ملخص
التطوع ليس فعلاً إنسانياً بسيطاً كما يُقدَّم عادةً، بل ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها الأخلاق مع السياسة والاقتصاد وعلم النفس. في الحروب، يتحول التطوع إلى فعل محفوف بالموت، كما في حالات استهداف المسعفين رغم الحماية القانونية المفترضة. تاريخياً، لم يولد التطوع كفعل إنساني إنما كخيار عسكري، قبل أن يتحول إلى أداة لسدّ عجز الدولة. نفسياً، يمنح المتطوع شعوراً بالمعنى، لكنه يعرّضه أيضاً للاحتراق. وبين النبل والاستغلال، يصبح التطوع اليوم رأس مال اجتماعياً ومهنياً، وسؤالاً إن كان خياراً حراً أو ضرورة مفروضة؟
التطوع رأس مال المجتمعات التي تغيب فيها المؤسسات.
ذلك الجهد والعمل الذي لا ينتظر صاحبه مقابلاً مادياً، يوقفه في أحيان كثيرة على ناصية الخطر، فلا يتردد في دفع الثمن. ولطالما اختلفت الأثمان ووصل بعضها للدم. إنه التطوع، ذلك النبل الذي يتجلى بأفراد أرادوا تقديم ما لديهم من معرفة وطاقة وجهد مغلف بكثير من التضحية، يختارون ميادين مختلفة ويزرعون فيها بذور الحب، ويزهرون معها وبها.
المسعفون المتطوعون
وعلى رغم أننا نضع فكرة التطوع في خانة فعل زائد عن الحاجة وترف أخلاقي لمَن يملك الوقت والقلب معاً، فإن الواقع قد يكون أقسى. ففي مكان ما هناك دائماً مَن يدفع الثمن كاملاً. وقت يُقتطع من حياة ضيقة وجسد يُستنزف في صمت، أو حياة تُسحب فجأة من معادلة لم تكن عادلة أصلاً. ولعل المثل الأكثر حضوراً في الحرب بين لبنان وإسرائيل خسارة المسعف في الصليب الأحمر يوسف عساف في قضاء صور، ومتطوعي "الهيئة الصحية الإسلامية" في برج قلاويه في جنوب لبنان، والمسعفين الذين يذهبون ضحية الاستهداف الثاني الذي تنتهجه إسرائيل، حيث يتجمع المسعفون لمساعدة الضحايا فينضمون قسراً إلى لائحة أهدافها.
في الحروب والأزمات
وعلى رغم وجود أطر قانونية واضحة، تتجسد في اتفاقات جنيف 1949 التي تفرض تحييد المسعفين وتحظر استهدافهم بوصفهم خارجين عن منطق الحرب، فإن الواقع في هذه المنطقة يكتب رواية أخرى، أكثر قسوةً وأقل احتراماً للنصوص.
في أبريل (نيسان) 1996، في بلدة المنصوري بجنوب لبنان، لم تكن سيارة الإسعاف تحمل سلاحاً ولا مقاتلين، بل نساءً وأطفالاً يلوحون بالعلم الأبيض. ومع ذلك، استهدفتها إسرائيل، وكشفت صورة المجزرة هشاشة تلك الحماية القانونية حين تصطدم بقرار عسكري لا يعترف بها. وبعد عقود في غزة، تكررت القصة بصيغة أكثر فجاجة. الطفلة هند رجب، المحاصرة داخل سيارة مثقوبة بالرصاص، وكانت تتصل طالبةً النجدة وحفر صوتها عميقاً في وجدان الشعوب، فيما الدبابة على مرمى أمتار منها. وحين تحركت سيارة إسعاف الهلال الأحمر لإنقاذها، بعد تنسيق رسمي، لم تصل. انقطع الاتصال، ثم عُثر لاحقاً على السيارة مدمرة، وعلى جثتي المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون إلى جانبها.
وفي أكثر من واقعة موثقة خلال الحرب الأخيرة، جرى استهداف طواقم إسعاف أثناء قيامها بواجبها، من بينها فرق كانت تعمل إلى جانب الصحافيين، كما في حالة الزميلة الراحلة مريم أبو دقة، حيث لم يشفع وجود الإعلام ولا وضوح المهمة في منع الاستهداف. ما يكشفه هذا التكرار في المشهد نمطاً يعتبر أن الحياد نفسه قابل للاستهداف. ويتحول القانون الدولي من مظلة حماية إلى نص معلق في الهواء.
في هذا السياق، يصبح التطوع في الإسعاف تحديداً صورة من صور المواجهة الصامتة. فالمتطوع لا يبحث عن البطولة وبات يدرك أن الشارة التي يحملها قد لا تحميه. وأن المسافة بين إنقاذ حياة وفقدانها… قد تكون قراراً لا علاقة له به.
وفي هذا الإطار حين نصوّر أن التطوع قيمة إنسانية، قد يبدو الكلام ناقصاً. في هذه الأمثلة، التطوع ليس قيمة فقط، إنه مخاطرة واعية. هو اختيار بالدخول إلى مساحة لم تعد القوانين تحكمها، وتتحكم فيها موازين القوة. واختيار أن تذهب إلى حيث يُفترض أن تكون الحياة محمية لتكتشف أن الحماية نفسها هي الهدف.
ويتعرض المتطوعون لشتى أنواع الأخطار في الحروب والأزمات، ولم ننس بعد ما حدث لفريق "الدفاع المدني" اللبناني في الرابع من أغسطس (آب) عام 2020 وأدى إلى مقتل ثمانية من "فوج إطفاء بيروت" توجهوا إلى المرفأ أثناء انفجاره، حيث لم تكن النار حادثة يمكن احتواؤها، وصارت بوابةً لانفجار سيبتلعهم في ثوانٍ.
التطوع الأول... عسكري
بالطبع ليس كل تطوع عنواناً لإرسال صاحبه للتضحية بحياته. ومع هذا فلا يقلل من شأنه أياً كان بسيطاً. إذ إن المشكلة ليست في التطوع، إنما في الطريقة التي نخفف بها معناه. فنحن نحب أن نراه خياراً، بينما هو في كثير من الأحيان ضرورة يتقدم إليها مَن لا يستطيع أن يدير ظهره. نسميه عطاء، لكنه في لحظته الحقيقية أقرب إلى موقف. أن تبقى حيث يجب أن تكون، وليس حيث يكون الأمان.
في تلك اللحظة حين يتقدم أحدهم خطوة إلى الأمام بينما يتراجع الآخرون، يتكشّف المعنى، فلا يعود التطوع نشاطاً أو سطراً يُضاف في السيرة الذاتية أكثر من كونه اختباراً إلى أي حد يمكن للإنسان أن يرى في حياة الآخرين امتداداً لحياته وليس تفصيلاً خارجها. تلك اللحظة، بكل قسوتها، تختصر معنى التطوع حين يُنزَع عنه التجميل، على أنه قرار بالوقوف في الجهة الخطأ من الأمان.
المشكلة أنه في المعنى الأولي الخام، غالباً ما يُدفن التطوع تحت طبقات من اللغة الناعمة. فيعرّف كمشاركة مجتمعية أو إسهام إنساني، وكأننا نتحدث عن نشاط ثقافي في نهاية الأسبوع. لكن التاريخ أقل لطفاً وأكثر صرامة، إذ إن الكلمة نفسها لم تولد في سياق إنساني أصلاً، وسياقها الأول كان عسكرياً. في أوروبا الحديثة المبكرة، كان المتطوع هو من يقدّم نفسه للحرب، فيختار المخاطرة. ولم يكن الأمر فضيلة أخلاقية بقدر ما كان خياراً وجودياً بأن تضع نفسك في مواجهة احتمال الموت وبحيث الاحتمالات الأخرى قد تكون أشد وطأة. انتقل هذا المعنى لاحقاً، ببطء، إلى الحقل المدني مع صعود الحركات الدينية والاجتماعية في القرن الـ19، حين بدأت الجمعيات الخيرية بتنظيم العمل غير المدفوع بوصفه واجباً أخلاقياً. لكن التحول الحقيقي لم يكن في التعريف إنما في الوظيفة، من حماية الدولة إلى تعويض تقصيرها أو قصورها.
اقتصاد الظل
والمفارقة تظهر أن ازدهار التطوع لا علاقة له بطيبة الناس، فلقد فرض ذاته على المجتمعات لأن الأنظمة أصبحت أقل قدرة. وكلما تراجعت الدولة، تقدّم المتطوع. وكلما اتسعت الفجوات في الصحة والتعليم والإغاثة، امتلأت بأشخاص يعملون بلا أجر، أو بأجر رمزي لتأدية ما كان يفترض أن يكون حقاً مؤسسياً.
وتشير أحدث تقارير الأمم المتحدة، بعنوان حالة العمل التطوعي في العالم (State of the World’s Volunteerism Report – SWVR 2026) الصادر عن برنامج متطوعي الأمم المتحدة في ديسمبر (كانون الأول) 2025، إلى أن نحو 2.1 مليار شخص حول العالم ينخرطون شهرياً في أعمال تطوعية، أي ما يقارب ثلث سكان العالم في سن العمل. ولكن الرقم هنا ليس احتفاءً بالخير، إنه إشارة إلى حجم العمل غير المدفوع الذي تقوم عليه مجتمعات كاملة.
إذاً فإن مئات الملايين حول العالم ينخرطون في أعمال تطوعية، لأن هناك حاجة فعلية لا تجد من يلبيها. فيظهر التطوع كاقتصاد ظلّ يقوم على العطاء بدل الأجر وعلى بنية موازية وليس كخيار أخلاقي صرف.
هذا ما يقوله علم النفس
ومع ذلك لا يمكن اختزال الظاهرة في بُعدها البنيوي فقط. فهناك دائماً ذلك الدافع الفردي الذي يصعب تفسيره بلغة الحساب والأرقام. إذ لماذا قد يذهب شاب ليعمل في الصليب الأحمر مثلاً وهو يعرف أنه قد لا يعود؟ أو لماذا تقضي طالبة جامعية ساعاتها في تعليم أطفال لا تعرفهم؟ أو يتطوع أشخاص في خضم حرب مشتعلة لينقذوا الحيوانات الأليفة التي اضطر أصحابها إلى النزوح بعد إنذار سريع؟ أو لماذا يكرس مراهق وقته في تسلية أطفال مصابين بالسرطان؟ ولماذا قد تقرأ سيدة روايات لكبار السن؟ أو تزرع جمعية ما الأشجار؟ والأمثلة لا تنتهي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يصف علم النفس التطوع كحاجة نفسية عميقة. وتناول هذا البعد الطبيب النفسي النمسوي فيكتور فرانكل (Viktor Frankl) (1905–1997)، وهو ناجٍ من معسكرات الاعتقال النازية ومؤسس مدرسة العلاج بالمعنى (Logotherapy) في كتابه "بحث الإنسان عن المعنى" (Man’s Search for Meaning) الصادر عام 1946، إذ اعتبر أن الدافع الأساس للإنسان ليس اللذة كما عند فرويد، ولا القوة كما عند أدلر، إنما "إرادة المعنى"، أي الحاجة العميقة إلى أن يجد الإنسان سبباً يعيش من أجله، حتى في أقسى الظروف. كتب فرانكل نظريته من داخل تجربة قاسية، حيث لاحظ أن السجناء الذين امتلكوا سبباً للعيش كانوا أكثر قدرةً على الصمود، وبحيث يصبح أي فعل وسيلة لتأكيد الوجود، وليس مجرد سلوك عابر. والتطوع، في هذا السياق، يظهر كمحاولة لصناعة معنى في عالم يبدو أحياناً بلا معنى، أكثر من كونه تضحية.
وحاولت دراسات علم النفس الإيجابي قياس هذا المعنى، منها دراسة نُشرت عام 2013 بعنوان: "هل يُعدّ العمل التطوعي تدخلاً في مجال الصحة العامة؟ مراجعة منهجية وتحليل تجميعي لصحة وبقاء المتطوعين"، Is Volunteering a Public Health Intervention? A Systematic Review and Meta-Analysis of the Health and Survival of Volunteers، وجُمعت نتائج عشرات الأبحاث، وخلصت إلى أن المتطوعين يسجلون مستويات أعلى من الرضا عن الحياة، ويُظهرون انخفاضاً ملحوظاً في معدلات الاكتئاب، بل وحتى معدلات وفيات أقل مقارنةً بغير المتطوعين. فلا يعود التطوع مجرد فعل خير، ويصبح استجابةً نفسية عميقة حتى لو جاء في بيئة لا تقدم الكثير من الخيارات الأخرى.
الشركات تطلب التطوع
لكن التطوع، هذا الاستثمار، إذا صحّ التعبير، يتجاوز الحقل النفسي ويتحول بسرعة إلى رأس مال اجتماعي ومهني. ففي عالم العمل المعاصر، لم تعد الشهادات وحدها كافية. إذ باتت الشركات في قطاعات الإعلام والمنظمات الدولية وسواها تنظر إلى العمل التطوعي كدليل على شيء لا يمكن قياسه بالدرجات. حيث القدرة على المبادرة والعمل تحت الضغط والتفاعل مع الواقع. وفي تقرير لشبكة "لينكد إن" (LinkedIn) حول اتجاهات التوظيف أشار إلى أن المرشحين الذين لديهم خبرة تطوعية يُعتبرون أكثر قابلية للتوظيف بنسبة ملحوظة، لأنهم يملكون ما يسمى "المهارات الناعمة" (soft skills) التي يصعب اكتسابها في القاعات الدراسية. فيتحول التطوع من فعل أخلاقي إلى مؤشر كفاءة، ومن قيمة إنسانية إلى عِملة في سوق العمل. وهنا أيضاً تبدأ منطقة الالتباس. فحين يصبح التطوع شرطاً ضمنياً للتوظيف، قد يفقد جزءاً من عفويته. ولا يعود نابعاً من رغبة في العطاء، إنما يتحول إلى خطوة في مسار مهني محسوب. وتستخدم بعض الشركات العمل التطوعي كاختبار غير معلن، بأسئلة ملغومة من قبيل: هل يمكنك أن تعمل بلا مقابل؟ هل لديك ما يكفي من الدافع لتستمر على رغم غياب الحوافز؟ ولكن في هذه اللحظة، ينقلب المعنى. إذ ما كان يُفترض أن يكون مساحة حرة للعطاء، يتحول إلى أداة فرز في سوق تنافسي، وأحياناً إلى صورة ناعمة من الاستغلال.
بيئات تحتاج إلى التطوع
ومع هذا من الصعب تبسيط الصورة إلى ثنائية الخير والاستغلال فقط. إذ إن الواقع أكثر تعقيداً. فالتطوع يعلّم مهارات لا يمكن محاكاتها بأعمال تقليدية مثل إدارة الأزمات واتخاذ القرار في لحظات حرجة والعمل ضمن فريق تحت ضغط حقيقي. وفي بيئات مثل لبنان، حيث تتداخل الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، والحرب تقف دائماً مطلة برأسها، يصبح العمل التطوعي مدرسة ميدانية قاسية. ويجد الأفراد كباراً وشباباً أنهم ينخرطون في أعمال تطوعية كأنها ولِدت داخلهم، من الإغاثة إلى توزيع المساعدات، وجمع التبرعات مثل ما يحدث الآن أثناء الحرب، أو بكنس الطرقات وتنظيفها مثل بعد انفجار المرفأ. وهم يكونون على تماس تام مع قضايا إنسانية تصقل أرواحهم، وتجعلهم يفهمون الناس في لحظاتهم الأكثر هشاشة.
الحاجة الاجتماعية
يؤدي التطوع على مستوى المجتمع، وظيفة تكاد تكون غير قابلة للاستبدال. هو ما يحافظ على حدّ أدنى من التماسك حين تتفكك المؤسسات، وهو شبكة الأمان غير الرسمية التي تمنع الانهيار الكامل. فبعد انفجار مرفأ بيروت، لم تكن الاستجابة الأولى مؤسساتية، لقد كانت شعبية بامتياز. انخرط فيها آلاف المتطوعين الذين نزلوا إلى الشوارع قبل أن تتبلور أي خطة رسمية. في تلك اللحظة، بدا واضحاً أن المجتمع ينجو بما لديه من استعداد للعطاء في أفراده قبل أن تدخل المؤسسات لتقوم بواجبها.
الثمن
التطوع ليس دائماً فعلاً رومانسياً، إذ قد يكون عملاً محفوفاً بالأخطار، جسدياً ونفسياً. والاحتراق النفسي بين العاملين والمتطوعين في القطاعات الإنسانية ليس انطباعاً، فهو واقع موثق. ففي دراسة نشرت عام 2021 قادها باحثون من منظمة "أطباء بلا حدود" (Médecins Sans Frontières) بعنوان: "الصحة النفسية والجسدية للعاملين في مجال المساعدات الإنسانية الدولية في مهمات قصيرة الأجل"، Mental and physical health of international humanitarian aid workers on short-term assignments، تم تتبّع حالة 618 عاملاً إنسانياً في مهمات ميدانية عبر 27 دولة بين عامي 2017 و2020.
وكانت النتائج أقل رومانسية بكثير مما يُسوَّق عن العمل الإنساني. إذ أظهرت أن العاملين الذين مروا بتجارب صادمة، سجّلوا أيضاً ارتفاعاً واضحاً في الإرهاق العاطفي وتراجعاً في الحيوية وانخفاضاً في الأداء الاجتماعي والرفاه النفسي بعد المهمات. وفي قراءة لاحقة لنتائج مشابهة قادها باحثون مرتبطون بالمنظمة، تبيّن أن نحو 75 في المئة من العاملين الإنسانيين تعرضوا لأحداث صادمة، وأن الاحتراق النفسي الذي ينتج من مشاهدة المآسي، ينتج أيضاً من بيئة العمل نفسها من نقص الموارد والضغط المستمر وانعدام الأمان. وتشير تقارير ميدانية حديثة للمنظمة من غزة (2024) إلى أن الطواقم الطبية نفسها تعاني القلق والأرق والاكتئاب والكوابيس، والإرهاق النفسي المتراكم، في بيئة لا أحد فيها آمن، حتى من يُفترض أنهم يعالجون الآخرين.
وهكذا يظهر التطوع على رغم كونه فعل عطاء كتجربة جدّية تترك أثرها في الجسد والنفس معاً، خاصة إذا كان العمل التطوعي في بيئات صعبة العيش مثل المجاعات والأمراض والحروب. وعلى رغم صقل الشخصية والمهارات، فإنه يبدو أن المدة الزمنية كلما كانت أقصر، استطاع المتطوع النجاة من الاحتراق. فالتطوع مرآة مزدوجة، يعكس أفضل ما في الإنسان، لكنه يكشف أيضاً عن اختلالات عميقة في النظام الذي يعيش فيه. هو في آنٍ واحد فعل حرية ونتيجة ضرورة، وتعبير عن معنى، وأحياناً تعويض عن غيابه. وربما لهذا السبب تحديداً يصعب اختزاله في تعريف واحد.