ملخص
يرى رئيس قسم الأبحاث في Equity Group رائد الخضر، أن الأسواق العالمية تترقب بحذر شديد تطورات التصعيد الجيوسياسي، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الممرات المائية الحيوية، لأن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيقود إلى قفزات سعرية مفاجئة في أسواق الطاقة.
عادت فرضية استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط من جانب إيران إلى الواجهة من جديد عبر طرح فكرة فرض رسوم على عبور الناقلات، وهي خطوة تبدو في ظاهرها مالية، لكنها تمس في جوهرها أحد أعمدة النظام التجاري الدولي، وهو حرية الملاحة في المضايق.
هذا التراجع لا يعني خروج السوق من دائرة القلق، بقدر ما يعكس إعادة تموضع موقتة، إذ تبقى الأسعار محكومة بما يُعرف بـ"علاوة الخطر"، وهي الزيادة المرتبطة بتوقعات الاضطراب لا بحدوثه فعلياً، ما يجعل أي إشارة إلى هرمز قادرة على تحريك الأسعار بسرعة حتى في غياب نقص مباشر في الإمدادات.
وتستمد هذه الحساسية من ثقل المضيق نفسه، إذ تمر عبره يومياً تدفقات تتراوح بين 17 و20 مليون برميل، أي نحو 20 في المئة من الاستهلاك النفطي العالمي، إلى جانب حصة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يربط استقراره مباشرة بكلفة الطاقة والتأمين والشحن، وبالتالي بمعدلات التضخم وتوقعات النمو في الاقتصادات الكبرى، لا سيما في آسيا التي تعتمد عليه بصورة شبه كاملة.
تحول محتمل
ومن هذا المنطلق، لا يمكن قراءة فكرة فرض رسوم على العبور كإجراء سيادي تقليدي، بل كتحول محتمل في قواعد تشغيل أحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو ما يضعها مباشرة في مواجهة الإطار القانوني الذي صُمم لمنع تحويل هذه المضايق إلى أدوات ضغط اقتصادي، بحسب ما أفاد به محللون لـ"اندبندنت عربية".
قيود صارمة
في هذا السياق، يوضح عضو المجلس الاستشاري الوطني في معهد "تشارترد" للأوراق المالية في الإمارات وضاح الطه، أن اتفاقات الأمم المتحدة، وعلى رأسها قانون البحار، تضع قيوداً صارمة تمنع فرض أي رسوم مالية على عبور المضايق الدولية، مشيراً إلى أن هذا المنع يمثل أحد الأعمدة التي تقوم عليها استمرارية التجارة العالمية، لأنه يمنع الدول المشاطئة من توظيف موقعها الجغرافي لفرض أجندات سياسية أو مالية.
وأضاف الطه، أن أي محاولة لفرض رسوم ستنعكس فوراً على سلاسل الإمداد من خلال رفع كلفة النقل والتأمين، وهو ما يعد انتهاكاً مباشراً لمبدأ "المرور العابر" الذي يكفل للسفن التحرك بحرية وسرعة، مؤكداً أن استقرار الأسواق يعتمد بصورة مباشرة على بقاء هذه المضايق مفتوحة ومجانية.
شرعية دولية
ويمتد هذا التفسير في السياق نفسه، إذ أشار المدير العام لتسويق الشركات بوزارة الطاقة العمانية علي الريامي إلى أن التلويح بفرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز يفتقر أساساً إلى الشرعية الدولية، موضحاً أن المضايق المستخدمة للملاحة العالمية تخضع لاتفاقات قانونية لا تسمح للدول المطلة بتحصيل أي مقابل مالي على حق المرور.
وأكد الريامي، أن اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 وضعت أسساً واضحة لا تقبل التأويل، إذ كفلت لجميع السفن، بما فيها ناقلات النفط والغاز، "حق المرور العابر"، وهو حق يمنع فرض أي ضرائب أو رسوم سيادية ما دامت السفن تلتزم بالمسارات المحددة ولا تشكل تهديداً بيئياً أو أمنياً، في إشارة إلى أن القضية لا تتعلق فحسب بالقانون، بل بطبيعة النظام الملاحي الدولي نفسه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأضاف الريامي بعداً جغرافياً حاسماً في حالة مضيق هرمز، موضحاً أن الممر الملاحي الآمن يقع في معظمه ضمن المياه الإقليمية العمانية، التي تديرها السلطنة لضمان انسيابية حركة التجارة العالمية، وهو ما يعزز من محدودية أي محاولة لفرض رسوم من طرف واحد، ويجعلها أقرب إلى طرح نظري منه إلى واقع قابل للتطبيق.
ولا يقف التأثير عند الجانب القانوني، إذ حذر الريامي من أن أي محاولة لفرض أعباء مالية غير قانونية ستنعكس فوراً على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع كلفة التأمين والشحن، ما يقود إلى قفزات في أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهو ما لن يقبله المجتمع الدولي، نظراً لتداعياته المباشرة على استقرار الأسواق.
وأشار الريامي إلى أن استقرار سوق النفط يعتمد أساساً على بقاء الممرات المائية بعيدة من التجاذبات السياسية، محذراً من أن الاتجاه نحو فرض رسوم قد يدفع الدول المستهلكة والشركات الكبرى إلى تسريع البحث عن مسارات بديلة، في خطوة قد تعيد رسم خريطة النقل البحري في المنطقة على المدى البعيد، وهو ما يعكس أن أي قرار من هذا النوع لا يبقى محصوراً في لحظته، بل يمتد تأثيره إلى هيكل السوق نفسه.
مرور عابر
ولا ينفصل هذا الطرح عن البعد الفني الذي يضيفه مستشار الطاقة لدى شركة "هوك للطاقة" خالد العوضي، إذ يؤكد أن اتفاق عام 1982، الذي دخل حيز التنفيذ عام 1994، يمنع بصورة قاطعة فرض أي رسوم على عبور المضايق الدولية، موضحاً أن "المرور العابر" يقوم على عبور متواصل وسريع من دون تعطيل أو فرض كلفة، وهو ما يسقط عملياً فكرة تحويل المضيق إلى مصدر جباية.
وأشار العوضي، إلى أن الممر الملاحي الفعّال في مضيق هرمز يقع ضمن المياه العمانية وليس الإيرانية، بعرض يقارب كيلومترين لكل اتجاه، ما يحدّ قانونياً وعملياً من قدرة طهران على فرض رسوم إلزامية، ويجعل أي محاولة من هذا النوع عرضة للطعن القانوني والرفض الدولي.
هذا التداخل بين القانون والجغرافيا يضع مسألة التنفيذ في قلب الإشكالية، إذ إن السؤال لم يعد: هل يمكن إعلان الرسوم؟ بل: هل يمكن تحصيلها فعلياً؟ فالناقلات العالمية، المدعومة بمنظومة تأمين وتمويل دولية، لن تقبل برسوم لا تستند إلى مرجعية قانونية، مما يعني أن فرضها سيتطلب إما تعطيل العبور أو تهديده، وهو ما ينقل المسألة مباشرة من نطاق الضغط السياسي إلى نطاق التصعيد.
حذر شديد
ويرى رئيس قسم الأبحاث في Equity Group رائد الخضر، أن الأسواق العالمية تترقب بحذر شديد تطورات التصعيد الجيوسياسي، خصوصاً في ما يتعلق بأمن الممرات المائية الحيوية، لأن أي تعطيل فعلي لحركة الملاحة في مضيق هرمز سيقود إلى قفزات سعرية مفاجئة في أسواق الطاقة.
وأضاف الخضر، أن الأسواق بدأت بالفعل في تسعير هذه الأخطار، وهو ما يفسر تماسك أسعار النفط فوق مستويات دعم معينة على رغم إشارات التهدئة أو تباطؤ الطلب في بعض القطاعات، إذ إن "علاوة المخاطرة" لا تختفي بسهولة، بل تبقى حاضرة ما دام احتمال التعطيل قائماً.
وأوضح أن الاعتماد على البدائل الاستراتيجية قد يخفف من حدة الأزمة على المدى المتوسط، لكنه يحذر من أن الكلفة اللوجستية وتأمين السفن سترتفع بصورة ملحوظة، مما ينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية، في امتداد طبيعي لتأثير أي توتر في المضيق.
وفي امتداد لهذا المسار، تبقى التوقعات لعام 2026 رهينة بدرجة استقرار المنطقة، إذ إن كسر الثقة في سلامة المضايق الدولية قد يدفع أسعار خام برنت لتجاوز مستويات 80 دولاراً في حال تفاقم أي انسداد ملاحي، وهو ما يعيد التأكيد أن السوق لا تسعّر الواقع فحسب، بل أيضاً احتمالاته.
هذا ينسجم مع ما يطرحه خالد العوضي، الذي يشير إلى أن التوقعات الأساسية كانت تدور حول متوسط يتراوح ما بين 66 و67 دولاراً للبرميل، إلا أن الضغوط الجيوسياسية أبقت الأسعار فوق مستوى 70 دولاراً، مع قابلية الصعود نتيجة ما يُعرف بـ"عامل الخوف"، الذي تضيفه شركات التأمين والنقل إلى كلفة الإمدادات.
وفي موازاة ذلك، تتسارع الجهود لإيجاد بدائل تقلل الاعتماد على المضيق، إلا أن هذه البدائل، على رغم أهميتها، لا تزال غير قادرة على تعويض دوره المركزي في المدى القريب، ما يبقيه في قلب معادلة الطاقة العالمية.
أما على المستوى السياسي، فإن الحديث عن تنسيق مع الولايات المتحدة في إدارة المضيق يبدو بعيداً، خصوصاً في ظل مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تميل إلى منع استخدام الممرات الحيوية كورقة ضغط، وهو ما يعزز من احتمالات أن أي خطوة لفرض رسوم ستواجه برفض دولي واسع.
أداة ضغط
وإلى ذلك، لا تبدو فكرة فرض رسوم على مضيق هرمز سياسة قابلة للتنفيذ بقدر ما تعكس محاولة لإعادة توظيف الموقع الجغرافي كأداة ضغط، لكن في سوق شديدة الحساسية، يكفي طرح الفكرة لإعادة تسعير الأخطار، وهو ما يفسر أن النفط، حتى في لحظات التراجع، لا يتحرك وفق معادلة الإمدادات فحسب، بل وفق ميزان أكثر تعقيداً تحكمه الجغرافيا والقانون والسياسة في آن واحد.