ملخص
حمل بينيت الذي ولد في حيفا لأبويين علمانيين عام 1972 منذ صغره توجهاً دينياً متشدداً، ورغم كثرة تنقلات عائلته الأميركية من أصول بولندية بين كاليفورنيا ومونتريال الكندية، وسان فرانسيسكو، فإن ذلك لم يؤثر على توجهاته الفكرية والأيديولوجية.
عقب تفكك حكومة بينيت – لابيد في يونيو (حزيران) عام 2022، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق نفتالي بينيت، الذي كسر آنذاك احتكار بنيامين نتنياهو للسلطة، اعتزاله العمل السياسي والتفرغ لأعماله في البرمجة والأمن السيبراني.
إلا أنه وسط ما تشهده الساحة الإسرائيلية من تحولات وتقلبات سياسية، تمثلت بتفكك أحزاب وصعود أخرى، قرر العودة من جديد إلى الساحة السياسية لكن بحزب جديد يحمل اسم "بينيت-2026". وعلى الرغم من أنه لم يحسم قراره النهائي بعد بشأن خوض الانتخابات المقبلة للكنيست، لكنه بحسب كثير من التحليلات يبدي استعداداته لمنافسة قوية داخل الحلبة السياسية.
كيف لا وقد استطاع خلال الفترة الأخيرة التي تتسم بتآكل الثقة بالنخبة الحاكمة، الجميع بين قطاعات مختلفة من المجتمع الإسرائيلي.
ووفقاً لاستطلاع رأي أجراه معهد "ليزر" فإن الحرب على إيران لا تؤثر، حالياً، على صورة الخارطة السياسية في إسرائيل، إذ إن استطلاعات رأي عدة تبقي نتنياهو متقدماً على منافسيه المحتملين، والشخصية الملائمة لتولي منصب رئيس الحكومة.
في حين ينظر إلى بينيت كأحد أبرز خصومه الحاليين، وأبرز المرشحين لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة. وبحسب ما أعلنه بينيت نهاية العام الماضي، فإن حكومته حال فوزها في الانتخابات، ستعمل على إلغاء مشروع قانون تجنيد الشبان اليهود الحريديم (المتدينين) الذي تدفع به قدماً حكومة نتنياهو.
وسيعمل على الفور في حال تقلده للحكم تشكيل لجنة تحقيق رسمية في أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. ومنذ أن اقتحم رجل الأعمال الإسرائيلي بينيت عالم السياسية عام 2006، عرف بخطابه التحريضي المعادي للفلسطينيين ومعارضته الشديدة لإقامة دولة فلسطينية وتبني سياسة مؤيدة للاستيطان، كيف لا وهو يحمل فكراً يهودياً أرثوذكسياً، وينتمي إلى التيار اليميني المتشدد.
على رغم من الأهمية التي توليها تقارير إعلامية لالتزام بينيت الديني، فإنه تلقى انتقادات من اليهود اليمينيين الأكثر تشدداً في إسرائيل. وقال بعضهم إن إبرازه مظاهر دينية معينة (مثل الكيبا)، "نوع من النفاق"، وإن تشكيله الائتلاف الحكومي سابقاً، "تهديد لشخصية إسرائيل اليهودية".
توجهات دينية
حمل بينيت الذي ولد في حيفا لأبويين علمانيين عام 1972 منذ صغره توجهاً دينياً متشدداً، ورغم كثرة تنقلات عائلته الأميركية من أصول بولندية بين كاليفورنيا ومونتريال الكندية، وسان فرانسيسكو، فإن ذلك لم يؤثر على توجهاته الفكرية والأيديولوجية.
أسهم استقرار الأسرة في إسرائيل والتحاقه بمدرسة "يافني يشيفا"، تلقيه تعليماً دينياً مهد له الطريق لدراسة الشريعة اليهودية والتلمود، كما أن توجهاته الدينية المتشددة في مرحلة الشباب، جعلته فاعلاً في عدد من المنظمات اليهودية فكان عضواً في حركة "شباب تهيا"، في حيفا وقائداً لحركة الشبيبة الدينية "بني عكيفا"، التي تعزز ظهور الإسرائيليين الشباب بمظهر ديني وتشجيع إقامة المستوطنات.
بالتزامن مع ذلك، حمل بينيت توجهاته الدينية المتشددة وخدم في الجيش الإسرائيلي، ثلاثة أعوام بصفته جندياً مقاتلاً في وحدة "سايريت ماتكال" (وحدة استطلاع خاصة تُعد من أكثر وحدات الجيش الإسرائيلي سرية ونخبوية).
ومن ثم التحق ثلاثة أعوام أخرى بوحدة القوات الخاصة "ماجلان" (وحدة كوماندوز متخصصة في العمليات خلف خطوط العدو واستخدام أسلحة دقيقة متقدمة) وأصبح قائد فصيل ثم قائد سرية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تقتصر مشاركة بينيت خلال خدمته العسكرية على عملية الدرع الواقية (عملية عسكرية قامت إسرائيل من خلالها باحتلال ومهاجمة المدن الفلسطينية التي تخضع لسيطرة السلطة الفلسطينية عقب عملية فلسطينية أدت لمقتل 30 إسرائيلياً عام 2002) بل شارك كذلك في حرب لبنان الثانية عام 2006، وقاد مجموعة في المنطقة الغربية من جنوب لبنان، عرفت وقتها باسم "صائدي الصواريخ".
واستمر بينيت في الخدمة جندياً احتياطياً في "سيريت ماتكال إلى أن سُرح برتبة رائد. وما إن نال شهادته الجامعية في الحقوق من الجامعة العبرية في مدينة القدس عام 1999 حتى تزوج من جيلات التي كانت تعمل آنذاك طاهية حلويات، وانتقل معها إلى نيويورك بعد أن أسس شركة تعمل في مجال البرمجة والتكنولوجيا المتخصصة بحماية المعلومات، التي شهرته كرجل أعمال ناجح وصاحب ثروة تقدر بالملايين.
عالم السياسة
بعد عودته من حرب لبنان عام 2006، عمل بينيت مديراً لمكتب بنيامين نتنياهو الذي كان آنذاك زعيم المعارضة، وكانت له اليد الطولى في إدارة حملته الأولى لقيادة حزب "الليكود" عام 2007 التي فاز بها ومهدت له الطريق لرئاسة الحكومة، الأمر الذي مكن بينيت من بناء شبكة علاقات واسعة داخل معسكر اليمين، أتاحت له الفرصة والقدرة للاطلاع على آليات صنع القرار عن قرب.
وعلى رغم توتر العلاقة بين الرجلين عام 2008 وتحول بينيت لمنافس سياسي من نفس الحزب، فإن ذلك لم يمنعه من تولي رئاسة مجلس الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية عام 2010، فمن هناك أخذ بينيت، الذي يظهر غالباً معتمراً القلنسوة اليهودية (غطاء رأس خاص بالرجال اليهود المتدينين) ومعروف بالتزامه الديني المعلن وممارسته الشعائر الدينية، بالدفاع عن مصالح المستوطنين اليهود في الضفة الغربية ودعمهم علناً مصادرة أراضي الفلسطينيين، وهو ما عزز شعبيته السياسية لدى المستوطنين اليهود كيف لا وهو يؤكد باستمرار أن لا وجود للدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وغزة.
في العام ذاته الذي تولى فيه بينيت رئاسة مجلس المستوطنات، أسس مع عضوة حزب "البيت اليهودي" أييلت شاكيد الحركة اليمينية المتطرفة "يسرائيل شيلي"، لحث الجنود الشباب في الجيش وشباب الجامعات تبني المواقف اليمينية المتشددة.
وقد منحه ذلك القدرة على ترك حزب "الليكود" والانضمام إلى الحزب اليميني المتشدد "البيت اليهودي" حيث أسهم وجوده هناك في رفعة الحزب وتعزيز حضوره في الكنيسيت أربعة أضعاف، عما كان عليه قبل انضمامه، مما مكنه من رئاسة الحزب عام 2012.
واستطاع بذلك ضم جمهور واسع من التيار الديني الصهيوني ومن مستوطني الضفة الغربية، إضافة إلى جمهور علماني من اليمين المتطرف، ونجح في الدورة الـ19 لانتخابات الكنيست عام 2013 من دخول الكنيسيت لأول مرة والحصول على 12 مقعداً من أصل 120 وهو ما دفع نتنياهو حينها لضمه وتشكيل حكومة ائتلافية، فمنحه حقيبة الاقتصاد الموسعة، التي كانت تضم سابقاً كلاً من وزارات العمل والصناعة والتجارة والتخطيط الاقتصادي، كما عُين بعد انتخابات 2015 وزيراً لشؤون القدس والشتات ووزيراً للتعليم .
بينيت يحمل أيديولوجيا يمينية واضحة، وهو يدعم حق إسرائيل في أرض إسرائيل الكبرى التي تشمل أراضي من النهر إلى البحر. وهو يدعم بناء المستوطنات ويدعو إلى ردود الفعل العسكرية دائماً لا السياسية على العمليات المسلحة الفلسطينية.
يتصور بينيت طابع دولة إسرائيل على أنها دولة يهودية وديمقراطية للشعب اليهودي. وهو يدعم مشروع القانون الأساس: سن قانون القومية ليصبح قانوناً أساسياً وهو الذي يعتبر إسرائيل دولة يهودية. وهو يؤيد الحقوق المدنية المتساوية والكاملة لجميع مواطني إسرائيل ولكنه ضد منح الحقوق القومية للأقليات، مثل العرب في إسرائيل.
اليمين الجديد
بسبب التوتر المستمر مع القيادة الحاخامية لحزب "البيت اليهودي" انشق بينيت عن الحزب وأسس مع منشقين آخرين حزباً يجمع اليهود من المتدينين والعلمانيين عرف باسم "اليمين الجديد"، ورغم أن الحزب فشل في انتخابات عام 2019 بالدخول الى البرلمان الإسرائيلي. فإنه تولي منصب وزير الدفاع في عامي 2019 و2020 بعد أن نجح في تشكيل قائمة "يمينا" وضم فيها أحزاباً دينية يمينية صغيرة، نجحت في الحصول على سبعة مقاعد.
وعلى رغم أن بينيت والوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش ينتميان فكرياً لنفس تيار "الصهيونية الدينية" فإن الأول يواظب على طرح نفسه كزعيم يميني جديد إلى أن تمكن عام 2021 من إنهاء حكم نتنياهو الطويل الذي استمر 12 عاماً، وتشكيل ائتلافٍ حكومي مع زعيم المعارضة الوسطي يائير لبيد، متخطياً كل الاختلافات الأيديولوجية الواسعة بينهما. إلا أن الانشقاقات في التحالف الحاكم، لم تمهله طويلاً حتى أعلن في يونيو (حزيران) 2022 التنازل عن منصبه كرئيس للوزراء، وانسحابه من الحياة السياسية.
حرب إيران
قرار الانعزال والعودة للعمل كمستشار في شركات تكنولوجية واستثمارية، لا سيما في مجالات الابتكار والأمن السيبراني والتقنيات المتقدمة، لم يمنعه من الظهور باستمرار في الإعلام الإسرائيلي والعالمي، حيث ينتهج وفق محللي سياسة الإبقاء على صورته كبديل يميني عن نتنياهو و"رجل الدولة".
وبعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 شدد على الحسم العسكري تجاه "حماس"، وكان باستمرار يدعو إلى تشديد الخط حيال إيران، معتبراً أن النظام الإيراني يقع في قلب غالبية المشاكل التي يواجهها الشرق الأوسط والكثير من الإرهاب العالمي".
ووفقاً لما جاء في مقال سابق كتبه بينيت في صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، فإن النظام الإيراني أنشأ وكلاء إرهابيين في جميع أنحاء الشرق الأوسط. مولهم ودربهم وسلحهم". ووفقاً لرؤيته السياسية، فإن "إضعاف إيران يكمن في تمكين المعارضة الداخلية، وضمان استمرارية الإنترنت أثناء أعمال الشغب ضد النظام، وتعزيز أعدائها، وزيادة العقوبات والضغوط الاقتصادية عليها معترفاً أن إسرائيل غيرت استراتيجيتها في مواجهة إيران. قائلاً "نعمل على حشد العالم، ولكن في موازاة ذلك نعلم أيضاً كيف نعمل بمفردنا. إيران تعلم ما هو الثمن عندما يهدد أحد أمننا".
وبحسب ما نشره المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، فإن تقارير إعلامية تشير إلى أن بينيت سيحتفظ بسيطرة تنظيمية واسعة داخل حزبه الجديد، حيث سيقود الكتلة البرلمانية وسيحتفظ برئاسة الحزب حتى العام 2034، وسيمتلك صلاحية اختيار مرشحي القائمة الانتخابية وتعيين الوزراء واختيار أعضاء لجان الكنيست بهدف منع الانشقاقات التي واجهها خلال حكومته السابقة وأسهمت في إسقاطها.
الجيل الثالث
في تقرير لوكالة "أسوشييتد برس"، يكتب جوزف كروس، أن المليونير الإسرائيلي صنع لنفسه شخصية تجمع بين عناصر ثلاثة: الحداثة والدين والقومية. وبحسب تعبير كروس، فإن بينيت يمثل الجيل الثالث من القادة الإسرائيليين، بعد الآباء المؤسسين، وبعد جيل نتنياهو الذي تشكلت تجربته خلال الحروب الإسرائيلية مع العرب.
وفي مجلة "فورين بوليسي" يذكر الكاتب أورين كسلر بأن الآباء المؤسسين للصهيونية، وكذلك السياسيون الإسرائيليون الأوائل، لم يكونوا متدينين. بحسب كسلر، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول دافيد بن غوريون يعرف عن نفسه كملحد، ويعتبر التدين "خداعاً للنفس".
ووفق بن كاسبيت، "لم يكن لإسرائيل أبداً رئيس وزراء متدين. من دافيد بن غوريون إلى إيهود أولمرت، ومن مناحيم بيغن إلى أرييل شارون، وصولاً إلى نتنياهو العلماني، لم يتبع قادة الدولة اليهودية التقاليد الدينية. أظهروا بعض زخارف التدين، لجذب المتدينين والأرثوذكس المتطرفين، لكنهم لم يحفظوا السبت أو يغطوا رؤوسهم".
يقول بينيت في حوار مع صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" إنه "يميني أكثر تشدداً من بيبي، لكنني لا أستخدم خطاب الكراهية أو الاستقطاب".
في لقاءات صحافية قديمة، يعبر عن استيائه من تهميش الإسرائيليين اليمينيين بشكل عام، والملتزمين دينياً بشكل خاص، ويصفهم بأنهم "الأكثرية الصامتة التي تتعرض للإقصاء بسبب سيطرة اليسار على النخبة في الإعلام والقضاء والأكاديميا".