ملخص
تبدو "ورقة الحرب" متعددة الأبعاد، فهي ليست مجرد ضغط داخلي، بل أيضاً أداة لإعادة تموضع العراق ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، فالقوى السياسية العراقية تدرك أن أية حكومة قادمة ستختبر فوراً في كيفية إدارتها لهذا التصعيد.
في لحظة إقليمية مشحونة بدأت منذ الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، يجد العراق نفسه عالقاً بين نارين، تصعيد عسكري يتخذ من أراضيه ممراً ومسرحاً، وانسداد سياسي يعطل تشكيل حكومة جديدة كاملة الصلاحيات، وبين هذين المسارين تبرز "ورقة الحرب" كأداة ضغط تفاوضية تستخدمها القوى السياسية لإعادة ترتيب موازين السلطة في بغداد.
الهجمات المتبادلة بين الجيش الأميركي والفصائل المسلحة داخل الأراضي العراقية وضعت الحكومة الحالية، وهي حكومة تصريف أعمال، أمام معادلة صعبة، مسؤوليات أمنية متصاعدة من جهة، في مقابل صلاحيات دستورية محدودة من جهة أخرى، إذ إن قرار المحكمة الاتحادية بعد انتخابات الـ11 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قيد قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات استراتيجية، مما جعلها عاجزة عن تطوير منظومات الدفاع الجوي أو ضبط المجال السيادي بصورة فعالة.
هذا الفراغ التنفيذي يتقاطع مع تعثر المسار الدستوري لتشكيل الحكومة، فعلى رغم انعقاد الجلسة الأولى لمجلس النواب في الـ29 من ديسمبر (كانون الأول) 2025، لم يجر انتخاب رئيس للجمهورية العراقية حتى الآن، وهو الاستحقاق الذي يفتح الباب لتكليف رئيس الوزراء، ومع تجاوز المهل الدستورية، لجأت أطراف سياسية إلى المحكمة الاتحادية في محاولة لإجبار البرلمان على حسم الملف، لكن خلف هذا التعطيل، تتكشف حسابات سياسية أعمق، ترتبط بصورة مباشرة بتداعيات الحرب الجارية في المنطقة.
الحرب كرافعة سياسية
داخل الكتل السياسية، لم تعد الحرب مجرد تهديد أمني، بل تحولت إلى أداة لإعادة صياغة شروط التفاوض. بعض القوى، خصوصاً ضمن "الإطار التنسيقي"، تلوح بالحاجة إلى "حكومة قوية" قادرة على اتخاذ قرارات سيادية في ظل التصعيد، وهو ما عبر عنه رئيس كتلة "ائتلاف الإعمار والتنمية" بهاء الأعرجي بقوله إن "العراق يحتاج إلى حكومة قرار، لا حكومة تسيير أعمال". في المقابل، تشير تسريبات من داخل "الإطار" أيضاً إلى توجه لتأجيل حسم تسمية مرشح لرئاسة الوزراء إلى ما بعد انتهاء الحرب، مما يعكس توجهاً لاستخدام عامل الوقت والظرف الإقليمي لتحسين شروط التفاوض الداخلي.
هذا التباين يكشف عن انقسام واضح، فهل تستثمر الحرب لتسريع تشكيل الحكومة، أم تستخدم كذريعة لتأجيلها؟
رغم كل الجهود العراقية السياسية والعملية لإبقاء العراق بعيداً عن الصراع الدائر في المنطقة، وتزامناً مع كل ما تبذله الحكومة من تواصل دبلوماسي من أجل وقف إطلاق النار واستعادة الأمن والاستقرار وحرية التجارة والتنقل والتبادل الاقتصادي الإقليمي والدولي، استمرّت الاعتداءات المُدانة…
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) March 25, 2026
ضغوط داخلية وخارجية
ترشيح رئيس الحكومة السابق، رئيس "ائتلاف دولة القانون"، نوري المالكي في يناير (كانون الثاني) الماضي، فتح باب الخلافات على مصراعيه، ليس فقط داخل البيت الشيعي، بل أيضاً مع القوى السنية، فضلاً عن الرفض الأميركي الصريح، الذي وصل إلى حد التلويح بوقف المساعدات.
في هذا السياق، تبدو "ورقة الحرب" متعددة الأبعاد، فهي ليست مجرد ضغط داخلي، بل أيضاً أداة لإعادة تموضع العراق ضمن شبكة العلاقات الإقليمية والدولية، فالقوى السياسية تدرك أن أية حكومة قادمة ستختبر فوراً في كيفية إدارتها لهذا التصعيد.
توظيف مزدوج للحرب
ويرى الباحث السياسي أحمد الكعبي أن ما يجري هو "توظيف مزدوج للحرب"، موضحاً أن "بعض القوى تحاول تسويق فكرة أن الظرف الأمني يفرض بقاء التوازنات الحالية، بينما تسعى أطراف أخرى إلى استثماره لفرض تغيير في شكل الحكومة المقبلة".
ويضيف أن "التأجيل ليس عجزاً، بقدر ما هو قرار سياسي مرتبط بانتظار اتضاح مآلات الصراع الإقليمي".
من جهته، يعتبر الباحث في الشأن السياسي أحمد اللامي أن "القوى العراقية تستخدم الحرب كأداة ضغط نفسي وسياسي على بعضها البعض، لكنها في الوقت نفسه تخشى الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تفقدها السيطرة على المشهد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير إلى أن ربط تشكيل الحكومة بالحرب يعكس هشاشة النظام السياسي، لأنه يعجز عن الفصل بين الاستحقاقات الداخلية والتطورات الخارجية.
أما المحلل السياسي أركان الجبوري فيذهب إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن "ورقة الحرب أصبحت جزءاً من لعبة تقاسم السلطة"، موضحاً أن "كل طرف يحاول تقديم نفسه كضامن للأمن أو كقادر على إدارة الأزمة، وهذا ما يستخدم في التفاوض على المناصب السيادية".
ويضيف أن "تأخير تشكيل الحكومة قد يكون مقصوداً لإعادة توزيع الأدوار، بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب".
البرلمان بين الضغط والعجز
في ظل هذه التعقيدات، يبرز دور البرلمان كجهة يفترض أن تدفع نحو الحسم، وتعكس دعوات مثل تلك التي أطلقها النائب محمد الفهداوي، إدراكاً متزايداً بخطورة استمرار الفراغ، خصوصاً مع "تعدد الجبهات" كما وصفها، لكن عملياً، يبدو أن مجلس النواب نفسه جزء من معادلة التعطيل، بانتظار توافقات سياسية لم تنضج بعد.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
مع اقتراب مواعيد نظر المحكمة الاتحادية في الدعاوى المقدمة، تتجه الأنظار إلى احتمال فرض مسار دستوري ملزم، قد يجبر البرلمان العراقي على انتخاب رئيس للجمهورية. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم، هل ستسمح القوى السياسية بحدوث ذلك من دون توافق مسبق؟ ففي حال استمرار التصعيد الإقليمي، قد تستمر سياسة "كسب الوقت"، مع بقاء الحكومة الحالية في موقع تصريف الأعمال، وهو سيناريو يفاقم من هشاشة الوضع الأمني والاقتصادي، أما في حال حدوث تهدئة نسبية فقد تفتح نافذة لتسوية سياسية سريعة، تنتج حكومة توافقية جديدة، ربما بوجوه أقل إثارة للجدل من المرشحين الحاليين.
ويبقي ضغط الصواريخ وضغط المفاوضات العراق أمام اختبار معقد، فهل تتحول الحرب إلى دافع لتوحيد القرار السياسي وتسريع تشكيل الحكومة، أم تبقى ورقة تستخدمها القوى لتعميق الانقسام وتأجيل الحسم.
لكن حتى الآن، يبدو أن "ورقة الحرب" لم تحسم وظيفتها بعد، لكنها بلا شك أصبحت أحد أبرز مفاتيح اللعبة السياسية في بغداد.