Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشارع الإيراني تحت قبضة الحكم العسكري... تفتيش واعتقالات

روايات لسكان المدن الكبرى تتحدث عن بحث في الهواتف واقتحام المقاهي والمنازل وتنفيذ اعتقالات وفرض مبالغ مالية على المارة

إيرانيات تجلسن أمام مسجد في محيط البازار الكبير في طهران، في 29 مارس الماضي (أ ب)

ملخص

تعكس شهادات المواطنين الإيرانيين تصاعداً متزامناً للضغوط الخارجية وتشديداً للقبضة الأمنية الداخلية، فقد لجأت السلطات الإيرانية، في إطار إدارة ظروف الحرب، إلى تكثيف الانتشار الأمني داخل المدن وفرض قيود أوسع، إلا أن هذه الإجراءات، وفق شهادات عدة، لم تسهم في تعزيز الأمن بقدر ما عمقت الخوف وانعدام الثقة وأحدثت اضطراباً ملموساً في الحياة اليومية؟

تشير المعلومات ومقاطع الفيديو والصور وعشرات الشهادات الواردة من سكان طهران وكرج وقم ومشهد وجزيرة جسم (قشم)، وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، إلى أنه مع دخول الحرب يومها الـ32، باتت الأوضاع السائدة في المدن الإيرانية أقرب من أي وقت مضى إلى حالة "حكم عسكري" غير معلن. وهي حالة تتسم بانتشار واسع لنقاط التفتيش، ووجود مكثف للقوات المسلحة داخل الأحياء السكنية، إلى جانب تصاعد الإجراءات الأمنية وعمليات مداهمة المنازل، مما أدى إلى اضطراب شديد في الحياة اليومية للسكان.

وبحسب روايات حصلت عليها "اندبندنت فارسية"، قامت قوات الباسيج والحرس الثوري في عدد من أحياء طهران بنشر آليات ثقيلة ودراجات نارية متعددة، إلى جانب معدات عسكرية أمام المجمعات السكنية، مما حول هذه المناطق عملياً إلى نقاط أمنية. ويقول أحد سكان منطقة "سعادت‌ آباد" في طهران، "أقاموا نقطة تفتيش أمام برجنا منذ أيام عدة. ومنذ الصباح حتى المساء يشغلون أناشيد دينية بصوت مرتفع، لقد تسببوا بتلوث ضوضائي، وجعلوا المكان هدفاً محتملاً".

ويتكرر هذا القلق من تحويل الأحياء السكنية إلى أهداف عسكرية في شهادات متعددة، كما أفاد سكان في مناطق عدة شمال طهران لـ"اندبندنت فارسية" بأن وجود هذه القوات بالقرب من منازلهم، بالتزامن مع تحليق دائم للطائرات المسيرة، خلق شعوراً عميقاً بانعدام الأمن، ودفع عدداً من العائلات إلى القلق من تعرض أرواح المدنيين للخطر في حال استهداف هذه المواقع.

في موازاة ذلك، تشير التقارير إلى زيادة ملاحظة في عدد نقاط التفتيش على الطرق الرئيسة وبين المدن. ويقول أحد السائقين في طهران، "من مدخل المطار حتى داخل الطريق السريع من طهران إلى قم، نصبت نقاط تفتيش عدة، بعضها في وسط الطريق. تقف آليات عسكرية، وعناصر مسلحة توقف كل سيارة"، وأضاف أن "هذه الإجراءات لم تؤد فقط إلى ازدحام مروري كثيف، بل بثت أيضاً أجواء من الرهبة، مما دفع سائقين كثر إلى تجنب التنقل ليلاً".

ومن أبرز ما تكرر في روايات المواطنين، الزيادة الكبيرة في تفتيش الهواتف المحمولة ومراقبتها، إذ أفاد عشرات الأشخاص من مناطق مختلفة في إيران "اندبندنت فارسية"، بأن القوات الأمنية تقوم، سواء في الشوارع ونقاط التفتيش أم من خلال اقتحام المقاهي والمنازل، بتفتيش هواتف المواطنين. ويقول أحد سكان كرج، "يأخذون الهاتف ويفتشونه لمعرفة ما إذا كان يحتوي على صور أو مقاطع فيديو للهجمات أو لمواقع معينة. وإذا عثروا على شيء، يتم اعتقالك على الفور".

ووردت رواية مماثلة أيضاً من طهران، إذ يقول أحد سكان شرق العاصمة، "رأيت مرات عدة أنهم أوقفوا الناس في وسط الشارع، وصادروا هواتفهم، بل فتشوا الرسائل وتطبيقات التواصل الاجتماعي. أحد جيراننا اعتقل لهذا السبب، ولا يزال مصيره مجهولاً حتى الآن".

وفي بعض الحالات، تتخذ هذه الممارسات طابعاً أوسع وأكثر عنفاً. وبحسب شاهد عيان في مشهد، دهمت قوات أمنية مقاه عدة، وقامت عبر توصيل أجهزة مودم محمولة بربط هواتف الحاضرين بالإنترنت وفحص نشاطهم على شبكات التواصل الاجتماعي. ويقول هذا المواطن، "جمعوا الجميع في مكان واحد، وصادروا الهواتف، وكل من كان لديه شيء أو بدا مشبوهاً جرى اعتقاله".

 وفي حادثة أخرى، علمت "اندبندنت فارسية" أن قوات النظام الإيراني في مدينة بروجن في محافظة جهارمحال وبختياري، اعتقلت كيانوش أميني بروجني، وهو متسلق جبال يبلغ من العمر 44 سنة، إلى جانب شقيقتيه وزوجيهما.

وبحسب المعلومات المتاحة، تم اعتقال كيانوش أميني في الـ19 من مارس (آذار) الماضي، إثر اعتراضه على عناصر من الباسيج كانوا قد أغلقوا شوارع مدينة بروجن لإقامة مراسم عزاء على مقتل المرشد علي خامنئي، إذ تعرض للضرب قبل توقيفه. وفي وقت لاحق، اعتقلت شقيقتاه، كلنوش ومهرنوش أميني، مع زوجيهما، يوم الجمعة الماضي، أثناء متابعتهما قضية اعتقال شقيقهما، وذلك عقب تعرضهم لاعتداء من عناصر بلباس مدني، قبل أن ينقلوا إلى جهة مجهولة.

كما تفيد تقارير أخرى بوقوع مداهمات متكررة للمنازل من القوات الأمنية، ويقول أحد سكان طهران "ليلة رأس السنة (الإيرانية) اقتحموا المنازل، وحتى أثناء وجودنا حول مائدة ’هفت سين‘ قاموا بتفتيش الهواتف، وإذا عثروا على شيء، كانوا يعتقلون الشخص في المكان نفسه بعد الاعتداء عليه بالضرب".

وتشير هذه الشهادات إلى أن نطاق هذه الإجراءات لم يعد يقتصر على الشوارع، بل امتد ليشمل الحياة الخاصة للمواطنين وحرمة منازلهم.

في موازاة ذلك، تفيد تقارير بتصاعد العنف الجسدي في التعامل مع المواطنين. وفي روايات عدة، جرى الحديث عن الضرب والتهديد بالسلاح، بل وحتى إطلاق النار أثناء عمليات التفتيش. ويقول أحد سكان مشهد، "إذا قاومت أو اعترضت، ينهالون عليك بالضرب. حتى إنهم يطلقون النار، لا يوجد أي قانون".

إلى جانب ذلك، تحدث بعض السكان عن ظاهرة الابتزاز وفرض مبالغ مالية في مقابل السماح بالمرور عبر نقاط التفتيش. ويقول أحد سكان جزيرة جسم (قشم) لـ"اندبندنت فارسية"، "للعبور من بعض الطرق والسيطرة الأمنية، يتعين عليك عملياً دفع المال، ومن دون ذلك لا يسمحون لك بالمرور".

من جهة أخرى، لفتت التغييرات في سلوك ومظهر القوات الأمنية انتباه المواطنين، إذ أفاد مواطنون "اندبندنت فارسية" بأن هذه القوات عمدت إلى إزالة لوحات ترخيص مركباتها الرسمية لتفادي التعرف عليها، وتتنقل بسيارات من دون لوحات داخل المدن، كما ازداد استخدام الأقنعة وتغطية الوجوه بصورة ملاحظة. ويقول أحدهم بسخرية، "كنا سابقاً نرتدي الأقنعة كي لا يتم التعرف علينا، أما الآن فهم يرتدونها كي لا نتمكن نحن من التعرف عليهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتشير التقارير أيضاً إلى توسع ملاحظ في تسليح عناصر الباسيج، بما في ذلك على مستوى الأحياء السكنية. وبحسب بعض الشهادات، فإن هذه القوات، التي كانت في السابق تسلح فقط في مهمات محددة، باتت تحمل السلاح بصورة دائمة، بل وتتردد به إلى منازلها، كما وردت روايات عن وجود نساء مسلحات ضمن هذه القوات. 

وفي قم، أفاد السكان بحدوث تحول واضح في المشهد العام للمدينة، ووفقاً لأحد السكان، يمتنع عدد من رجال الدين عن الظهور العلني في الشوارع، في حين تجوب مركبات تحمل الأعلام الإيرانية أنحاء المدينة. ويقول "الفضاء أصبح أمنياً بالكامل، لكن في الوقت نفسه هناك خوف خفي لدى الموالين للسلطة".

ومن أبعاد هذا الوضع أيضاً، تزايد وتيرة الاعتقالات خلال الأيام الأخيرة. وأفادت مصادر متعددة "اندبندنت فارسية" بأن عدد المعتقلين، لا سيما على خلفية نشر أو إرسال صور ومقاطع فيديو تتعلق بالهجمات الإسرائيلية والأميركية، شهد ارتفاعاً ملاحظاً. ويأتي ذلك في وقت تشير فيه مصادر قانونية إلى أن عدداً من المحامين حرموا من الوصول إلى الإنترنت، مما حد بصورة كبيرة من قدرتهم على متابعة أوضاع المعتقلين.

وتعكس هذه الشهادات صورة عن تصاعد متزامن للضغوط الخارجية وتشديد القبضة الداخلية، إذ لجأت السلطات الإيرانية، في سياق إدارة ظروف الحرب، إلى تكثيف الانتشار الأمني داخل المدن وفرض قيود أوسع، غير أن هذه السياسات، وفقاً لشهادات كثيرة، لم تؤد إلى تعزيز الأمن بقدر ما أسهمت في نشر الخوف، وتعميق انعدام الثقة، وإحداث اضطراب كبير في الحياة اليومية. وهو واقع بات أكثر وضوحاً من أي وقت مضى في اليوم الـ32 من الحرب.

وبالتزامن مع هذه التطورات، أدى الانقطاع الكامل للإنترنت في إيران، الذي بدأ مع اندلاع الحرب، إلى مضاعفة الضغوط النفسية على السكان. ويشير عدد من المواطنين في رواياتهم لـ"اندبندنت فارسية" إلى أن غياب الوصول إلى المعلومات، وانقطاع التواصل مع أفراد العائلة، وعدم القدرة على متابعة الأخبار، كلها عوامل عززت مشاعر الارتباك والقلق.

وفي ظل الانتشار الواسع للقوات الأمنية في الشوارع، وتقييد القدرة على توثيق الأحداث أو نقلها، أدى هذا الانقطاع فعلياً إلى وضع المواطنين في حالة من العزلة وانعدام المعلومات، مما ضاعف من وطأة الضغوط النفسية للحرب، على حد تعبيرهم.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط