Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من ضبط النفس إلى "حق الرد"… العراق نحو الاشتباك المفتوح

تواجه الحكومة اختباراً صعباً لتحقيق التوازن بين الرد على الانتهاكات وعدم الانجرار للحرب

السوداني خلال ترؤسه الاجتماع الطارئ للمجلس الوزاري للأمن الوطني في بغداد، في 24 مارس الحالي (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

ملخص

تسير حكومة بغداد في الأوان الأخيرة في حقل ألغام خطر، بين محاولتها الرد على الانتهاكات من جهة وعدم التورط في الحرب الدائرة في المنطقة، التي طاولت شراراتها الأراضي العراقية، من جهة أخرى.

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، ومع تصاعد وتيرة الضربات التي تستهدف مقار عسكرية وأمنية داخل العراق، اتخذت الحكومة العراقية خطوة وُصفت بأنها الأوضح منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة، حين خوّل المجلس الوزاري للأمن الوطني الأجهزة الأمنية، بما فيها هيئة "الحشد الشعبي"، "حق الرد والدفاع عن النفس"، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية وقرارات داخلية تهدف إلى ضبط المشهد ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.

القرار جاء عقب اجتماع طارئ ترأسه رئيس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة محمد شياع السوداني، ناقش فيه تداعيات الحرب في المنطقة وانعكاساتها على الداخل العراقي، وسط تأكيد رسمي على أن الدولة وحدها تحتكر قرار الحرب والسلم، في رسالة مزدوجة: ردع الخارج، وضبط الداخل.

تصعيد ميداني يضغط على القرار السياسي

لم تأتِ مقررات المجلس الوزاري للأمن الوطني في فراغ، بل سبقتها أيام من الضربات الجوية التي استهدفت مواقع تابعة "للحشد الشعبي" في محافظات عدة، من بينها الأنبار ونينوى وصلاح الدين وبابل.
وفي أحدث الهجمات، تعرّض مقر اللواء 31 في منطقة الصينية بقضاء بيجي لضربتين جويتين، أسفرتا عن إصابة عدد من المنتسبين وتدمير واسع في البنى التحتية للمقرات، وفق بيان رسمي للحشد الشعبي. كما شهدت الأنبار هجوماً دامياً أدى إلى مقتل قائد عمليات و14 عنصراً، في واحدة من أعنف الضربات خلال الفترة الأخيرة.

هذا التصعيد المتكرر وضع الحكومة أمام اختبار صعب، كيف توازن بين الرد على الانتهاكات وحماية السيادة من جهة، وبين تجنب الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة على أراضيها؟

المجلس الوزاري للأمن الوطني رسم ملامح استجابة ثلاثية الأبعاد، أولها في القرار العسكري وإقرار مبدأ "المواجهة والتصدي" للهجمات الجوية وفق حق الدفاع عن النفس.

أما في البعد القانوني، فتمّ التشديد على ملاحقة أي جهة تنفذ اعتداءات أو تعمل خارج إطار الدولة، مع تحميل القيادات مسؤولية أي تقصير في تنفيذ أوامر القبض.

ومن الناحية الدبلوماسية، أُقرّ التوجه لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، واستدعاء ممثلين دبلوماسيين لتسليمهم مذكرات احتجاج رسمية.

هذه المقاربة تعكس محاولة حكومية لاحتواء الأزمة دون الاكتفاء بالرد العسكري، مع الحفاظ على قنوات الضغط الدولي.

"الإطار التنسيقي" يدخل على خط الأزمة

بالتوازي مع الموقف الحكومي، برز دعم سياسي واضح من "الإطار التنسيقي"، الذي عقد اجتماعاً طارئاً في القصر الحكومي بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس "الحشد الشعبي"، لمناقشة التطورات الأمنية المتسارعة.

ودان "الإطار" في بيان الاستهدافات المتكررة التي طاولت مواقع "الحشد الشعبي"، واعتبرها "انتهاكاً صارخاً للسيادة العراقية"، معلناً دعمه لقرار المجلس الوزاري للأمن الوطني القاضي بالسماح للقطاعات الأمنية بالدفاع عن نفسها.

وشدد على ضرورة ملاحقة الجهات المتورطة في استهداف المؤسسات الأمنية والمنشآت الحيوية والبعثات الدبلوماسية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات قانونية حازمة بحقها، في انسجام مع المسار الذي أعلنته الحكومة لفرض هيبة الدولة.

وفي بعدٍ إقليمي، عبّر الإطار عن تضامنه مع الشعبين الإيراني واللبناني، داعياً إلى ترجمة هذا الموقف عبر فعاليات شعبية ومبادرات إنسانية، بالتوازي مع التأكيد على أهمية الحفاظ على المسار الدستوري، وحصر قرار الحرب والسلم بيد الدولة.

هذا الموقف يعكس محاولة لتوحيد الجبهة السياسية الداخلية في لحظة حساسة، لكنه في الوقت نفسه يضع الحكومة أمام مسؤولية أكبر في إدارة التوازن بين الدعم السياسي ومنع أي انزلاق نحو مواقف تصعيدية غير محسوبة.

بين استعادة هيبة الدولة وأخطار الانفلات

الباحث في الشأن السياسي مجاشع التميمي رأى أن القرارات تمثل "اختباراً حقيقياً لهيبة الدولة"، خصوصاً ما يتعلق بتنفيذ مذكرات القبض. وأشار إلى أن "التحدي لا يكمن في إصدار القرارات، بل في القدرة على تطبيقها دون استثناء".

وحذر التميمي من أن تخويل "حق الرد" قد يتحول إلى عامل تصعيد إذا لم يُضبط مركزياً، قائلاً إن "أي تحرك خارج التسلسل القيادي قد يفتح مسارات اشتباك عدة يصعب على الدولة احتواؤها".

من زاوية أخرى، لفت المتحدث ذاته إلى أن العراق لم يدخل بعد مرحلة الاشتباك المفتوح، لكن المؤشرات "مقلقة"، خاصةً مع تكرار الضربات وتعدد الأطراف المنخرطة بصورة غير مباشرة.

فجوة القدرات... قراءة في التوازن العسكري

المحلل السياسي والأكاديمي خالد العرداوي قدم قراءة أكثر تشكيكاً في جدوى القرار من الناحية العسكرية، معتبراً أن "حق الرد" يظل محدود الفاعلية في ظل غياب منظومة دفاع جوي متطورة.

ولفت إلى أن "العراق لا يمتلك حالياً قدرات تستطيع التعامل مع طائرات متقدمة، مما يجعل الردع العسكري المباشر خياراً صعب التنفيذ".
ويرى أن القرار قد يكون موجهاً أيضاً إلى الداخل، في محاولة لطمأنة الرأي العام وامتصاص حالة الغضب الشعبي، إلى جانب حسابات سياسية مرتبطة بمرحلة ما بعد الحرب وتشكيل الحكومة المقبلة.

ماذا يعني "حق الرد" عسكرياً؟

في السياق، أوضح المتخصص الأمني والعسكري اللواء المتقاعد علي الشمري أن "حق الرد" لا يعني بالضرورة الانخراط في مواجهة تقليدية مفتوحة، بل يشمل طيفاً واسعاً من الإجراءات الدفاعية والتكتيكية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال الشمري إن "الرد قد يأخذ أشكالاً عدة، تبدأ من تعزيز الانتشار العسكري، وتغيير أنماط التموضع، ورفع الجاهزية الاستخبارية، وصولاً إلى استخدام وسائل دفاعية محدودة أو عمليات نوعية محسوبة، بشرط أن تبقى ضمن قرار مركزي صارم". وأضاف أن التحدي الأكبر يتمثل في "الفجوة التكنولوجية في مجال الدفاع الجوي"، مشيراً إلى أن "التعامل مع التهديدات الجوية المتقدمة يتطلب منظومات متكاملة من الرادارات والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية، وهو ما يحتاج إلى وقت واستثمارات كبيرة".

ورأى الكعبي أن "أفضل خيار أمام العراق حالياً هو الدمج بين الردع السياسي والدبلوماسي، مع تحسين القدرات الدفاعية تدرجاً، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة غير متكافئة".

الداخل العراقي... بين القلق والاصطفاف

في الشارع العراقي، تتباين ردود الفعل بين من يرى في القرارات خطوة ضرورية لحماية السيادة، ومن يخشى أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد.

وتبرز مخاوف من أن يتحول العراق مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، وبخاصة في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

في المقابل، تراهن الحكومة على قدرتها في الحفاظ على "سياسة التوازن"، التي أكدت عليها خلال الاجتماع، عبر إقامة علاقات متوازنة مع الأطراف الإقليمية والدولية، وإبعاد البلاد عن بؤر الصراع.

إلى أين يتجه المشهد؟

المعطيات الحالية تشير إلى أن العراق يقف عند نقطة حساسة، إذ إن الانتقال إلى "حق الرد" يمثل رفعاً لسقف الموقف الرسمي، لكنه يبقى مشروطاً بقدرة الدولة على ضبط الإيقاع الأمني داخلياً، ومنع أي تصرفات غير منضبطة قد تجر البلاد إلى تصعيد أوسع.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات