ملخص
فقدان شخصية بهذا الوزن، في ظل حرب مستمرة وبعد خسارة عدد كبير من كبار القادة، مرشح لأن يحدث فراغاً ملموساً في التنسيق العملياتي، وسرعة اتخاذ القرار، وتنفيذ تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الخليج. وهو فراغ لن يكون من السهل تعويضه في المدى القريب.
شهدت مناطق عدة في طهران مساء أمس الأربعاء، تجمعات لمناصري النظام الإيراني رددوا خلالها شعار "تنكسيري الدقيق الإصابة، أضرب أف-18 أكثر"، تعبيراً عن دعمهم لقائد القوة البحرية في الحرس الثوري، من دون أن يدركوا أن المقاتلات الإسرائيلية كانت، في الوقت نفسه، تستهدف موقع وجود علي رضا تنكسيري في بندر عباس.
واليوم الخميس، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مقتل تنكسيري جراء غارات نفذتها مقاتلات إسرائيلية. وبذلك، قتل أحد آخر القادة المخضرمين في الحرس الثوري الذين ظلوا على قيد الحياة ضمن الصف القيادي الأعلى لهذه المؤسسة العسكرية.
وأكد كاتس أن جيش الدفاع الإسرائيلي قضى على قائد القوة البحرية في الحرس الثوري، المسؤول المباشر عن عمليات إرهابية شملت زرع الألغام ومحاولات إغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة البحرية، مضيفاً أن هذه الضربة تحمل رسالة واضحة إلى الحرس الثوري مفادها بأن قوات الدفاع الإسرائيلية تلاحقكم وستقضي عليكم واحداً تلو الآخر.
وفي بيان لاحق، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل بهنام رضائي، نائب رئيس الاستخبارات في القوة البحرية للحرس الثوري، إلى جانب تنكسيري.
وبحسب مسؤولين إسرائيليين، استهدف تنكسيري في بندر عباس أثناء مشاركته في اجتماع مع عدد من كبار قادة القوة البحرية. وعلى رغم عدم صدور تأكيد رسمي من السلطات الإيرانية حتى الآن، أفادت بعض وسائل الإعلام المقربة من الحرس الثوري، من بينها قناة "صابرين نيوز" على "تيليغرام"، بما سمته "مقتل القائد الشجاع للقوة البحرية في الحرس الثوري".
من جانبها ذكرت "القناة 11" الإسرائيلية أن تنكسيري قتل إثر استهداف شقة سكنية في بندر عباس، حيث كان عدد من ضباط هيئة أركان الحرس الثوري، مشيرة إلى أنه كان يُعد من بين المرشحين المحتملين لقيادة الحرس الثوري.
وتولى علي رضا تنكسيري قيادة القوة البحرية في الحرس الثوري منذ عام 2018، ويُعد من أبرز القادة المخضرمين في هذه المؤسسة. ولد عام 1962 في محافظة بوشهر، وبدأ نشاطه العسكري خلال الحرب الإيرانية-العراقية. وشغل بين أعوام 2010 و2018 منصب نائب قائد القوة البحرية، وتولى سابقاً قيادة المنطقة البحرية الأولى للحرس الثوري في بندر عباس، وهو موقع ذو أهمية استراتيجية في التحكم بمضيق هرمز والمياه الجنوبية لإيران.
وخلال السنوات الأخيرة، برز تنكسيري كأحد أبرز مهندسي الاستراتيجية البحرية للنظام الإيراني في الخليج، حيث شدد مراراً على قدرات الحرس في خوض الحروب غير المتكافئة، بما في ذلك استخدام الزوارق السريعة وزرع الألغام البحرية ونشر صواريخ ساحل-بحر. ودعا علناً إلى فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز، معتبراً أن عبور أية سفينة عبر هذا الممر يتطلب تنسيقاً مع السيادة البحرية الإيرانية.
وقبل يوم واحد فقط من مقتله، أعلن تنكسيري عبر منصة "إكس" إعادة سفينة حاويات لعدم حصولها على تصريح عبور من مضيق هرمز، في إشارة إلى استمراره حتى اللحظات الأخيرة في تطبيق السياسات المتشددة للنظام الإيراني في هذا الممر الحيوي.
وخلال الأعوام الماضية، ارتبط اسم تنكسيري مراراً بعمليات احتجاز سفن أجنبية في الخليج العربي، إضافة إلى التوترات البحرية مع الولايات المتحدة. وعام 2019 فرضت وزارة الخارجية الأميركية عقوبات عليه، كما أدرجه الاتحاد الأوروبي على قائمة العقوبات عام 2023، على خلفية دوره في البرامج العسكرية وبرامج الطائرات المسيّرة الإيرانية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير تقارير غير رسمية إلى أن علي رضا تنكسيري كان تعرض سابقاً لمحاولة اغتيال فاشلة، ووفق معلومات وردت لصحيفة "اندبندنت فارسية"، وقع انفجار مشبوه في بندر عباس بتاريخ 30 يناير (كانون الثاني) الماضي، يعتقد بأنه استهدف مقر قيادة القوة البحرية للحرس الثوري وشخص تنكسيري، إلا أن إخلاء المبنى قبل الهجوم أدى إلى فشل العملية.
وتفيد التقارير بأنه مساء أمس، وفي خضم الحرب مع إسرائيل والولايات المتحدة، استهدف تنكسيري داخل أحد بيوت الضيافة التابعة للمنطقة الأولى للحرس الثوري في بندر عباس، مما أعاد طرح تساؤلات جدية حول آليات التتبع والاختراق الاستخباراتي الإسرائيلية داخل البنى الأمنية للنظام الإيراني.
ويأتي مقتل تنكسيري في وقت قضى خلال الأسابيع الأخيرة عشرات المسؤولين العسكريين والأمنيين والسياسيين البارزين في النظام الإيراني جراء هجمات إسرائيلية دقيقة. وتشير المعطيات إلى إدراج ما لا يقل عن 30 مسؤولاً رفيع المستوى ضمن قائمة المستهدفين، في مؤشر على تركيز إسرائيلي واضح على تفكيك هيكل القيادة وإرباك منظومة اتخاذ القرار داخل إيران.
وفي هذا السياق، يُعد قائد "فيلق القدس" إسماعيل قاآني آخر القادة البارزين في الحرس الثوري ممن يمتلكون سجلاً طويلاً في القيادة، غير أنه غائب عن المشهد العام منذ أسابيع، وسط تقارير غير مؤكدة تتحدث عن احتمالات تراوح ما بين توقيفه بتهم تتعلق بالتجسس أو مغادرته البلاد.
وبمقتل تنكسيري، تفقد القوة البحرية للحرس الثوري أحد أبرز عقولها الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي، إذ إنه قام بدور محوري في رسم السياسات البحرية الهجومية للنظام الإيراني وتنفيذها، من فرض السيطرة على مضيق هرمز إلى المواجهات المباشرة مع القوات الأميركية وعمليات احتجاز السفن الأجنبية.
ويمثل غيابه ضربة نوعية ثقيلة للبنية العملياتية للحرس الثوري في المجال البحري، إذ لم يكُن مجرد قائد ميداني، بل أحد أبرز مهندسي الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى التحكم في مضيق هرمز وممارسة الضغط على حركة الملاحة الدولية.
كما أن فقدان شخصية بهذا الوزن، في ظل حرب مستمرة وبعد خسارة عدد كبير من كبار القادة، مرشح لأن يحدث فراغاً ملموساً في التنسيق العملياتي وسرعة اتخاذ القرار وتنفيذ تكتيكات الحرب غير المتكافئة في الخليج، وهو فراغ لن يكون من السهل تعويضه في المدى القريب.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"