ملخص
منح ديميس هسابيس للكاتب سيباستيان مالابي "قدراً كبيراً من وقته، فجالسه لقرابة 30 ساعة من المحاورات، لكن مالابي أيضاً اعتمد على بعض ممن ينتقدون هسابيس، من أمثال شريكه السابق مصطفى سليمان الذي انفصل عنه، وبعض منافسيه من أمثال إيليا سوتسكيفر العالم البارز في ’أوبن أي آي‘، كما اعتمد على أكاديميين يخشون من الذكاء الاصطناعي كله على البشرية من أمثال الحائز جائزة نوبل جيفري هينتون".
أتصور أن غالب القراء قد يوافقون على أن سيرة حاصل على جائزة نوبل في الكيمياء جديرة بأن تحكى وتقرأ وتدرس وتستلهم، فماذا لو أنها سيرة لحاصل على نوبل في الكيمياء، ورائد من رواد التكنولوجيا متخصص في الذكاء الاصطناعي، وبطل سابق منذ الطفولة في الشطرنج، ومواطن بريطاني الجنسية مولود لأبوين مهاجرين؟
هذه العناصر الكثيرة كفيلة ولا شك أن تجعلها سيرة أكبر من أن تكون لشخص واحد، فهي أقرب إلى سيرة لكثير من اهتمامات عصرنا هذا، ولكثير مما يشغله، تتقاطع هذه العناصر جميعاً في حياة ديميس هسابيس التي كتبها الصحافي والكاتب سيباستيان مالابي في كتاب صدر حديثاً بعنوان "الآلة اللانهائية: سعي شركة ديب مايند إلى الذكاء الفائق".
يشير ناشر الكتاب إلى أن هسابيس مختلف حتى بمعايير عالم صناعة التكنولوجيا "فقد رفض عرضاً مالياً مؤلفاً من سبعة أرقام قبل أن يتم 18 عاماً لكي يمضي ويشبع فضوله العلمي في كمبريدج"، مشيراً إلى دراسته علم الأعصاب، وإلى هدفه الأسمى "وهو كشف عن أسرار علمي الأحياء والفيزياء النظرية وتخيله لآلات تعزز فهم الإنسان للكون أو تنوب عنه في ذلك".
منح هسابيس للكاتب سيباستيان مالابي "قدراً كبيراً من وقته، فجالسه لقرابة 30 ساعة من المحاورات، لكن مالابي أيضاً اعتمد على بعض ممن ينتقدون هسابيس، من أمثال شريكه السابق مصطفى سليمان الذي انفصل عنه، وبعض منافسيه من أمثال إيليا سوتسكيفر العالم البارز في ’أوبن أي آي‘، كما اعتمد على أكاديميين يخشون من الذكاء الاصطناعي كله على البشرية من أمثال الحائز جائزة نوبل جيفري هينتون".
كتبت كيركوس ريفيو أن سيباستيان مالابي رسم صورة مذهلة لـ"المفكر" المؤثر ديميس هسابيس، الرئيس التنفيذي لشركة "ديب مايند"، والقائد لمختبر "غوغول" البحثي المتخصص في الذكاء الاصطناعي، المولود في شمال لندن لأبوين مهاجرين، وبطل الشطرنج في طفولته، ثم مصمم الألعاب في مراهقته، ثم الحاصل على الدكتوراه في علم الأعصاب، "يقبض مالابي على ما في حياة هاسابيس من فضول ودوافع دائمة، ناسجاً صورة حية للمتعاونين والمتنافسين والمصممين لأنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة".
"في وقت استعملت فيه أنظمة الذكاء الاصطناعي في الستينيات البرمجة الرمزية ذات القواعد المرنة بحسب ما يكتب مالابي ’سيكون على علماء المستقبل أن يخترعوا نوعاً جديداً من الآلات لاكتشاف الأنماط في كم شبه لا نهائي من البيانات‘، ويظهر ديميس هسابيس في هذا السياق عبقرياً ذا قرون استشعار منضبطة على المستقبل، وسط مجموعة من الباحثين العباقرة الذين يتنافسون على الجائزة الكبرى: أي الذكاء الاصطناعي العام".
و"يستكشف سيباستيان مالابي دوافع وآليات الباحثين والمخططين والمتخوفين من أخطار الذكاء الاصطناعي"، ومن الفئة الأخيرة، أي فئة المتخوفين، أحد أساتذة لعبة ’الغو‘ التي سترد إشارات مهمة إليها في السطور التالية، وينقل عنه مالابي قوله عن الذكاء الاصطناعي: إنه يبدو في أول الأمر عديم الأذى، ثم يهيمن هيمنة تامة، ونحن لا نفهم الآليات والتكتيكات والاستراتيجيات، إنما نعرف فقط أنه المسيطر".
ومن المتخوفين أيضاً أو الناظرين في الأقل نظرة نقدية إلى الذكاء الاصطناعي وكتاب (الآلة اللانهائية) معاً، الكاتب تيم بارك الذي يستعرض الكتاب في صحيفة "ذي غارديان" في الـ16 من مارس (آذار) 2026 فيستهل مقالته عنه بقوله إنه حدث في مارس من عام 2016، وفي فندق "فور سيزونس" بالعاصمة الكورية الجنوبية سول ما تابعه العالم كله، وهو ذروة معركة ظلت تدور رحاها لـ2500 عام، كان أحد طرفيها هو الكوري الجنوبي لي سل دول، لاعب "الغو" الذي يحتل المركز الثاني في التصنيف العالمي، أما الطرف الآخر فكان آلفاغو، وهو برنامج كمبيوتر من إنشاء شركة "ديب مايند" لبحوث الذكاء الاصطناعي ومقرها العاصمة البريطانية لندن.
ينقل تيم بارك عن مصمم الألعاب ألكس راندولف قوله ذات مرة إن "الشطرنج هو أعظم لعبة اخترعتها الإنسانية، أما ’الغو‘ فهي أعظم لعبة اكتشفتها الإنسانية"، ففي هذه المنازلة الصينية العتيقة التي يضع فيها اللاعبون الحجارة على الرقعة، محاولين الاستيلاء على الأرض، إحساس ما جذري، بل لعله محتوم، وكانت لعبة الشطرنج سقطت أمام الروبوتات قبل قرابة 20 سنة من ذلك التاريخ عندما ألحق ديب بلو DeepBlue الهزيمة بكسباروف، أما لعبة ’الغو‘ بما فيها من حيز شاسع للقرارات (إذ إن ثمة من وضعيات الرقعة المشروعة ما يفوق بكثير عدد الذرات في الكون المنظور) فقد ظلت صامدة".
للروائي الياباني الشهير ياسوناري كاوباتا هو الآخر رواية صغيرة عن مباراة في لعبة "الغو"، وفي هذه الرواية كما كتب مترجمها إلى العربية صبحي حديدي، جعل كاوباتا المنافسة في المباراة بين اثنين، أحدهما يمثل أرستقراطية اليابان العريقة وتراثها وتقاليدها في ما قبل عام 1945، بينما يمثل اللاعب الثاني الرأسمالية والليبرالية ومجمل الأخلاق والاتجاهات الاجتماعية التي ظهرت في اليابان بعد هزيمتها المتكررة في الحرب العالمية الثانية، وكأنما قدر لعبة "الغو" هذه أن تكون علامة للتحولات الجذرية، فمرة في اليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية في مباراة استمرت ستة أشهر تخللها توقف لثلاثة أشهر بسبب مرض ممثل الثقافة القديمة الطاعن في السن، ومرة في كوريا الجنوبية حيث جلست الإنسانية في مواجهة آلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"على مدى خمس مباريات تابعها أكثر من 200 مليون إنسان على مستوى العالم، فاز برنامج ’ديب مايند‘ بأربع مباريات في مقابل مباراة واحدة خسرها، وبعد خسارته اعتذر لي سل دول قائلاً: ’أنا، لي سل دول، خسرت، أما الإنسانية فلم تخسر‘، كان الفائز الحقيقي هو ’ديب مايند‘ ورئيس الشركة التنفيذي ديميس هسابيس".
يكتب تيم بارك أن كتاب (الآلة النهائية) يمثل القصة المفصلة لرحلة هسابيس من عبقري في الشطرنج إلى أن أصبح القوة الدافعة لشركة عالمية رائدة في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، "وفي هذه الرحلة أقسام لافتة للنظر، تحكي لنا عن والدة هسابيس السنغافورية وأنها ’نشأت في فقر مدقع‘، إذ قضت جانباً من حياتها يتيمة في شوارع سنغافورة، أما والده القبرصي اليوناني فكان يحلم بالنجومية في عالم الموسيقى و’يبيع الدمى في شاحنة فولكس فاغن حمراء متهالكة‘".
"أبدى هسابيس قدراً استثنائياً من الذكاء منذ بواكير عمره، بدأ لعب الشطرنج والفوز فيه على الكبار منذ أن كان في الرابعة، وببلوغه الخامسة من العمر، بات ينافس في البطولات، جالساً على دليل للهاتف موضوع أعلى كرسيين متداخل بعضهما في بعض لكي يتسنى له أن يرى الطاولة، وببلوغه التاسعة من العمر، أصبح قائداً لفريق المنتخب الإنجليزي تحت 11 سنة، وببلوغه الـ11 حقق أستاذية الشطرنج وصار ثاني أقوى لاعب في فئته العمرية على المستوى العالمي".
"كانت بيئة شديدة القسوة، توضع فيها ألواح خشبية أسفل الطاولات ’من أجل منع اللاعبين من ركل أحدهم الآخر‘، وإن خسر هسابيس كان والده غالباً ما يثور عليه ويصيح فيه، وإن حدث ونصحه بـ’بذل أقصى طاقته‘، فقد كان الولد هسابيس ينفذ الأمر حرفياً، فكانت الطريقة الوحيدة التي يعرفها لتحقيق النجاح هي أن يبذل الجهد حتى يشارف على الانهيار ’أي إذا ما دفعت نفسي إلى حافة الموت‘".
بعد عمل ديميس هسابيس لفترة في شركة "بولفروغ غيمز"، ومشاركته خلالها بالعمل تحت إشراف مصمم الألعاب بيتر مولينيو على لعبة (مدينة الملاهي) (أو: ثيم باركTheme Park) التي حققت نجاحاً عالمياً ساحقاً، درس هسابيس في كمبريدج، ثم أنشأ استوديو الألعاب الخاص به، ثم رجع إلى الدراسة الأكاديمية ليكمل أطروحة دكتوراه في علم الأعصاب، "وفي عام 2010، برفقة صديقه مصطفى سليمان وشين ليغ، اللذين التقى بهما خلال دراسات ما بعد الدكتوراه، قام بتأسيس شركة ’ديب مايند‘".
"كانت مهمة شركة ’ديب مايند‘ تتغير بناءً على الجهة التي يعرضون عليها جهودهم، إلى أن ظفروا بلقاء مع بيتر ثيل المؤسس المشارك لشركة ’باي بال‘ وشركة ’بالانتير‘ للمراقبة الحكومية والعسكرية، فارتبط بهم استثمارياً، مضى ثيل بعد ذلك إلى أن أصبح من صناع القرار السياسي في حركة ’ماغا‘ والمشرف على صعود جي دي فانس إلى السلطة وهو الآن يجوب منصات البودكاست موضحاً أن شركات التكنولوجيا الكبرى هي السبيل الوحيد لمقاومة ظهور المسيح الدجال".
"تبدو رؤى بيتر ثيل بالغة الابتذال في عالم فقاعة التمويل التقني المحموم الغريب، وبخاصة بين أولئك الذين أغراهم بالجزرة التي كان هسابيس يعرضها: أي الذكاء الاصطناعي العام (AGI) ويعني القدرة على مضاهاة وتجاوز الأداء البشري في كل مجال معرفي أساس تقريباً، وقال أحد المستثمرين ’إن الأمر أشبه بالعثور حقاً على الخوارزمية الإلهية‘".
"يبدو عالم الصخب هذا حافلاً بالإثارة والرعب معاً، لكن المؤسف أن سيباستيان مالابي يبدو عازفاً أو عاجزاً عن الاشتباك نقدياً مع مزاعم الأشخاص الذين يحاورهم، فهو يكتب أن ’الذكاء الاصطناعي يبشر بتغيير يفوق في عمقه أي شيء منذ أن اكتسب الإنسان العاقل (هومو سابينز) القدرة على التفكير المجرد‘"، فيتدخل تيم بارك معترضاً، ومشتبكاً مع مالابي الاشتباك النقدي الواجب فيكتب "لا يا سيباستيان، ليس الأمر كذلك، أهو أعمق من الزراعة؟ أهو أعمق من اللغة؟".
"من المؤكد أن أمثال رئيس ’أوبن أي آي‘ التنفيذي سام ألتمان الذي يظهر كثيراً في هذا الكتاب بوصفه شخصاً هداماً لئيماً يسرق الأضواء من ’ديب مايند‘ بإطلاقه (تشات جي بي تي) قبل أن يكون أحد مستعداً له، يريدوننا أن نصدق أننا على مقربة من شيء عظيم العواقب إلى درجة تفوق الخيال‘ وإلا فكيف يتسنى لهم تدبير الاستثمارات اللازمة لإقامة مزيد من مراكز البيانات الخاسرة، المسببة للجفاف، المستهلكة للطاقة؟"، فهم لا يكفون عن وعدنا بأن "التفرد على بعد خطوة".
والتفرد singularity المشار إليه هنا "مفهوم اقترحه قبل 30 عاماً كاتب الخيال العلمي فيرنور فاينج ثم تبناه لاحقاً بعض علماء المستقبليات من أمثال راي كورزفيل، ويعني اللحظة التي تصبح فيها نماذج الذكاء الاصطناعي قوية بما يكفيها لتحديث أكوادها بنفسها، مطلقة حلقة تغذية عكسية للتحسين الذاتي المتكرر" بحسب ما يرد في مقالة مطولة بمجلة "ذي فورين أفيرز" في الـ13 من فبراير (شباط) 2026 شارك سيباستيان مالابي في كتابتها.
يمضي تيم بارك فيأخذ على أسلوب مالابي في كتابه مأخذاً ذا دلالة، إذ يكتب أن "مالابي يعمد إلى استعمال أسلوب معقد توجيهي طوال الوقت، فليس في الكتاب من يوصف ببساطة بأنه ’يقول‘ إنما كل من الكتاب ’يعترف‘ أو ’يضيف‘ أو ’يعلن‘ أو ’يخلص‘ أو ’يتأمل‘ أو ’يستاء‘ أو ’يتعهد جاداً‘، فلعل هذا السيل من التعبيرات الطنانة يعكس سعياً غير واعٍ إلى إضفاء بريق على مشاركات كثير ممن حاورهم، وهم في الغالب، ودونما استثناء لهسابيس (الذي يبدو لطيفاً تمام اللطف)، مملون بعض الشيء".
"يقول هاسابيس لمالابي الساذج إن ’ممارسة العالم أشبه بعض الشيء بقراءة عقل الرب، فهم لغز الكون العميق هو الدين الذي دين به، نوعاً ما‘، فتكشف هذه العبارات التحوطية من قبيل ’نوعاً ما‘ و’بعض الشيء‘ عن المغزى الكبير، وهو الربط الماكر بين الواقع الذي حدث وبين ما يقترب منه نظرياً ولكنه يبدو أكثر جاذبية، ولا تخفى الدلالة في أن هسابيس بدأ حياته في عالم الكمبيوتر تحت رعاية مولينيو الذي اشتهر بوعود ضخمة تتعلق بعمق وإبداع ألعابه المنتظرة من قبيل ’أبيض وأسود‘ (Black & White) والتي ستنال لاحقاً (لقب أكثر لعبة مبالغ في تقديرها في التاريخ)".
"لعل مالابي توقع تراجع لهفة الجمهور، في ضوء سمعة الرجال من أمثال ثيل وإيلون ماسك، على قراءة سير الرؤساء التنفيذيين في مجال التكنولوجيا، ولذلك فإنه يطمئن القراء إلى أنه ’في مقابل كل مؤيد لدونالد ترمب في صناعة التكنولوجيا، يوجد أيضاً بيل غيتس‘، فإذا بهذه الإشارة تكشف أكثر مما أراد لها مالابي، وذلك بعد إعلان المراسلات التي تمت بين بيل غيتس وجيفري إبستين".
"يبدو هسابيس أقل جدارة بالنبذ من أولئك الناس، لكنه يبقى بطلاً باهتاً لكتاب، فتركيز مالابي ينصب على عشاءات مطولة ونقاشات حادة حول الهيكل الإداري، وحتى لو أن هذا يعكس واقع إدارة شركة تكنولوجيا ناشئة، فإنه يغفل إنجازات هسابيس المثيرة للإعجاب حقاً، من قبيل حصوله على جائزة نوبل في الكيمياء مع جون جامبر لعملهما على تكييف ديب مايند حتى يتنبأ ببنية البروتينات، فهذا تحديداً هو البحث الذي يمكن أن يغير حياة البشر، وإن ابتعد بعداً هائلاً عن صخب حديث أهل التكنولوجيا عن صنع الإله أو إقامة إقطاعيات ليبرالية يديرها الذكاء الاصطناعي".
"من المؤسف أن مالابي يخطئ إذ يتصور أن ذكاء هسابيس في واحد من مجالات الكمبيوتر إنما هو ذكاء عام عابر للمجالات، فيتعامل مع أفكاره المنقوصة حول طبيعة الواقع وطموحاته إلى إنشاء مصادم هاردون الكبير وكأنها اكتشافات ملهمة، ويقول له هسابيس ’إنما أنا فيلسوف تطبيقي في واقع الأمر، لا أكتفي بمحض الجلوس والتفكير، إنما أجري تجارب، أليس هذا أمراً رائعاً؟" فيجيب تيم بارك "نوعاً ما، بعض الشيء".