Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 أصوات من المنفى الإيراني تكتب عن هول الحرب

قلب آذر نفيسي "مكسور" والخوف من الطريق المسدود رغم الأمل الممكن

جدارية للرسام الإيراني عادل يازدي (ا ف ب)

ملخص

شهادات أو نصوص حول الحرب الدائرة اليوم بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، نشرها ملحق الكتب في جريدة "لوموند الفرنسية" في عدده هذا الأسبوع. وقد طلب من روائيين ينتمون إلى البلدان التي تدور فيها المعارك، أن يكتبوا عن التجارب التي يعيشونها في ظل هذه اللحظة الرهيبة. نقدم هنا 3 شهادات من روائيتين وروائي إيرانيين: آذر نفيسي وليلى أعظم زنكة ونافيد سيناكي.

تشكل هذه النصوص الثلاثة، التي تلتقي فيها أصوات الروائية آذر نفيسي والروائية ليلى أعظم زنكة والروائي والمخرج نافيد سيناكي، فسيفساء أدبية وفكرية تعكس تعقيد التجربة الإيرانية المعاصرة، سواء داخل الوطن أو في المنفى. لا تقدم  هذه النصوص خطاباً سياسياً مباشراً بمقدار ما تنسج تأملات إنسانية عميقة حول الحرية والهوية والعنف والمنفى، طارحة الأسئلة الوجودية التي تفرضها لحظات الأزمات التاريخية.

في نص آذر نفيسي صاحبة "قراءة لوليتا في طهران"، ينبثق صوت جريء يرى في العنف الذي يمارَس ضد الشعب الإيراني علامة ضعف لا قوة، ويؤكد الأمل الكامن في حركة "امرأة، حياة، حرية"، التي تمثل تعبيراً عن كرامة إنسانية تتجاوز السياسة إلى البعد الوجودي. هنا يصبح الأدب شاهداً على الألم، وحاملاً تباشير أمل لا بد من أن يأتي.

أما الروائية ليلى أعظم زنكة صاحبة رواية "الساحر، نابوكوف والسعادة"، فتكتب من موقع الذاكرة المتخيلة والمنفى الموروث، كأن يتداخل الشخصي بالتاريخي، وتغدو إيران "ذكرى مختلقة" بمقدار ما تمثل حقيقة عاطفية. يتسم نص ليلى بنبرة تأملية تميل إلى التشاؤم، ويستحضر خيبات الأمل التي رافقت التحولات السياسية، ويشير إلى هشاشة "الوهم الشعري" أمام عنف الواقع، مع استدعاء للبعد الشعري عبر صوت الشاعرة فروغ فرخزاد.

أما الروائي نافيد سيناكي صاحب رواية "الدموع الحمراء على الواجهة" مقاربة سردية تقوم على السؤال بدل الجواب، فتتقاطع الهوية الجنسية مع الهوية الثقافية، ويتحول المنفى إلى فضاء إشكالي لا يقل تعقيداً عن الوطن. من خلال استدعاء أسطورة تيريزياس، يطرح الكاتب سؤال الانتماء المزدوج: هل الحياة أفضل في الوطن أم في الخارج؟ وهو سؤال يبقى مفتوحاً، تماما ًكالهويات التي يعبر عنها.

آذر نفيسي: "هذا العنف ثمرة الضعف"

لا أعرف سوى أنني أشعر بالغضب وأن قلبي مكسور. اليوم كما الأمس، أعلق أملي على الإيرانيين الذين ضحوا بحياتهم من أجل الحرية. هذا النضال، بالنسبة إليهم ليس سياسياً فحسب، بل هو وجودي.

حين غادروا منازلهم للتظاهر، كانوا يعلمون أنهم قد لا يعودون أبداً. ومع ذلك ذهبوا، وواجهوا النظام بأن غطوا صفير الرصاص بالأغاني والرقص.

إن هذا العنف ضد الشعب الإيراني ليس تعبيراً عن قوة، بل عن ضعف. أملي يرتكز على شعار"امرأة، حياة، حرية".

ليلى أعظم زنكنه: "رحلة إلى أقاصي الليل"

حرب في إيران؟ إنها رحلة إلى أقاصي الليل، كأمل منحرف. أمل الشعب الإيراني الذي لا يُحرم فقط من كل حرية، بل سُرق منه الأمل نفسه عبر حيلة انتهازية. فكل طرق التدخل الخارجي، كما نعلم، تؤدي إلى طريق مسدود، أي إلى الدم.

لا أدعي أنني أعرف إيران إلا من خلال الخيال. كنت فيها أولاً في رحم أمي، ثم مرة ثانية وأنا بعمر سبعة أشهر، أي قبل أن تتمكن الذاكرة من أن تجد طريقها إلى وعيي. لذا فإيران بالنسبة إليّ ذكرى زائفة، نسيج من الحكايات، تزداد صدقاً لأنها مُتخيَّلة إلى حد ما.

إيران هي مغادرة أمي على متن آخر طائرة، تلك التي كانت قد أقلت آية الله روح الله الخميني، من  مدينة نوفل-لو-شاتو الفرنسية إلى طهران، ولكن في الاتجاه المعاكس. كانت على قائمة الانتظار، ولم تغادر إلا مع بضع صور في حقيبة شبه فارغة.

قيل لها: لماذا تبكين هكذا؟ فأجابت: لأن أمي توفيت للتو، وابنتي في باريس، حيث وُلدت مصادفة بسبب حالة طبية طارئة. وعدها موظف إيراني في المطار بأنها ستصعد إلى الطائرة، لكنها لم تعثر عليه أبداً. كانت آخر من صعد؛ وفي مساء ذلك اليوم أغلقت الثورة الإسلامية الفتية حدود البلاد التي كانت أمها تحبها كثيراً.

إيران، بالنسبة إليّ، هي أيضاً ذكريات أبي: قمم الجبال المغطاة بالثلوج، رحلاته المنفردة فوق الصحراء، نفوره من الدين ورجال الدين، وشمس الصباح الباكر في أقصى الغرب، في كردستان الإيرانية.وهي أيضاً، الآن أكثر من أي وقت مضى، شعر فروغ فرخزاد،

مثل هذه الأسطر من قصيدة "أشفق على الحديقة" من ديوان "ولادة أخرى": "أنا أخاف من هذا القرن/ الذي فقد روحه/ أخاف أن أتخيل/ عبثية كل هذه الأيدي/ وغرابة كل هذه الوجوه".

أرغب أن أقول لهذا البلد الذي هو بلدي: انتظرني، لا ترحل.

هذه المرة، وعلى غير عادتي، أنا متشائمة. في البداية، كانت هناك انتفاضات عفوية، في الأيام الأولى، قبل أن تُقمع بالدم. كان ذلك ما سماه أندريه مالرو "وهماً غنائياً"، نبيلاً وغير منسّق، لكنه مفعم بروح التضحية.

لكن هذا الوهم انتهى في يناير (كانون الثاني) الماضي، مع العنف غير المسبوق الذي مارسته الحكومة الإيرانية ضد مواطنيها. واليوم، أصبح هذا الشعب محاصراً بين إسقاطات سياسية من الخارج وقنابل في الداخل.

ربما الخط الأخلاقي الوحيد هنا هو أننا لسنا في مكان هذا الشعب، هناك، في ذلك البلد الذي لا أعرفه. ليس لنا أن نتحدث باسمه وهو مهدد بالموت والدمار.

ومع ذلك، كان هناك قبل وقت قصير أمل حقيقي، جميل جداً، ومؤلم جدًا لأنه لم يتحقق بعد.

نافيد سيناكي: "سؤال بلا جواب"

أنجذب إلى الكتّاب الذين يروون القصص، ليس لأنهم قد يقدمون لي أجوبة، بل لأنهم يطرحون أسئلة، مثلي. في روايتي الأولى، "الدموع الحمراء على الواجهة"، بطلي، وهو رجل مثلي يعيش في طهران في زمن تُجرَّم فيه المثلية الجنسية، يطارده شخص تيريزياس، من الأساطير اليونانية، وهو، بحسب الشاعر أوفيد، تحول بأعجوبة إلى امرأة بعد أن ضرب حيتين كانتا تتزاوجان في غابة مسحورة. وبعد سنوات، يعيده الفعل نفسه إلى هيئة رجل.

يسأل جوبيتر، بحضور الإلهة جونو: "هل الحب أفضل عندما يكون المرء رجلاً أم امرأة؟". هذا السؤال والجواب عليه يؤديان إلى تحوّل آخر: تُصيب جونو تيريزياس بالعمى.

الحياة في المنفى تطرح سؤالاً مشابهاً: هل الحياة أفضل في الوطن أم في الخارج؟ الجواب ليس واضحاً أبداً، ولا يُرضي الجمهور بالكامل.

في روايتي، كان من المهم أن أُظهر صورة لطهران لا يطغى عليها الحزن فقط، بل تنبض بالحياة من خلال الناس الذين يعيشون فيها، ويحبّون فيها ويكافحون من أجل بلدهم. غير أن، في هذه اللحظة المأسوية، بينما تشن الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مستمرة ومريبة، يظهر انقطاع غير متوقع في سرديتهم.

وُلدت في طهران، لكنني نشأت في كاليفورنيا بعد أن بلغت عاماً واحداً. الإيرانيون الذين يعيشون في الولايات المتحدة، عندما يلتقون، يسألون دائماً: هل أنت مسلم أم يهودي؟ هل كانت عائلتك مع الثورة أم ضدها؟ ووفقاً للإجابة، تُرضي جونو دون جوبيتر أو العكس.

كنت في الـ15 من عمري في عام هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001. شاهدت تقارير انهيار البرجين التوأمين في المدرسة الثانوية. حصل هناك شيء ميلودرامي فوراً في الطريقة التي قُدّم بها الحدث. كانت محطات الإذاعة المحلية تبث أغنية "My Heart Will Go On" من الموسيقى التصويرية لفيلم "تايتانيك"، مع أصوات بكاء في الخلفية، قبل تصاعد صوت سيلين ديون. كان الحزن جماعياً. لكن الإسلاموفوبيا كانت حاضرة أيضاً بقوة، وكانت التوترات ملموسة في ضاحيتنا. "البرج الثاني انهار!"

كان والداي قد وصلا فعلاً إلى الولايات المتحدة عندما اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979. كانا يريدان تعليماً أميركياً ووظيفة أميركية. في تسعينيات القرن الماضي، كان حيّنا يضم عشرات الإيرانيين الذين فروا من الحكم الديني حاملين أموالهم. أما والداي، المنتميان إلى الطبقة العاملة، فيتذكران عهد الشاه بوصفه فترة تفاوتات اقتصادية حادة. بعض الأماكن أصبحت مقاصد سياحية غربية راقية، لكنها كانت بعيدة المنال من السكان المحليين.

كان هذا الموقع بالنسبة إلي، بين هنا وهناك، إيران والولايات المتحدة، معقّداً دائماً. مظهري فارسي جداً (أنا كذلك جينياً بنسبة 98.7 في المئة)، لكن مرجعياتي الثقافية وتربيتي أميركيتان. نشأت على الجبن الشيدر، ورسوم ديزني المتحركة، وبريتني سبيرز. "لماذا تكتب عن إيران؟ أنت لم تنشأ هناك حتى؟"، سألتني أمي عندما علمت أنني أنشر روايتي الأولى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الكتابة طريقتي في العودة إلى إيران، حيث قضيت صيفيات سعيدة. كان الفرح يأتي من رؤية أشخاص يشبهونني، ومن الشعور بالانتماء إلى عائلة كبيرة، رغم أن كثراً من أبناء عمومتي كانوا يحلمون بمغادرة البلاد.

هل الحياة أفضل في الوطن أم في الخارج؟ لم تستطع أمي يوماً الإجابة عن هذا السؤال.

كنت أظن أن الولايات المتحدة مكان مثالي للنشأة. لكنني أشعر بقرصة عندما تقول أمي اليوم إنها تندم على مغادرة إيران. ماذا يعني أن أعيش هناك، كرجل مثلي؟ وماذا عن أخي وأختي؟ أختي القوية المستقلة، وأخي اللطيف المرح؟ ربما كنا سنظل كما قدر لنا أن نكون، ولكن بأي صعوبات؟ (...)

أنا مدين للرواة الذين يطرحون الأسئلة. في كتاب "الأميرة الحمراء" للشاعر الفارسي نظامي يُطرح لغز حول اللؤلؤ لردع الحب. ويقدّم تيريزياس جوابه لجونو وجوبيتر وأوفيد. أما لويس كارول فيطرح في "أليس في بلاد العجائب"أحد ألغازي المفضلة: لماذا يشبه الغراب مكتباً؟

بعض الألغاز لم تصُمم للحصول على إجابة واضحة، بل لإظهار كيف يتطور العقل عبر التناقضات.

أعلم أن هذا لا يكفي. لا أملك إجابة مفعمة بالأمل، ولكن ربما يمكننا أن نبدأ بطرح السؤال الصحيح: من يستفيد من الموت؟

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة