ملخص
تنتعش ظاهرة "الترحال السياسي والحزبي" في المغرب بصورة كبيرة في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية، على رغم وجود قوانين وآليات دستورية لمحاربة هذه السلوكيات السياسية، فالدستور المغربي من خلال الفصل 61 يورد أنه "يُجرد من صفة عضو في أحد مجلسي النواب أو المستشارين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها".
على بعد بضعة أشهر من موعد تنظيم الانتخابات التشريعية في المغرب، انتعشت أخيراً حركة انتقال و"رحيل" برلمانيين ومنتخبين وقيادات حزبية من أحزاب سياسية إلى أخرى، في ظاهرة سياسية تتكرر في كل موسم انتخابي بالبلاد، وباتت تعرف بـ"الترحال الحزبي".
وتصمد ظاهرة "الترحال السياسي" التي تتنامى بصورة لافتة في مواسم الانتخابات بالمغرب على رغم القوانين الانتخابية الجديدة التي تحرص على تخليق الحياة العامة، وتقصي المرشحين من ذوي الذمم الفاسدة المتورطين في جرائم مالية أو انتخابية، وتعاقب هذه القوانين الذين يغرون الناخبين لنيل أصواتهم بالهدايا والوعود والتبرعات.
موسم الترحال السياسي
تقدم برلماني من حزب التجمع الوطني للأحرار الذي يقود الحكومة باستقالته قبل أيام، بمعية مسؤولين منتخبين آخرين، إذ يرتقب أن ينضموا إلى حزب الأصالة والمعاصرة الذي يوجد في الفريق الحكومي الحالي، للترشح باسم هذا الحزب في الانتخابات المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل.
وقرر ثلاثة أعضاء قياديين من المكتب السياسي لحزب الاتحاد الدستوري الرحيل إلى حزب الاتحاد الاشتراكي، الذي يندرج في صفوف المعارضة، من أجل الترشح باسم هذا الحزب في الاستحقاق التشريعي المرتقب، وهو أبرز رحيل حزبي في "الميركاتو" الانتخابي الذي بدأ ساخناً قبل انتخابات سبتمبر 2026.
من جهته، أعلن القيادي السابق في حزب الاتحاد الاشتراكي عبدالهادي خيرات تغيير لونه السياسي لينتقل بدوره إلى حزب التقدم والاشتراكية الذي يوجد في صفوف المعارضة البرلمانية، وهو ما برره في تصريحات له بأنه يرغب في أن يسهم في استعادة تماسك اليسار المغربي من خلال هذا الانتقال، وذلك في أفق تقديم هذا اليسار بدائل واقعية تلبي توقعات المغاربة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتنتعش ظاهرة "الترحال السياسي والحزبي" في المغرب بصورة كبيرة في الفترة التي تسبق الانتخابات البرلمانية، على رغم وجود قوانين وآليات دستورية لمحاربة هذه السلوكيات السياسية، فالدستور المغربي من خلال الفصل 61 يورد أنه "يُجرد من صفة عضو في أحد مجلسي النواب أو المستشارين، كل من تخلى عن انتمائه السياسي الذي ترشح باسمه للانتخابات، أو عن الفريق أو المجموعة البرلمانية التي ينتمي إليها".
وتصرح المحكمة الدستورية بشغور مقعد النائب البرلماني بناء على إحالة من رئيس المجلس الذي يعنيه الأمر، وذلك وفق أحكام النظام الداخلي للمجلس المعني، الذي يحدد أيضاً آجال ومسطرة الإحالة إلى المحكمة الدستورية.
وتوجد قوانين تنظم عمل مجلس النواب والمستشارين، أبرزها القانون رقم 04.21 الذي يمنح للحزب السياسي حق طلب تجريد البرلماني الذي غادر الحزب من مقعده، بينما القانون التنظيمي للأحزاب يحث بدوره على محاربة ظاهرة الترحال السياسي.
ملامح الخريطة الحزبية
وفي سياق التحولات التي تعرفها الساحة السياسية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، أكد المحلل السياسي كريم عايش أن هذه المرحلة السياسية بالمغرب تشكل لحظة مفصلية تعيد رسم ملامح الخريطة الحزبية، سواء على مستوى الاستراتيجيات أو الوجوه القيادية.
وأفاد عايش بأن دينامية الجموع العامة السنوية للأحزاب لم تكن مجرد محطة تنظيمية عادية، بل أفرزت تغييرات واضحة في تركيبة الأعضاء والأمناء العامين، بما يعكس استعداداً مبكراً لخوض غمار المنافسة الانتخابية.
واسترسل عايش، موضحاً أن اقتراب الآجال القانونية المرتبطة بإيداع طلبات الترشيح فرض على الأحزاب تسريع وتيرة إعادة ترتيب أوراقها، من خلال برمجة خريطة سياسية تغطي مختلف الأقاليم، مع الحرص على اختيار أسماء تحظى بإجماع انتخابي وقاعدة شعبية قادرة على ضمان الفوز وتعزيز فرص قيادة الحكومة المقبلة.
وأضاف أن هذا السياق يفسر بروز حركية ملحوظة داخل الحقل السياسي، تمثلت في ترحال عدد من الأسماء الوازنة من برلمانيين ومنتخبين بين الأحزاب السياسية.
ومضى قائلاً إن الإطار القانوني المنظم للأحزاب يفرض بدوره إيقاعاً خاصاً على هذه التحركات، إذ يلجأ كثير من القيادات إلى تأجيل إعلان تغيير انتمائها الحزبي إلى ما بعد نهاية الولاية التشريعية، تفادياً لفقدان مقاعدها البرلمانية. في المقابل، اختارت أسماء أخرى، وبخاصة على مستوى الجماعات الترابية، الإعلان المبكر عن التحاقها بأحزاب جديدة استعداداً للاستحقاقات المقبلة.
وفي ختام تصريحه، اعتبر عايش أن هذه الظاهرة تعكس من جهة حيوية المشهد السياسي المغربي، لكنها تطرح في الآن ذاته تساؤلات عميقة حول طبيعة الانتماء الحزبي، الذي بات في كثير من الأحيان أقرب إلى غطاء تنظيمي لممارسة السياسة، أكثر منه تعبيراً عن التزام أيديولوجي واضح".
غياب ديمقراطية داخلية
قال أستاذ علم السياسة في جامعة "مراكش" إدريس لكريني، إن استمرار ظاهرة الترحال السياسي في المغرب على رغم الجهود القانونية المبذولة في سبيل مواجهتها والحد منها، هو تعبير عن الاختلالات التي تعتري أداء عدد من الأحزاب السياسية بالبلاد.
وأوضح لكريني أن هذه الاختلالات تظهر على مستوى غياب ديمقراطية داخلية تدعم تجدد النخب، وكذلك عدم استحضار الكفاءات، فضلاً عن اختلالات الموضوعية في تزكية المرشحين للانتخابات، وهاجس الفوز بمقاعد أكبر بكل الطرق والسبل، ولو على حساب الحس النضالي".
وسجل المحلل نفسه أن استمرار هذه الظاهرة هو تعبير كذلك على أزمتي الثقة والصدقية التي تجعل النخب الحزبية تقوم بهذه السلوكيات التي تميع العمل السياسي، وتكرس العزوف السياسي والعزوف الانتخابي على وجه الخصوص، وتؤثر بصورة سلبية في المشهد السياسي المغربي".
وحذر برلمانيون مغاربة من استمرار ظاهرة "النواب الرحل" على رغم القوانين الموضوعة للحد من هذه السلوكيات، حيث إن هذا الترحال يعطي صورة سلبية عن العمل الحزبي، وعن الوعي السياسي للنائب البرلماني الذي يظهر كأنه مجرد سياسي انتهازي يبحث عن مصلحته الشخصية فقط لا عن المصلحة العامة للمواطن.
وفي هذا الصدد سبق للمستشار البرلماني من حزب الاستقلال عبداللطيف الأنصاري تقديم مقترح قانون لوضع حد لظاهرة الترحال السياسي، متمثلاً في "حصر إمكانية تغيير الانتماء الحزبي للمنتخبين، وبخاصة البرلمانيون، في مرة واحدة فقط طيلة مسارهم السياسي"، ليكون الهدف منح فرصة لمن قد يتعرض لظلم أو عدم تفاهم داخل حزبه للانتقال إلى حزب آخر، من دون تحول الأمر إلى ممارسة ممنهجة.
ووفق الأنصاري، فإن الترحال السياسي ظاهرة شائنة تنعش أسهم من سماهم "تجار الانتخابات" الذين لا يلتزمون بالمبادئ السياسية، ويلهثون خلف المناصب، مما ينجم عنه إضعاف للأحزاب السياسية وإفراغها من مضمونها السياسي والتأطيري والأيديولوجي.
وعالجت تقارير مراكز بحثية ظاهرة الترحال السياسي في المغرب وسياقاته وبواعثه وتداعياته، ومنها تقرير مركز المؤشر للدراسات والأبحاث، الذي أكد أن الترحال السياسي هو أحد أبرز مظاهر التآكل التنظيمي داخل المشهد الحزبي المغربي، حيث يضعف الاستقرار المؤسساتي ويقوض صدقية الأحزاب.
وأفاد تقرير المركز البحثي عينه بأن أكثر من 30 في المئة من النواب البرلمانيين عمدوا إلى تغيير ألوانهم وانتماءاتهم الحزبية بين عامي 2016 و2021، وهما عامان جرت فيهما الانتخابات التشريعية، الشيء الذي يعكس، وفق المصدر، هشاشة الولاء الحزبي وضعف البنية الأخلاقية والسياسية للمنظومة".