرأة الضخمة العارية في قصة "أغنية التسكع" الفطرة الأولى، وبدائية الجسد وحريته.

ويحيل التحول الفانتازي لعمر الزوجين بين الشباب والكهولة في قصة "اللعب مستمر"، إلى السيولة الشعورية للإنسان، وتراوحه بين أعمار متباينة، يشكلها شعوره، لا عدد ما عاشه من سنين. كذلك يحيل إلى ما يحققه حب وقبول الشريك من تصالح مع الجسد، مهما بلغ عمره وأياً كانت هيئته. وهذا الأثر الذي تحققه الفانتازيا يعمقه التغريب، ولا سيما حين يكسر الكاتب المألوف، ويجعل من عيون الشياطين في بعض قصص المجموعة، عدسات تعكس صورة الإنسان، وتدفعه إلى تأمل ذاته من الخارج، لينتج عبر هذا الانقلاب السردي، أو ما يمكن تسميته "التغريب"، مفارقة صادمة، تتكشف من خلالها حقيقة النفس البشرية، تناقضاتها وتشوهاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة