ملخص
في العام 1985 قدم، حائز جائزة نوبل، الروائي الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو، روايته "الباحث عن الذهب"، وهي عمل يمزج بين السيرة الذاتية والخيال الروائي ليعطينا نصاً غنياً بالتأملات حول الطفولة والذاكرة والبحث الدائم عن المعنى، وذلك خارج سياق أدب المغامرات الذي يوحي به العنوان
حتى وإن لم تكن رواية الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو، "الباحث عن الذهب" واحدة من أشهر روايات هذا الكاتب الفرنسي الكبير المعاصر، فإنها وبشكل قد لا يوحي به عنوانها الذي يذكرنا بروايات المغامرات الرائعة التي قد تحمل توقيع جوزيف كونراد، واحدة من أقوى رواياته التي بررت اختياره من بين كتاب العالم قاطبة للفوز عن جدارة بجائزة نوبل الأدبية في وقت لم يكن الجمهور العريض في العالم يعرف كثيراً عن أدبه ويعتقد أن فرنسا لم تعد تنتج روائيين كباراً.
وفي هذا السياق قد يكون من الضروري أن نلفت إلى أن فرنسا قد نالت، وفي المضمار الروائي وحده، من جوائز نوبل، أكثر مما نالته أية أمة أخرى خلال العقود الأربعة الفائت، (لوكليزيو نفسه، وباتريك موديانو، وأخيراً آني إيرنو، على خطى كلود سيمون الذي افتتح هذه الموجة الفرنسية الجديدة من الحضور في نوبل منذ النصف الثاني من ثمانينيات القرن الـ20)، مما جعل واضحا بعد البحث والتدقيق والفحص في أعمال الفائزين بهده الجائزة السامية أن فرنسا لا تزال في طليعة البلدان التي ينتج أدباؤها روايات كبيرة. وروايات تتراوح بين أقصى، درجات الشاعرية وأعمق مفاتيح التأمل في شؤون الكون والعالم. مما يجعلنا نبدو هنا وكأننا نصف أدب صاحب "البحث عن الذهب" بالتحديد.
المهم أن لوكليزيو، قدم في عام 1985، وقبل ما لا يقل عن عقدين من فوزه المدوي بنوبل، وفي سياق مسار أدبي تمكن من أن يغزو قلوب قرائه وعقولهم في آن معاً من خلال روايات مثل "صحراء" و"أوتيتشا" و"بونو" وروايته الرائعة عن العلاقة بين فريدا كاهلو ودييغو ريفيرا، "زواج الفيل من نملة".....، قدم وطبعاً من خلال روايته التي نتناولها هنا "الباحث عن الذهب"، واحدة من أبرز رواياته، في عمل يمزج بين السيرة الذاتية والخيال الروائي ليعطينا نصاً غنياً بالتأملات حول الطفولة والذاكرة والبحث الدائم عن المعنى، وذلك خارج سياق أدب المغامرات الذي يوحي به العنوان.
ولعل أول ما يمكننا قوله هنا وقبل أن ندخل عالم هذه الرواية، لنطل من خلاله عملياً على العوالم المضمرة أو حتى الواضحة لكتابة لوكليزيو، هو أن ما لدينا هنا ومنذ الصفحات الأولى لـ"الباحث عن الذهب"، ذلك الخط الأدبي الذي يرسم من خلال الرحلة الخارجية التي يقوم بها الكاتب في روايته، لوحة لرحلة في داخله أكثر مما هي أي مكان آخر.
طفل من جزيرة بعيدة
تدور أحداث "الباحث عن الذهب"، من حول شخصية الكسيس، الطفل الذي ولد وترعرع في جزيرة موريشيوس حيث "الطبيعة البكر والبحر المفتوح"، بحسب تعبير الكاتب نفسه في مجال آخر، يشكلان خلفية أساسية لتكوينه النفسي.
والكسيس يعيش في بيت عائلي يطل على الأفق، حيث تختلط أحلام الطفولة بحكايات الكنوز والأساطير، خصوصاً كنز القرصان "لا بوز" الذي سرعان ما يتحول إلى هاجس يلازم بطلنا الفتي طوال حياته. غير أن هذه الأسطورة لا تظل مجرد حكاية مغامرات، بل إنها سرعان ما تتحول تدريجاً إلى رمز للبحث عما هو أعمق وأثمن كثيراً من الذهب المادي.
ومهما يكن من أمر سنتابع في سياق الرواية، كيف أن الكسيس ومع تقدم السن يضطر إلى مغادرة عالم الطفولة، لا سيما بعد أن تفقد عائلته ثروتها، فيدخل ويدخلنا معه في رحلته الطويلة بحثاً عن كنزه المتخيل. وهذه الرحلة التي تأخذه إلى جزيرة رودريغز هي التي تشكل قلب هذه الرواية حيث تتقاطع المغامرة مع التأمل الفلسفي والعلاقة مع الطبيعة بالغوص في مجاهل التاريخ.
في خضم هذا كله تتحول الرواية إلى مغامرة بل حتى إلى تجربة وجودية يكشف الكسيس من خلالها عما سيعده "هشاشة الأحلام البشرية حين تختزل في أبعادها وسماتها المادية"، كما عن الحاجة إلى إعادة اكتشاف الذات في مواجهة عالم يتبين لنا في سياق مدلولات الرواية، أنه ليس من السهولة بمكان مواجهته التي كان يمكن أن نفترضها أول الأمر عملية هادئة وسلسة توفر لنا الفائدة والمتعة معاً.
والحقيقة أن أصعب ما في الأمر هنا هو اكتشافنا أن الحياة في نهاية الأمر قد لا تكون أكثر من هدية مسمومة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شاعرية شفافة
الواقع أن جدية وصلابة الاستنتاجات التي أوردناها أعلاه بصدد هذه الرواية لا يمكنهما أن تبين ما يتناقض معهما تماماً، وهو أننا أمام رواية تتسم بلغة شاعرية شفافة تعلي من شأن الطبيعة مانحة إياها حضوراً يكاد يجعل منها كائناً حياً. فالبحر والرياح وتوزع قوة النور وحفيف الأشجار وتراكمها، كلها عناصر تتحول على صفحات هذه الرواية الفذة، إلى شركاء في السرد لا مجرد خلفية له. وهذا الحضور الكثيف للطبيعة يعكس رؤية الكاتب للعالم حيث الإنسان ليس كما اعتقد نفسه دائماً، سيداً على الكون متحكماً بشؤونه المادية، بل جزءاً من نسيج كوني أوسع.
والحقيقة أن من الأمور اللافتة بقوة في "الباحث عن الذهب" أنها رواية تعيد النظر وقبل أي شيء آخر في فكرة "الكنز" نفسها. فبينما ينطلق الكسيس في مغامرته الحياتية، مدفوعاً بحلم العثور على الذهب، ينتهي به الأمر إلى اكتشاف أن الكنز الحقيقي يكمن في التجربة ذاتها: في الذكريات، في الحب، وفي القدرة على التأمل.
وتتقاطع الرواية مع تقاليد أدبية متنوعة وعديدة، تجعل من الرحلة وسيلة لاكتشاف الذات، كما في روايات المغامرة الكلاسيكية، لكنها تتجاوزها بالتأكيد نحو بعد أكثر تأملاً وعمقاً وهدوءاً. لكن الأهم من هذا كله، وفي سياق انتماء لوكيزيو نفسه إلى التيار الأدبي المسمى "ما بعد كولونيالية" هو ما تحمله الرواية من نقد، ولو غير مباشر للاستعمار والحداثة. ففقدان عائلة الكسيس ثروتها وتحول الجزيرة من فضاء طبيعي إلى موقع للاستغلال الاقتصادي، يعكسان تحولات تاريخية أوسع. غير أن لوكليزيو لا يقدم هذا النقد بصورة مباشرة طبعاً، بل يمرره عبر تجربة فردية تجعل قارئه يشعر بتلك التحولات بدلاً من أن يتلقاها كأفكار مجرد.
إذاً في شيء من الاختصار، ليست "البحث عن الذهب" مجرد رواية مغامرات، بل هي نص تأملي عميق حول معنى الحياة، وحوار حول علاقة الانسان بالعالم. إنها دعوة إلى إعادة التفكير في ما نبحث عنه حقاً، وفي قيمة الأشياء التي نظنها كنوزاً. وذلك من خلال رحلة الكسيس حيث يضعنا لوكليزيو أمام سؤال بسيط وعميق في آن معاً: ماذا لو أن ما نبحث عنه كان مدفوناً في عمق أعماقنا منذ البداية؟