ملخص
إن أي تغير في مستوى التوتر في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على استقرار الطاقة والتأمين والشحن والاستثمار. هذه ليست تداعيات جانبية، بل جزء من آلية التشغيل نفسها، لذلك يمكن القول إن الخليج العربي لا يتأثر فحسب، بل يؤثر ويتأثر.
هل نجحت إيران حتى الآن أم فشلت؟ هل التهديد الأميركي متأخر أم مبكر؟ هذه ليست أسئلة افتتاحية بقدر ما هي اختبار مباشر لقراءة لحظة فارقة قد تكون خلال نشر هذا المقال قد خرجت عن الإيقاع التقليدي للأزمات أو توجهت إلى منطقة تساؤلات أكبر حيث اتسعت هاوية الحرب بين الأطراف كافة إلى ما لا تحمد عقباه.
دونالد ترمب الذي قبل تهديده الناري لضرب محطات الطاقة في إيران صرح بأن لديه خيارات أخرى غير مضيق هرمز، فيما تحولت هذه التهدئة إلى اشتراط وتهديد بفتح مضيق هرمز في وقت زمني محدد. نعم يتحرك ترمب من منطلق أن مضيق هرمز دولياً ووفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يمنع قانونياً تحويله إلى أداة ابتزاز عبر مبدأ حق المرور العابر، ومع ذلك، لا يمنح هذا المبدأ غطاءً للتهديد العسكري ولكنه حدث.
بينما يشتعل التوتر في الشرق الأوسط وسماؤه تشتعل بالصواريخ والمسيرات المجنونة في كل اتجاه يلوح ترمب بتهديدات "تدمير" قطاع الطاقة الإيراني بالكامل نعم حرفياً هذا كان سياق التهديد الأميركي وهذا يأخذنا لمقاربة ساخرة بين "تدمير" ترمب و"حرق" القيصر نيرون لروما وهو القائل: ما فائدة روما إذا لم تكن كما أريدها؟ وهو ما يسير بالتوازي ضمنياً مع ما يلوح به ترمب عملياً في معنى (ما فائدة مضيق هرمز إذا لم يمر عبره النفط بشروطي؟ فليحترق الجميع). إنها سياسة "الكي بالنار" فنيرون أحرق المدينة ليعيد تشكيلها وترمب يهدد بحرق "شريان الطاقة" في إيران ليعيد تشكيل خريطة النفوذ الاقتصادي والفرق الوحيد أن نيرون كان يحتاج إلى ملابس مسرحية بينما ترمب يكتفي بربطة عنق حمراء وعبارة "سأجعلهم يدفعون الثمن كما لم يحدث من قبل".
إن تهديدات ترمب باستهداف محطات الطاقة الإيرانية خلال مهلة محددة لفتح المضيق لا يمكن قراءتها كتصعيد لفظي مألوف. هنا تحديداً تبدأ المشكلة، الرقم ليس إلا أداة ضغط مقصودة. المهلة المشروطة بتوقيت لا تمنح لإيجاد حل بل لدفع الأطراف إلى ارتباك في القرار قبل أن يكتمل التفكير فيه. نعم هذا على وجه التحديد الفرق الجوهري بين تهديد تقليدي وتهديد مصمم لإرباك الزمن السياسي نفسه لدى الآخر الذي هو هنا "النظام الإيراني" المضطرب والمتخبط والثائر في كل اتجاه في المنطقة.
ويأتي السؤال الأكثر حساسية هنا الذي يجب طرحه وهو ليس في الزمن الموقوت المحدد، بل أيضاً في الهدف الذي جرت الإشارة إليه. الانتقال من النفط إلى محطات الطاقة ليس تغييراً لغوياً بل انتقال في طبيعة الاستهداف. النفط يمكن تعويضه وتوجيهه وإعادة تسعيره في الأسواق العالمية، لكن محطات الطاقة تمس البنية اليومية للدولة: الكهرباء، والصناعة، والاتصالات، والإدارة العامة. أي استهداف لها لا يضغط على الاقتصاد فقط بل على قدرة الدولة على العمل. هذا النوع من التهديد يرفع مستوى المخاطرة إلى نقطة مختلفة تماماً.
هنا لا يعود السؤال: هل يمكن تنفيذه؟ بل: هل الهدف منه التنفيذ أصلاً أم أنه سقف ضغط تفاوضي يستخدم لإعادة تشكيل سلوك الطرف المقابل من دون الذهاب إلى النهاية؟ النهاية التي ينظر إليها الجميع على أنها لم تعد ذات ملامح استراتيجية واضحة في ظل التخبط السياسي والتصريحات المتناقضة من قبل الإدارة الأميركية الممثلة في السيد ترمب. إن واقع الحرب الأميركية - الإيرانية يشير إلى أن هذا النوع من التهديد غالباً ما يعمل كأداة اختبار حدود وصبر وفاعلية بينما لا يوجد عملياً على الجانب الآخر ما يمنع تنفيذها في سياسة ترمب كما عرف عنه في تهديدات سابقة.
في المقابل السلوك الإيراني لا يمكن اختزاله في منطق رد الفعل المباشر. ما يظهر في مضيق هرمز هو سياسة التلويح بالعصا، حيث تصبح إيران ليست فقط الطرف الذي يهدد مضيق هرمز بل الطرف الذي يمتلك القدرة على إرباك حركة الاقتصاد العالمي وزعزعة الثقة في أمانها داخل أهم نقطة حساسة في بنية الاقتصاد العالمي. وكأن إيران تقول نحن لدينا المقدرة على تبني سياسة "العصا والجزرة" الذي أتقنته الولايات المتحدة طويلاً مع شعوب العالم وهو ما تعده طهران قيمة استراتيجية بحيث يبقى الضغط قائماً من دون الوصول إلى نقطة الانفجار. هذه السياسة يمكن وصفها بدقة بأنها استراتيجية رفع المخاطرة من دون تجاوز عتبة الحرب، أي إن الهدف ليس إغلاق المضيق بل إبقاؤه في حال توتر محسوب يجعل الأطراف كافة تعيد ترتيب أوراقها وحساباتها.
لكن هنا يظهر سؤال لا يمكن تجاهله، هل هذا السلوك يعكس قدرة على التحكم في التصعيد لدى الطرفين أم أنه يعكس إدراكاً صارماً لحدود القوة المتاحة؟ لا إجابة واحدة. ما يحدث أقرب لمنطقة رمادية قابلة للتلون وقابلة للانفجار في قلب المشهد، ولكن ماذا عن دول منطقة الخليج العربي؟ الواقع يقول إنه لا يمكن التعامل مع منطقة الخليج العربي كطرف خارجي أو متلق للأزمة. دول الخليج ليست مجرد مساحة جغرافية قريبة من المضيق، بل هي جزء مفصلي وفاعل من البنية التشغيلية لحركة الطاقة العالمية ولهذا فإن أي اضطراب يحدث في مضيق هرمز لا يمر عليها، بل يمر عبرها. وهذا فرق جوهري سياسياً واقتصادياً. دول الخليج العربي ليست في هامش المكان ولا في هامش الحدث، بل في نقطة الحدث نفسه وقوة تأثيره في الأسواق العالمية، ولهذا هي في موقع ضغط مستمر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن أي تغير في مستوى التوتر في مضيق هرمز ينعكس مباشرة على استقرار الطاقة والتأمين والشحن والاستثمار. هذه ليست تداعيات جانبية، بل جزء من آلية التشغيل نفسها، لذلك يمكن القول إن الخليج العربي لا يتأثر فحسب، بل يؤثر ويتأثر.
من خلال هذا الموقع الشديد التأثر والتأثير يصبح التهديد الأميركي ليس مجرد رسالة لإيران، بل اختبار أوسع يشمل منطقة الخليج العربي ومنظومة الطاقة العالمية، فإلى أي حد يمكن للأسواق العالمية أن تتعايش مع تهديد مفتوح في أهم ممراتها؟ وفي المقابل تتحرك إيران داخل منطق يهدف إلى إبقاء هذا الاختبار غير محسوم بحيث يبقى الضغط قائماً من دون تحويله إلى مواجهة نهائية وهو ما يريد ترمب حسمه.
إن ما يحدث اليوم ليس أزمة قابلة للحل السريع والتهديد المباشر، بل إدارة نظام توتر طويل المدى، نظام لا يعمل على الحسم بل على التحكم في درجة المخاطرة وربما حان وقت حسمه. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية لأن هذا النوع من الأنظمة لا ينتهي تلقائياً بل يتراكم حتى يصبح جزءاً من تركيبة المكان وطبيعته أو يتحول إلى انفجار حقيقي يحرق كل المراكب.
في لحظة فارقة كهذه لا يعود السؤال: من يربح؟ أو من يخسر؟ بل كيف أصبح التهديد نفسه هو تدمير ذاتي لمصالح الجميع ليطاول النظام الإقليمي والدولي على حد سواء؟ في المحصلة ما يجري لا يتعلق بإدارة أزمة مضيق هرمز بقدر ما يتعلق باختبار سقف تحمل النظام الدولي لاضطراب طويل داخل أهم مسار طاقة في العالم. إذا استمر منطق التهديد من دون تنفيذ ومنطق إدارة الأخطار من دون حسم، فإن النتيجة ليست استقراراً مؤجلاً، بل حال ضغط دائمة تدار لإعادة تدوير الأزمة ذاتها. في هذا السياق فإن منطقة الخليج العربي لن تبقى منطقة عبور اقتصادي فقط بل ستتحول إلى نقطة غليان سياسي مستمرة لحدود الاقتصاد والسياسة معاً من دون ضمان أن يبقى الأمر تحت السيطرة.