ملخص
أثبتت الحرب الإيرانية الأميركية أن الشعوب تدفع أثماناً غالية لأفكار وافدة لا مبرر لها ولا علاقة لتأثيرها بالدول المتضررة منها التي تعاني الدمار والخراب وتبديد الطاقات وإهدار الأموال، ولا يجب أن يغيب عن الذهن أن المواجهة العسكرية الأخيرة هي دليل على حجم الظلم الواقع على دول الخليج جراء ذلك العدوان الغاشم وغير المبرر والذي لا تفسير له.
ما أكثر ما كتب الخبراء العرب والأجانب حول قضية الأمن القومي للأمة العربية التي تتجانس لغوياً ودينياً إلى حد كبير، ومع ذلك ظل السؤال مطروحاً هل في مقدور عرب اليوم أن يجتمعوا على كلمة سواء يواجهون بها التحديات الراهنة وغير المسبوقة في إقليم الشرق الأوسط؟ أم أننا سنكتفي بترديد الشعارات العامة من دون أن نصل إلى أعماق المشكلات؟
العرب لا تنقصهم الموارد الطبيعية ولا الخبرات الفنية، وقد أثبتت الأيام الأخيرة في الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران أن الأخيرة استهدفت أقطاراً عربية شقيقة في الخليج، وعلى رغم عنصر المفاجأة فإن رد الفعل من دول الخليج لم يكن متوقعاً أيضاً، فقد استطاعت تلك الدول أن تدافع إلى حد كبير عن أمنها الوطني ودورها الإقليمي، خصوصاً أن المفاجأة لم تكن خالصة بل كانت مشوبة بدرجة من درجات الإحساس بالغدر، إذ إنه لا يوجد من يتوقع أن تأتي الضربات من الجار المباشر الذي طالما ساندته دول الخليج العربي في مواجهاته السابقة مع الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.
لذلك، فإن النظرة هذه المرة لهذه الحرب الأخيرة إنما تحتاج إلى توصيف وتحليل موضوعيين لفهم ما جرى وقراءة ما وراء السطور، فالولايات المتحدة الأميركية كانت حليفاً طبيعياً لدول الخليج، كما أن إيران كانت على علاقات وثيقة ببعض الدول التي انهالت عليها صواريخ إيران الأخيرة، ولعل نموذج سلطنة عمان المحايدة دائماً والمعتدلة في مواقفها والوسطية في سياساتها هو خير دليل على ما نقول، وإذا كان لنا أن نجمل بالنظرة المبدئية نتائج ما جرى فإننا نجازف بطرح الأفكار التالية...
أولاً، إن حرب الخليج الأخيرة - إذا جازت التسمية – هي حدث ضخم كاشف لسياسات المنطقة خصوصاً من جانب القوى الكبرى وليست أبداً منشئة، فالكل يدرك حقيقة إيران وإسرائيل وطبيعة الولايات المتحدة وتخبطها في العلاقات الدولية منذ بيرل هاربر وهيروشيما وناجازاكي، وتورطها التاريخي في كل من كوريا وفيتنام وأفغانستان والعراق وغيرها من المواقع الساخنة في العالم المعاصر، لذلك فإننا نلفت النظر إلى أن التوقعات السياسية لتلك الحرب التي تجري أخيراً لم تكن جديدة ولا مفاجئة، فإيران دولة طموحة تستخدم الإسلام حين تشاء وتستغرق في التشيع حين تريد وتحقق لذاتها كل أسباب التفوق من وجهة نظرها، ولكن بطريقة لا يبدو منها أبداً أنها قادرة على تغيير المواقف بل هي للأسف قادرة على اكتساب الخصوم مثلما فعلت في الحرب الأخيرة.
ثانياً، يجب أن يتذكر الإيرانيون أن عرب الخليج لم يكونوا في يوم من الأيام أعداء لإيران خصوصاً في خلافاتها الأخيرة مع الولايات المتحدة الأميركية، بل إنهم لم يعترضوا على سلوكها المتأرجح في لبنان ودعمها للقضية الفلسطينية ومؤازرة "حزب الله" في كل الظروف، ولعلنا نتذكر الآن أن الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي أجرى مصالحة تاريخية بين بلاده وطهران منذ عامين أو أكثر بوساطة صينية، وتعددت بعد ذلك الزيارات الرسمية بين كبار المسؤولين في الدولتين (إيران والسعودية)، ولكن مما لا جدال فيه ولا خلاف حوله أن إيران لديها تصورات مستقلة لا تخلو من الغموض ولا تبرأ من آثار "التقية"، أي إخفاء المآرب عند اللزوم وتناوب الأقنعة في المواقف المختلفة.
ولذلك فإنني أسجل هنا أن إيران قد وقعت في خطأ كبير وكأنما تقول بلا وعي ليذهب الكل للجحيم، فعدوانها على الدول العربية الخليجية المسالمة بطبعها والتي تسعى للتوازن في علاقاتها مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية في جانب وجيرانها خصوصاً إيران في جانب آخر، لا نجد له تفسيراً صحيحاً إلا ما قلته من أن طهران كانت تسعى مثل الدبة التي قتلت صاحبها وهي تهش عنه الذباب! فدول الخليج العربي في نظري لا تستحق ما جرى لها على رغم أن لي شخصياً ملاحظات على أداء بعضها ومواقفها إقليمياً ودولياً.
ثالثاً، لقد استدعت هذه الحرب الأخيرة فتح جبهة "حزب الله" من جديد والذي أصبح ينزف من دماء اللبنانيين والفلسطينيين وعرب الإقليم ما كنا نتصور أننا تجاوزناه، ولعل موقف الدولة اللبنانية على سبيل المثال هو خير دليل لما نقول، فـ"حزب الله" يبيع الوطن من أجل أهداف الحزب ولا ينسى أبداً غاياته التاريخية على حساب المصالح العليا للمنطقة العربية، كما أن ولاءه لطهران يعلو على ولائه للرياض أو القاهرة أو غيرهما من العواصم العربية، فـ"حزب الله" يقايض بلبنان لمصلحة أهداف إيرانية لا تخفى على أحد، ولا مانع من استخدام القضية الفلسطينية كقميص عثمان في ما جرى وما يجري.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
رابعاً، لقد أثبتت تلك الحرب الإيرانية الأميركية أن الشعوب تدفع أثماناً غالية لأفكار وافدة لا مبرر لها ولا علاقة لتأثيرها بالدول المتضررة منها، التي تعاني الدمار والخراب وتبديد الطاقات وإهدار الأموال، ولا يجب أن يغيب عن الذهن أن المواجهة العسكرية الأخيرة بين إيران وإسرائيل مدعومة بالولايات المتحدة الأميركية هي دليل على حجم الظلم الواقع على دول الخليج جراء ذلك العدوان الغاشم وغير المبرر والذي لا تفسير له، خصوصاً أننا كعرب جميعاً قد وقفنا مواقف معتدلة إلى حد كبير تجاه الصراع بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وتركز انتقادنا فقط على دعم إيران لسياسات لا تبدو متسقة مع المصالح العليا للمنطقة العربية.
خامساً، إن تراكم الأحداث في ساحات الشرق الأوسط خصوصاً بعد بداية الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في جانب وإيران في جانب آخر، تشير كلها إلى درجة التعقيد في المواقف وتضارب التحالفات، فقد كشفت إيران عن وجهها الذي لا يخلو من حماقة وتهور في مواجهة القوى التي تستهدف سلام المنطقة واستقرار شعوبها، لقد أصبح واضحاً للجميع أن هذه المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر، فإيران تسعى إلى تحويل المعركة إلى حرب استنزاف طويلة المدى، بينما كان الرئيس الأميركي ترمب يرتب الموقف على أساس أن ضربات سريعة وقصيرة لإيران كفيلة بإسقاط النظام في طهران وتغيير الموقف برمته بحيث يحقق الرئيس الأميركي نصراً سريعاً يسمح له بممارسة هوايته في دعم إسرائيل وسياساتها العدوانية.
لكن ترمب لم يدرك أن إيران دولة كبيرة الحجم مترامية الأطراف لا تتورع عن القيام بأي تصرف أحمق، ولو جاء على حساب جيرانها الذين وقفوا إلى جانبها بحكمة وهدوء عبر العصور بل وتجاوزوا عن كثير من خطاياها، ولكنها بدلاً من أن تطلب منهم الدعم السياسي اتجهت إلى العدوان العسكري على دول لم تبدأ حرباً معها أو مع غيرها.
ولا شك أنه كان قراراً أهوج غير مبرر ذلك الذي دعا طهران إلى الدخول في مغامرة العدوان على دول عربية خليجية كانت دائماً مع السلام والاستقرار في منطقة الخليج، ولم تتوقف إيران عند هذا الحد بل فتحت جبهتين كبيرتين في الوقت ذاته، إحداهما دولية هي محاولة إغلاق مضيق هرمز، والثانية إقليمية وهي تحريك ما تبقى من "حزب الله" اللبناني الذي تستهدفه إسرائيل قبل غيره في محاولة لإشعال المنطقة، في ظل تضارب المواقف الدولية وسعي بعض الأطراف إلى تحويل الصراع في الشرق الأوسط للدخول في مرحلة تدويل كبرى، يشد أطرافاً جديدة نحو مواجهات قد يعرف بعضٌ بدايتها ولكنه لا يدرك نهايتها.
الخلاصة أننا نرى أنه لا يدافع عن الشعوب إلا أبناؤها ولا يقاتل من أجل سلامة الأوطان إلا أصحابها، لذلك فإن القوة الذاتية للدول العربية والخليجية تحديداً تحتاج إلى قدر كبير من المراجعة والبحث في ضرورة وجود قوة عربية قادرة على التصدي لأي عدوان، ومواجهة التقلبات والصراعات الدائرة في المنطقة.
هذه قراءة تمضي مثل التحليق في أجواء مفعمة بغيوم التوتر وسحب القلق وغياب الرؤية.