ملخص
دافعت صحيفة عن قرار ترمب بشن هجمات حربية على إيران بهدف إنهاء برنامجها النووي، بينما رد علماء الذرة على ذلك بسرد علمي للأحداث يناقض تماماً هذه الفكرة.
يرى بعض العلماء أن إدارة ترمب "قد قضت بشدة على إمكان التفاوض الذي قد يقنع إيران بقبول التراجع الطوعي".
في الإعلام الحديث نادراً ما تتواجه المقالة العلمية الدقيقة والمتأنية مباشرة مع مقالات صحافية متسرعة، إذ تكون النتيجة اكتساح المادة العلمية غيرها من مثل هذه المقالات. وفي هذا السياق تثير مقالة رد فيها أحد علماء الذرة الأميركيين على مقالة افتتاحية لصحيفة "جورنال ستريت" قبل أقل من أسبوعين سؤالاً مهماً وهو: لماذا يفضل كثير من العلماء الأميركيين أوباما على ترمب في ما يتعلق تحديداً بمسألة معالجة مشكلة إيران النووية؟ وفي المقالة الصحافية دافعت الصحيفة عن قرار ترمب بشن الهجمات الحربية على إيران بهدف إنهاء برنامجها النووي، بينما رد بعض علماء الذرة على ذلك بسرد تاريخي للأحداث يناقض تماماً هذه الفكرة وبصورة علمية.
ويرى العلماء أن كون زعيم ما في هذا العالم، تمتلك بلاده ترسانة نووية ضخمة ويتحكم هو بها من خلال كبسة زر، مسؤولية جسيمة. وعلى رغم ذلك، يؤكد معسكر ترمب أنه لا يمكن للعلماء أو غيرهم إنكار الحقيقة، فترمب حاول جاهداً أن يكون رجل سلام، والمتابع من كثب لشخصيته يدرك أنه من الزعماء الذين لا يحبون إطالة أمد الحروب، على رغم أنه غالباً ما يكون المبادر بها، ومن جهة ثانية، فإن أكبر الحروب الأميركية من ناحية حصيلة القتلى وطول أمدها، وقعت في عهد الرئيس أوباما الذي حاز جائزة نوبل للسلام، وذلك في ظل الإدارات الديمقراطية المتعاقبة.
رأي علماء ذرة
في هذا السياق، أكد علماء ذرة أميركيون أخيراً أن إدارة أوباما لم تكن "متقاعسة" في ردها على أنشطة إيران النووية والإقليمية، بل إنها نفذت العقوبات نفسها التي ينسب ترمب الفضل لنفسه فيها اليوم تحت مسمى "الضغط الأقصى". في المقابل قضت إدارة ترمب بشدة على إمكان التفاوض الذي قد يقنع إيران بقبول التراجع الطوعي، "إذ قلص الجيشان الأميركي والإسرائيلي، من خلال حربهما الحالية، الخيارات الاستراتيجية لإيران، وذلك حين قتلا بعض من كانوا يسعون إلى حلول بديلة لمأزقها الاستراتيجي، وهي حلول كانت كفيلة بأن تبعد إيران سلمياً عن إنتاج الأسلحة النووية".
اتهام خطر
عبر موقع علمي أميركي بارز، ورد اتهام خطر للصحافة الأميركية، وهو تضليل الرأي العام، وذلك خلال مقالة تحليلية نشرت يوم الـ18 من مارس (آذار) 2026 تحت عنوان: "مراجعة التاريخ في فوردو: لماذا أخطأت صحيفة ’وول ستريت جورنال‘ في شأن تاريخ البرنامج النووي الإيراني ومستقبله؟". وجاءت المقالة العلمية بقلم ريتشارد نيفيو. وجاء فيها "يمكن مناقشة كل نقطة على حدة، والطعن في العناصر المختلفة التي جرى تحريفها أو المبالغة فيها في هذه الافتتاحية"، وأضاف نيفيو في سياق العقوبات على إيران: "في الواقع، كان توسيع ترمب للعقوبات، كما ورد في افتتاحية الصحيفة، مجرد تضليل، فإدارة ترمب أعادت فرض العقوبات الصارمة التي فرضت في عهد الرئيس باراك أوباما، والتي علقت بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015، والمعروفة أيضاً بالاتفاق النووي الإيراني".
يذكر أن الكاتب ريتشارد نيفيو هو باحث أول في كلية الشؤون الدولية والعامة وأستاذ مساعد للشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، وشغل سابقاً منصب نائب منسق سياسة العقوبات في وزارة الخارجية الأميركية (2013-2015)، ومديراً لملف إيران في مجلس الأمن القومي (2011-2013)، كذلك شغل مناصب مختلفة في سياسة منع الانتشار النووي في وزارتي الخارجية والطاقة (2003-2011).
نقطة واحدة محددة
ركز نيفيو الذي يمثل شريحة من العلماء الأميركيين في معرض رده على الصحيفة، على نقطة واحدة محددة، وهي أن القلق الداخلي للجمهوريين من امتلاك إيران أسلحة الدمار الشامل ما هو إلا حدث تاريخي يتكرر باستمرار، إذ بدأ منذ عام 2007 أو حتى قبل ذلك بكثير، مما يعني أن هذا القلق ما زال يخيم على إدارة ترمب اليوم، لذلك يرى الكاتب أن القلق كان وراء قرارات ترمب في الحرب على إيران ليس أكثر. ويقول نيفيو ومن معه من علماء بصراحة ووضوح: "إن ما فعله ترمب في حربه على إيران إنما هو تكرار لخطأ الرئيس بوش الابن عندما اجتاح العراق بسبب القلق نفسه من وجود أسلحة الدمار الشامل لدى نظام صدام حسين"، ويلفت نيفيو هنا إلى عامل مشترك بين الإدارتين، وهو أجهزة الاستخبارات الأميركية التي تبالغ دوماً في قلقها من هذا الأمر.
قصر نظر
تعد مقالة هيئة تحرير صحيفة "وول ستريت جورنال" وفقاً لنيفيو "قصر نظر" من هيئة تحرير الصحيفة التي لا يمتلك كثير من محرريها الخبرة الكافية في مجال الأسلحة النووية، فبحسب رواية المقالة الصحافية "بدأت إيران برنامجها النووي منذ زمن بعيد، والنتيجة الوحيدة التي سترضى بها هي امتلاكها الكامل للأسلحة"، وبناء عليه تبدأ صحيفة "وول ستريت جورنال" سرد التاريخ عام 2002، عندما كشفت أجزاء غير معلنة من البرنامج النووي الإيراني، فيما يرى علماء الذرة أن "نقطة انطلاق أفضل ستكون الحرب الإيرانية - العراقية (1980-1988) وما تلاها مباشرة، حين استأنفت إيران برنامجها النووي في ظل المخاوف من برنامج صدام حسين النووي وآلته الحربية"، إذ توقف البرنامج الإيراني في الفترة بين 2003-2004 بعد سقوط نظام صدام على يد الولايات المتحدة وحلفائها، وكان ذلك نتيجة هزيمة النظام العراقي وخوف حقيقي من رد فعل الأميركيين في حال اكتشافهم خطة إيران السرية لامتلاك أسلحة نووية.
معلومات خاصة
وفي هذا السياق، كشف نيفيو معلومات مؤكدة خاصة لا تعلمها "جورنال ستريت"، ويقول: "كنت المسؤول عن ملف إيران النووي في وزارة الخارجية آنذاك، وأؤكد للقراء أن الجهة الوحيدة التي كانت أكثر قلقاً في شأن الأسلحة النووية الإيرانية من صناع القرار الأميركيين هي مجتمع الاستخبارات الأميركي، لا سيما بسبب المشكلات التي شابت فضيحة أسلحة الدمار الشامل في العراق. أراد هؤلاء الأشخاص الوصول إلى الحقيقة، وكانوا قلقين للغاية من التضليل الإيراني والتحليلات المعيبة وما شابه. أعلم ذلك، فقد سألناهم واستفسرنا منهم وألححنا عليهم في شأن استنتاجهم، مؤكدين أنه لا بد من أن يكون خاطئاً".
نهاية إيران العاقلة
تحت عنوان فرعي هو "خيارات عقلانية"، يكمل نيفيو فكرته في السياق ذاته، الذي يؤكد من خلالها أن إيران كانت أكثر تعقلاً من الإدارات الجمهورية المتعاقبة في الولايات المتحدة الأميركية في كثير من قراراتها النووية، وذلك منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، فهو يرى أنه "لم يكن من قبيل المصادفة أن يعاد تأكيد ودعم تقرير التقييم الاقتصادي الوطني لعام 2007 باستمرار، ليس فقط من قبل مجتمع الاستخبارات الأميركية في ظل الإدارات المتعاقبة، بل أيضاً من قبل حلفاء الولايات المتحدة، ومن بينهم إسرائيل"، ويضيف "بالنسبة إلى مؤلفي التقرير كان ذلك بمثابة بشرى سارة: فقد أثبت أن عملية صنع القرار في إيران كانت مدفوعة بخيارات عقلانية، إذ اختارت إيران السعي إلى امتلاك الأسلحة، ثم اختارت التوقف، ولذلك يمكنها أن تختار القيام بذلك مرة أخرى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مفاوضات الاتفاق النووي
ومن باب تأكيد فكرته، يعود نيفيو إلى وقائع الاتفاق النووي، مشيراً إلى أنه "وبالعودة إلى مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، نجد أن الخيارات العقلانية كانت حاضرة بقوة في طهران أيضاً"، فبحلول عام 2013 كانت الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً هائلة على الاقتصاد الإيراني، إذ وجدت السلطة التنفيذية - بالتعاون مع الكونغرس - طريقة لفرض عقوبات نفطية من شأنها قطع إيرادات طهران من دون التأثير سلباً على الأسواق العالمية.
انتخاب روحاني
بالنسبة إلى علماء الذرة الأميركيين ليس من شيء يوضح ميول الشعب الإيراني إلى الخيارات غير النووية في هذا الصراع الطويل أكثر من انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني، فالشعب الإيراني كان يسعى إلى إيجاد حل دبلوماسي، أيضاً النظام الإيراني سمح لروحاني بتولي منصبه. في الوقت ذاته "لم يكن المرشد الأعلى علي خامنئي وكثر في النظام الإيراني راضين عن فكرة الاتفاق النووي الإيراني أو ما يسمى الخطة الشاملة المشتركة أكثر من كثيرين في النظام السياسي الأميركي، لكنهم اعتقدوا أن فوائد تخفيف العقوبات ستحمي النظام بصورة أفضل من الحفاظ على برنامج نووي كامل".
قرار مستقبلي
لا ينكر علماء الذرة الأميركيون أن إيران مارست أنشطة نووية سرية تمكنها من اتخاذ قرار مستقبلي بامتلاك أسلحة نووية، وذلك كما أظهر الأرشيف الذي حصلت عليه إسرائيل وتقارير الاستخبارات الأميركية اللاحقة، لكن وجود هذا الأرشيف بحد ذاته يؤكد لهم أن إيران كانت تفكر في خياراتها المستقبلية، لا أنها كانت تسابق الزمن لبناء أسلحة نووية، وقد أكدت إدارة ترمب نفسها هذا التقييم بتقريرها الصادر عام 2019 بتكليف من الكونغرس حول الالتزام باتفاقات وتعهدات الحد من التسلح ومنع الانتشار النووي ونزع السلاح.
ماذا حدث بعد ذلك؟
بعد ذلك، جاءت الضربات على إيران وحدثت تداعياتها الكبيرة، وحتى أوائل عام 2025 بدا أن الإيرانيين قد استقروا على البقاء في وضع نووي شبه مجمد، ولكن مع نفوذ أكبر وخيارات أوسع سياسياً، بمعنى أن الإيرانيين كانوا منفتحين فعلاً على الحوار.
ما الذي حققه دونالد ترمب؟
ويخلص نيفيو ومن دار في دائرته من علماء، إلى تبسيط فكرتهم بالقول "ربما تكون الولايات المتحدة قد جردت إيران من بعض قدراتها النووية، وإن لم تجردها من مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب وقدرتها الناشئة على صنع القنابل، ولا شك أن ضربات سابقة لإيران والحرب الحالية، قد أظهرتا للإيرانيين أنهم لا يملكون أي دفاع فعلي في مواجهة القوة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، لكن في الوقت نفسه فقدت واشنطن باستخدام القوة قيمتها الرادعة، لأنها تهاجم إيران الآن بقوة تزعزع استقرار النظام".
لكن الأهم من كل ذلك هو بحسب ما يرى هؤلاء العلماء، أن إدارة ترمب "قد قضت بشدة على إمكان التفاوض الذي قد يقنع إيران بقبول التراجع الطوعي"، وبذلك قلص الجيشان الأميركي والإسرائيلي من خلال هذه الحرب الخيارات الاستراتيجية لإيران، إذ "قتلا بعض من كانوا يسعون إلى حلول بديلة لمأزقها الاستراتيجي"، وهي حلول كانت كفيلة بأن تبعد إيران عن إنتاج الأسلحة النووية طوعاً.