ملخص
تراجع تصعيد أميركي- إيراني متسارع مع اقتراب انتهاء مهلة ترمب لفتح مضيق هرمز، بعد أن أعلنت واشنطن أن الجانب الإيراني سعى للتفاوض. وذلك في أعقاب تهديدات بضرب قطاع الطاقة وردود إيرانية توسع دائرة المواجهة إقليمياً والمرحلة المقبلة مرهونة بالساعات الحاسمة، إما تهدئة تقود للتفاوض أو تصعيد يعيد رسم قواعد الاشتباك ويهدد أمن الطاقة العالمي.
في ظل عدٍّ تنازلي متسارع، تبقى أقل من 24 ساعة على انتهاء المهلة التي منحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإيران لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، في تطور يضع المنطقة أمام واحدة من أكثر لحظات التوتر حساسية منذ بداية التصعيد. وبين تهديدات مباشرة باستهداف البنية التحتية للطاقة، وردود إيرانية تتوعد برد مماثل، تتشكل معادلة ردع مفتوحة على احتمالات تتجاوز الحسابات التقليدية، وتعيد طرح سؤال: هل نحن أمام ضربة محدودة أم بداية مرحلة أوسع من المواجهة؟
وبحسب تقرير حديث نشره موقع "Axios"، فإن تهديد ترمب باستهداف وتدمير محطات الطاقة الإيرانية، بدءاً من الأكبر، يعكس تحولاً واضحاً في موقفه بعد أن كان لمح سابقاً إلى إمكانية إنهاء الحرب من دون حل أزمة مضيق هرمز. ويكتسب هذا التصعيد أهميته من أن نحو خُمس إمدادات النفط العالمية يمر عبر هذا الممر، مما يجعل أي اضطراب فيه ذا انعكاسات فورية على الاقتصاد العالمي، من أسعار الطاقة إلى سلاسل الإمداد.
لكن ترمب قبل انتهاء المدة التي حددها لطهران، فاجأ المراقبين بإعلان بأنه وجه بتأجيل أي ضربات عسكرية ضد محطات الطاقة الإيرانية لـ 5 أيام، مضيفاً أن أميركا وإيران أجرتا محادثات جيدة ومثمرة للغاية خلال اليومين الماضيين.
تصعيد غير مسبوق
في المقابل، حاولت طهران إعادة ضبط خطابها، إذ أعلن "الحرس الثوري" أن أي استهداف لقطاع الكهرباء الإيراني سيقابل بضرب شبكات كهرباء مقابلة، بما في ذلك تلك التي تخدم منشآت إسرائيلية أو قواعد أميركية في المنطقة، في إشارة إلى انتقال التهديد من نطاق وطني إلى مسرح إقليمي أوسع. وبدا أن الخطاب الإيراني يتراجع جزئياً عن تهديدات سابقة طاولت منشآت المياه، في محاولة لإعادة صياغة معادلة الردع ضمن نطاق يمكن التحكم به سياسياً وعسكرياً.
وتزامناً مع ذلك، شددت وزارة الخارجية الإيرانية في بيان رسمي نشرته، اليوم، على أن مضيق هرمز "غير مغلق"، وأن الملاحة مستمرة، ولكن ضمن ترتيبات تفرضها حالة النزاع، مؤكدة منع مرور السفن المرتبطة بالأطراف "المعتدية"، في مقابل السماح بمرور السفن الأخرى وفق ضوابط محددة. ويعكس هذا الخطاب محاولة إيرانية للفصل بين "إغلاق المضيق" كفعل مباشر، و"تقييده" كأداة ضغط سياسية وقانونية.
لكن خلف هذا التراشق، تتشكل طبقات أعمق من الصراع تتعلق بتوازنات القوة، وحدود الرد، ومن يملك زمام المبادرة. فبينما يلوّح ترمب بخيارات تصعيد قد تتجاوز الضربات التقليدية، تحاول إيران تثبيت معادلة تقوم على الرد بالمثل، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تفقد فيها السيطرة على مسار الأحداث.
يقول ويفعل
في هذا السياق، يقدم المحلل السياسي محمد الحبابي قراءة تفصيلية لطبيعة المرحلة، معتبراً أن ما يجري لا يمكن فهمه فقط من زاوية التهديدات المتبادلة، بل من خلال نمط إدارة الأزمة لدى الطرفين. ويقول إن ترمب يعتمد أسلوباً مختلفاً عن الإدارات الأميركية التقليدية، يقوم على الإعلان العلني والمباشر للتهديد، وربطه بمهلة زمنية محددة، مما يخلق ضغطاً نفسياً وسياسياً مضاعفاً على الطرف المقابل، ويضعه أمام اختبار سريع للحسم.
ويرى الحبابي أن هذا الأسلوب "يقول ويفعل"، بمعنى أن ترمب، حتى وإن بالغ في بعض الأحيان في لهجته، فإنه غالباً ما يلتزم بتنفيذ ما يطرحه إذا وضع سقفاً زمنياً واضحاً، وهو ما يجعل مهلة الـ48 ساعة الحالية ذات دلالة خاصة، لأنها ليست مجرد رسالة سياسية بل قد تكون تمهيداً لخطوة عملية.
أخطاء استراتيجية متراكمة
وفي تقييمه للموقف الإيراني، يعد الحبابي أن طهران وقعت في أخطاء استراتيجية متراكمة، من أبرزها توسيع نطاق المواجهة ليشمل محيطها الإقليمي، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي، بدلاً من محاولة كسب هذه الدول أو تحييدها. ويضيف أن دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، تملك ثقلاً سياسياً واقتصادياً كان يمكن أن يسهم في تهدئة التصعيد أو على الأقل تقليل كلفته، لكن إدخالها في دائرة التهديد جعلها جزءاً من معادلة الردع وليس وسيطاً فيها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير الحبابي إلى أن الضربات التي تعرضت لها إيران، وما رافقها من استهداف لقيادات عسكرية من مستويات متعددة، أثرت في بنية القرار، لكنها لم تغير من حقيقة أن الحرس الثوري لا يزال يمسك بالقرار العسكري والأمني، وهو ما يعكس، برأيه، خللاً في إدارة الأزمة، إذ تغلب المقاربة العسكرية على السياسية.
وعلى الصعيد الميداني، يركز الحبابي على أن استهداف قطاع الطاقة يمثل نقطة التحول الأخطر، لأن هذا القطاع لا يرتبط فقط بالاقتصاد، بل بالحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء إلى المياه والخدمات الأساسية. ويؤكد أن أي ضربة واسعة لمحطات الطاقة قد تؤدي إلى شلل داخلي، مما ينقل الضغط من مستوى الدولة إلى مستوى المجتمع.
ترسانة ضخمة
ويلفت إلى أن إيران، رغم ما تعرضت له، لا تزال تمتلك ترسانة صاروخية كبيرة تعتمد على الكثافة العددية أكثر من الدقة، وهو ما يمنحها قدرة على الاستمرار في الرد وإطالة أمد المواجهة، حتى في ظل خسائر عسكرية أو لوجيستية.
ويذهب الحبابي أبعد من ذلك، معتبراً أن ما يحدث اليوم هو نتيجة تراكمات ممتدة منذ عام 1979، حيث لم تستثمر إيران إمكاناتها الاقتصادية والبشرية بالشكل الذي يحقق الاستقرار الداخلي، بل انخرطت في صراعات إقليمية استنزفت مواردها، وهو ما يجعلها اليوم أكثر هشاشة أمام الضغوط المركبة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية.
وفي المحصلة، يرى الحبابي أن الساعات المقبلة ستكون حاسمة، ليس فقط في تحديد ما إذا كانت الولايات المتحدة ستنفذ تهديدها، بل في رسم شكل المرحلة التالية بالكامل. فإما أن تتجه الأمور إلى تهدئة موقتة تفتح باب التفاوض، أو تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التصعيد قد تشمل استهدافاً مباشراً لمنشآت حيوية، بما يعيد تشكيل قواعد الاشتباك في الخليج ويضع أمن الطاقة العالمي أمام اختبار غير مسبوق.
كرر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية، مساء الأحد، في تصريحات للقناة 13 بالتلفزيون الإسرائيلي.
وقالت مراسلة القناة في واشنطن، إن ترمب قال لها في تصريحات خاصة، "ستكتشفون قريباً ماذا سيحدث مع الإنذار الذي وجهته بشأن محطات الطاقة الإيرانية.. ستكون النتيجة طيبة جداً".
وأضاف الرئيس الأميركي، "سيتم تدمير إيران بشكل كامل، وسيحقق ذلك نتائج رائعة".