ملخص
تركز الخطة النووية الأميركية الحديثة على منافسة القوى الثلاث النووية العظمى، إلا أن ترمب أراد في عهده تفعيل قائمة الخيارات العسكرية المتاحة لإيران تحديداً.
أكدت تقارير إخبارية حديثة مرتبطة بالترسانة النووية الأميركية، نشرت أخيراً في مجلات علمية شهيرة، أن الرئيس دونالد ترمب أعاد تفعيل خطة استخدام السلاح النووي ضد إيران بعد عام 2019، إذ كان الجيش الأميركي قبل ذلك التاريخ وتحديداً منذ عام 2012 يعمل ضمن خطة الحرب النووية الاستراتيجية المعروفة باسم خطة العمليات (8010-12).
واستراتيجية خطة العمليات كانت عبارة عن مجموعة خطط موجهة ضد أربعة خصوم محددين، وهم: روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران. وعلى رغم أن إعلان أبريل (نيسان) 2019 الشهير ثبت تركيز الخطة النووية الأميركية نحو منافسة القوى الثلاث النووية العظمى، وهي الصين وروسيا وكوريا الشمالية، أراد ترمب في عهده تفعيل قائمة الخيارات العسكرية المتاحة ضد إيران تحديداً، التي تضمنت تركيزاً على إمكان استخدام الأسلحة النووية ضد هذا البلد.
نقلات كبيرة
قبل الخوض في تفاصيل وملابسات هذه القصة يمكن لنا تبسيط كيفية وصولنا إلى لحظة حرجة، وهي لحظة العمل بالخطة النووية الأميركية الحالية، وذلك بأسطر قليلة، إذ إن الخطة عانت عبر التاريخ من ثلاث نقلات مهمة للغاية، وذلك منذ الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي وحتى يومنا هذا.
أما النقلات الثلاث هذه فهي، أولاً الانتقال من خطة نووية شاملة "هائلة الدمار" تعد فيها جميع الدول خصماً نووياً محتملاً، وجرى العمل بها منذ الحرب الباردة وحتى عام 2012. أما النقلة الثانية فتمثلت في الانتقال إلى خطة مصغرة تستهدف ثلاث قوى نووية كبرى، وهي الصين وروسيا وكوريا الشمالية، واستمر العمل بها إلى عام 2019. وثالثاً وبعد هذا التاريخ زج ترمب بإيران، وهي دولة غير نووية عظمى، في أتون هذا الصراع نظراً إلى تحالفها مع هذا المعسكر النووي المرعب.
تصميم خطط جديدة
أما بعد ذلك، فأصبحت سياسة الولايات المتحدة النووية قائمة على تصميم خطط مخصصة لكل دولة بحسب أهميتها النووية لا أكثر. وقد عبر تقرير نووي أميركي لعام 2026 عن ذلك بقوله "يكون ذلك من خلال تطوير خيارات استجابة قابلة للتنفيذ بسهولة ومخططة بصورة تكيفية لخفض التصعيد، أو الدفاع ضد أعمال الخصم العدائية، أو دحرها، وذلك وفقاً لتقارير القيادة الاستراتيجية الأميركية خلال عام 2012".
ولذلك تؤكد مراجعة الوضع النووي لعام 2022 واستراتيجية مكافحة أسلحة الدمار الشامل لعام 2023 الصادرة عن وزارة الدفاع الأميركية على أهمية المرونة والتكامل، والخطط المصممة خصيصاً لكل بلد على حدة.
ما هو تغيير أبريل؟
يقول تقرير الأسلحة النووية الأميركية للعام الحالي، الذي نشر نسخة منه على مواقع علمية أميركية يوم الـ12 من مارس (آذار) الجاري بقلم كل من هانز إم. كريستنسن ومات كوردا وإليانا جونز وماكنزي نايت- بويل، "إن الخطة النووية الأميركية (8010-12) صممت لتكون مرنة بما يكفي لاستيعاب التغييرات الطبيعية في الوضع العسكري عند ظهورها، بما في ذلك تلك الناجمة عن مراجعة الوضع النووي"، إذ تخضع الخطة النووية الاميركية إلى تحديثات دائمة، وهناك بين هذه التحديثات ما يسمى بالتحديثات الجوهرية، التي كان تحديث أبريل 2019 أحدها.
ولذلك سمي هذا التحديث المهم بتغيير أبريل، لأنه يعد رسمياً تغييراً جوهرياً طرأ على السياسة النووية الأميركية. وهانز أم. كريستنسن هو رئيس فريق العمل الذي صاغ هذا التقرير المطول وزوده بكثير من الأرقام والإحصاءات الدقيقة للغاية، وهو مدير مشروع المعلومات النووية التابع لاتحاد العلماء الأميركيين في واشنطن، ويركز عمله على البحث والكتابة حول وضع الأسلحة النووية والسياسات التي توجهها.
وشارك كريستنسن وفق ما نشر عنه في مواقع علمية في تأليف نظرة عامة على القوات النووية العالمية في الكتاب السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (منشورات جامعة أكسفورد)، كما أنه مستشار دائم لوسائل الإعلام الإخبارية في شأن سياسات وعمليات الأسلحة النووية.
السيطرة على التصعيد
وفقاً لهذا التقرير السنوي، يعد برنامج العمليات (8010-12) خطة حكومية شاملة تتضمن كامل نطاق القوة الوطنية للتأثير في الخصوم المحتملين. و"يمثل التكامل بين القدرات الاستراتيجية النووية والتقليدية، الحركية وغير الحركية، في خطة واحدة شاملة، تغييراً جوهرياً عن خطة الحرب الاستراتيجية للحرب الباردة التي كانت نووية بالكامل تقريباً، وواسعة النطاق للغاية، ومدمرة بصورة هائلة". ولذلك يؤكد برنامج العمليات 8010-12 أيضاً على السيطرة على التصعيد بهدف إنهاء الأعمال العدائية، وحل النزاع عند أدنى مستوى ممكن عملياً.
مشكلة هذا التغيير
يبدو من الأسطر السابقة أن التغيير مثالي للغاية، وأنه سيقلل الخطر النووي في العالم، لكن أخطر مشكلة في "تغيير أبريل" وفقاً لهانز أيضاً، هي أنه "طمس الخط الفاصل بين الهجمات النووية والتقليدية"، وذلك من خلال ما وصفه هانز بأنه "إدماج الأسلحة غير النووية بصورة كاملة كعنصر فاعل على قدم المساواة مع الأسلحة النووية".
وفي هذا السياق يشير مدير مشروع المعلومات النووية التابع لاتحاد العلماء الأميركيين في واشنطن إلى أن خطة العمليات 8010-12، هي خطة تعرف أيضاً باسم خطة "الردع الاستراتيجي واستخدام القوة"، إذ دخلت الخطة حيز التنفيذ للمرة الأولى خلال يوليو (تموز) عام 2012، استجابة لأمر عملياتي أطلق عليه الجيش الأميركي اسم أمر "غلوبال سيتادل".
ويقول هانز وكوردا وجونز وماكنزي في مستهل هذا التقرير الذي ينشر مثله سنوياً في المفكرة النووية لنشرة علماء الذرة الأميركيين الذي يوضح أيضاً جاهزية الولايات المتحدة لدخول حرب نووية "شرعت الولايات المتحدة في برنامج تحديث نووي واسع النطاق، سيشهد في نهاية المطاف استبدال جميع أنظمة إيصال الأسلحة النووية بنسخ أحدث خلال العقود المقبلة". ويضيف هؤلاء العلماء "وفي هذا العدد من المفكرة النووية، نقدر أن الولايات المتحدة تحتفظ بمخزون يبلغ نحو 3700 رأس حربي، وهو تقدير لم يتغير عن العام السابق".
مزيد من الأرقام
من بين هذه الرؤوس، نشر نحو 1770 رأساً حربياً فقط، بينما جرى الاحتفاظ بنحو 1930 رأساً في الاحتياط، إضافة إلى ذلك، هناك نحو 1342 رأساً حربياً متقاعدة في انتظار التفكيك، ليصل إجمالي المخزون إلى نحو 5042 رأساً حربياً نووياً. ومن بين الرؤوس الحربية المنشورة البالغ عددها نحو 1770 رأساً، يوجد 400 رأس على صواريخ باليستية عابرة للقارات أرضية الإطلاق، ونحو 970 رأساً على صواريخ باليستية تطلق من الغواصات، و300 رأس في قواعد قاذفات القنابل في الولايات المتحدة، ونحو 100 قنبلة تكتيكية في قواعد أوروبية.
وهنا تجدر الإشارة إلى من يتولى إعداد "المفكرة النووية" بحثاً وكتابة هو فريق مشروع المعلومات النووية، التابع لاتحاد العلماء الأميركيين.
ويضيف التقرير "بحسب تقديراتنا، اعتباراً من فبراير (شباط) الماضي، تحتفظ وزارة الدفاع الأميركية بمخزون يقدر بنحو 3700 رأس حربي نووي، معدة للإطلاق بواسطة الصواريخ الباليستية والطائرات. معظم هذه الرؤوس الحربية غير مستخدمة حالياً، بل مخزنة لاستخدامها عند الحاجة في تحميلها على الصواريخ والطائرات".
ويقول "نقدر أن نحو 1770 رأساً حربياً مستخدمة حالياً، منها 1370 رأساً حربياً استراتيجياً محملة على صواريخ باليستية، و300 رأس حربي آخر في قواعد القاذفات الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة. كما يوجد 100 قنبلة تكتيكية مستخدمة في قواعد جوية في أوروبا، فيما تخزن الرؤوس الحربية المتبقية - نحو 1930 رأساً - كاحتياط، تحسباً لأية مفاجآت تقنية أو جيوسياسية، ومن المقرر إخراج مئات من هذه الرؤوس الحربية من الخدمة قبل عام 2030".
بين ترمب وبايدن
يمكن وصف الفترة ما بين زعامة بايدن وترمب من 2020 - 2024 بكونها فترة شد وجذب بين الزعامتين، وأنها تركزت حول تقدير كل من الرجلين لخطورة كل من بكين وموسكو نووياً على أميركا والعالم، إذ تراوح الخطر الروسي والصيني النووي تحديداً ليصل إلى ذروته إبان زعامة بايدن. وفي هذا السياق وصف تقرير "هانز" ذلك بقوله "خلال مارس عام 2024، أصدرت إدارة بايدن توجيهات جديدة في شأن استخدام الأسلحة النووية، لتحل محل توجيهات الإدارة السابقة". وزعمت تقارير صحافية وقتها أن التوجيهات الجديدة لبايدن حولت التركيز إلى الصين، على رغم ذلك، تظهر نسخة غير سرية من التوجيهات الصادرة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) أن روسيا لا تزال تشكل تهديداً حاداً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل أكدت استراتيجية استخدام الأسلحة النووية، التي نشرتها إدارة ترمب عام 2020 على هذا الهدف أيضاً، موضحة أنه "إذا فشل الردع، ستسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى إنهاء أي نزاع بأقل قدر ممكن من الضرر وبأفضل الشروط الممكنة للولايات المتحدة وحلفائها وشركائها".
وكان من بين الوسائل المقترحة لتحقيق ذلك "الرد بطريقة تهدف إلى استعادة الردع"، ولهذا الغرض تهدف عناصر من القوات النووية الأميركية إلى توفير خيارات رد محدودة ومرنة ومتدرجة، وتظهر هذه الخيارات العزم وضبط النفس اللازمين لتغيير حسابات الخصم في ما يتعلق بمزيد من التصعيد.
تدريبات متعلقة بالأسلحة النووية
لممارسة خطط الضربات الناتجة من التوجيهات وتحسينها، تجري القوات المسلحة الأميركية بانتظام عدد من التدريبات المتعلقة بالأسلحة النووية. ففي أبريل من كل عام، تجري قيادة الضربات العالمية التابعة للقوات الجوية تمرين (براري فيجيلانس) في قاعدة مينوت الجوية في داكوتا الشمالية، وذلك للتدرب على الجاهزية الاستراتيجية لطائرات بي-52 وعمليات توليد الطاقة النووية، وذلك وفقاً لتصريحات من القيادة الاستراتيجية الأميركية خلال عام 2025.
في الوقت ذاته، تمهد مناورة "فيجيلانس" الطريق إلى مناورة "غلوبال ثاندر" السنوية واسعة النطاق التي تجريها القيادة الاستراتيجية الأميركية لمدة أسبوع، التي "تتيح فرصاً تدريبية تغطي جميع مجالات مهمات القيادة الاستراتيجية الأميركية، مع التركيز بصورة خاصة على الجاهزية النووية". وفي هذا السياق يذكر أن أحدث نسخة من مناورة "غلوبال ثاندر" بدأت في الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025.
غزو أوكرانيا
تأثرت الخطة النووية الأميركية بالغزو الروسي لأوكرانيا عامي 2014 و2022، ويقول التقرير إنه من الأمثلة على ذلك التأثير "توسيع نطاق عمليات القاذفات وتحديث خطط الضربات". فبعد فترة وجيزة من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، عززت القيادة الاستراتيجية الأميركية (يو إس ستراتكوم) دور القاذفات النووية لدعم القيادة الأوروبية الأميركية (بريدلوف 2015)، التي بدورها، خلال عام 2016، فعلت خطة حرب دائمة جديدة للمرة الأولى منذ الحرب الباردة.