ملخص
تسحب جامعات بريطانية عروض قبول منحتها لطلاب من دول عدة، خشية أن تتجاوز نسبة رفض التأشيرات بين المقبولين لديها سقف الخمسة في المئة الذي فرضته وزارة الداخلية منذ يونيو الماضي، وهو سقف قد يكلفها رخصة استقدام الطلاب الأجانب.
رفض موظف في وزارة الداخلية البريطانية طلب تأشيرة دراسية لشاب أراد الالتحاق بجامعة "إيست أنجليا"، بحجة أنه لا يعرف أين سيدرس. لكن نائب رئيس الجامعة البروفيسور ستيفن ماكغواير، وصف قرارات رفض تأشيرات طلبة دوليين بالاعتباطية وغير المستندة لمعرفة، وقال إن مؤسسته بدأت سحب عروض القبول من دول بعينها أواخر العام الماضي بعد ارتفاع حاد في حالات الرفض.
جاءت الواقعة ضمن تحقيق نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" قبل أيام، خلص إلى أن الجامعات البريطانية تلغي "بالجملة" عروضاً قدمتها لمتقدمين من دول بينها نيجيريا وباكستان، خشية أن تنتهي حملة الحكومة على التأشيرات بحرمانها من استقدام الطلاب الأجانب. وبحسب تحليل الصحيفة لبيانات وزارة الداخلية، سحبت 10.5 في المئة من طلبات التأشيرات الدراسية في النصف الأول من العام الحالي، مقارنة بـ2.3 في المئة عام 2025 و0.4 في المئة فقط عام 2023.
وارتفعت النسبة لدى الباكستانيين من ثلاثة في المئة إلى 40.9 في المئة، ولدى النيجيريين من 4.5 إلى 22.7 في المئة، ولدى البنغلاديشيين من 7.1 إلى 23.5 في المئة. ويعتقد أن نحو 15 جامعة علقت الاستقدام من باكستان كلياً هذا العام، فيما تشير بيانات شركة "إنرولي" المتخصصة في معالجة طلبات التأشيرات إلى أن نسب الرفض لدى قرابة نصف الجامعات تتجاوز عتبة الخمسة في المئة.
ردت وزارة الداخلية بأن الطلاب الدوليين يقدمون إسهاماً إيجاباً للبلاد، لكن ذلك لا يجوز أن يكون على حساب الاستقدام المسؤول وحماية نزاهة نظام الهجرة، مضيفة أنها تعرض على الجامعات الدعم إذ تدعو الحاجة لتحسين ممارسات الاستقدام. في المقابل، قال مدير منظمة "جامعات المملكة المتحدة الدولية" جيمي آروسميث إن معالجة التأشيرات "باتت أقل قابلية للتنبؤ بصورة لافتة"، وأضاف أن كثيراً من قرارات الرفض يبدو قائماً على تعليلات معيبة وغير متسقة وشديدة الذاتية، مما يجبر الجامعات على سحب العروض على نطاق واسع لتفادي خرق عتبات الامتثال.
وذهب رئيس جامعة "ساندرلاند" السير ديفيد بيل في الاتجاه نفسه، معتبراً أن الارتفاع المفاجئ في حالات الرفض دفع جامعات عدة إلى خطوات استباقية، شملت الانسحاب من أسواق دولية تتشدد الوزارة في التعامل مع طلباتها. أما رئيس جامعة "غرب اسكتلندا" البروفيسور جيمس ميلر فقال إن الوزارة لم تقدم تفسيراً حقيقياً للارتفاع سوى القلق من أعداد الطلاب الذين يتقدمون بطلبات لجوء، وحذر من أن مؤسسات كثيرة قد تسجل تراجعاً يتجاوز 20 في المئة في أعداد طلابها الأجانب هذا العام، مما يجعل خفض الوظائف محتوماً ما لم تتغير السياسة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلف الأرقام آلية لا تظهر في الإحصاءات الرسمية، فنسبة الرفض المعتمدة في تقييم وزارة الداخلية للجامعات تحتسب حالات الرفض قياساً إلى مجموع الرفض والموافقة، مما يعني أن الطلبات المسحوبة مستبعدة منها بحكم التعريف. ولهذا تلجأ الجامعات كثيراً إلى سحب وثيقة "تأكيد القبول للدراسة" بنفسها، لأن الطلب المسحوب لا يحتسب ضد تصنيف امتثالها بينما يحتسب الطلب المرفوض.
النتيجة أن عدد الطلبات المسحوبة تجاوز عدد الطلبات المرفوضة في الربع الأول من العام الحالي للمرة الأولى منذ 20 عاماً، وفق منصة "آيسف مونيتور" المتخصصة في سوق التعليم الدولي. ورصد موقع "ذا باي نيوز" أن لحظة الطلب من الطالب سحب ملفه تقدمت لدى بعض الجامعات إلى توقيت دعوته لمقابلة التحقق من الصدقية، أي قبل أن تصدر الوزارة قرارها أصلاً.
تقول وزارة الداخلية إن 133760 مهاجراً طلبوا اللجوء خلال الأعوام الخمسة الماضية بعد دخولهم البلاد بتأشيرات عمل أو دراسة أو زيارة، وإن نحو 39 في المئة من قرابة 100 ألف طلب لجوء قدمت عام 2025 جاءت من أشخاص دخلوا عبر مسارات قانونية كالتأشيرة الدراسية. وفي المقابل تشكك محامية الهجرة سونيا لينيغان في وصف الوزارة للظاهرة بأنها "استغلال واسع" لنظام الهجرة، لافتة إلى أن نسب طلبات اللجوء ارتفعت لكن أعداد أصحابها تبقى محدودة من مجموع الطلبات في البلاد.
لم تولد الأزمة هذا الخريف، فقد أكد الكتاب الأبيض للهجرة الصادر في الـ12 من مايو (أيار) 2025 خفض عتبة رفض التأشيرات المسموح بها إلى خمسة في المئة، ورفع عتبتي التسجيل وإتمام الدراسة إلى 95 و90 في المئة. ودخل الإطار الجديد حيز التنفيذ في الأول من يونيو الماضي، مع نظام تصنيف علني من ثلاث درجات، أخضر لنسبة رفض دون أربعة في المئة، وأصفر بين أربعة وخمسة، وأحمر عند خمسة في المئة فما فوق. والأخطر أن التصنيف لا يقوم على المعدل بل على أضعف المؤشرات الثلاثة، وأن تصنيفاً أحمر بعد إنذار نهائي يعد خرقاً جسيماً لواجبات الكفالة يسمح للوزارة بسحب حق الجامعة في استقدام الطلاب الأجانب.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، كشفت تقارير صحافية محلية عن أن تسع جامعات في الأقل أوقفت تلقي الطلبات من دول تعدها عالية الخطورة، بينها جامعة "لندن متروبوليتان" التي قالت إن بنغلاديش وحدها تمثل 60 في المئة من حالات الرفض لديها، وجامعة "تشيستر" التي علقت الاستقدام من باكستان حتى خريف 2026. وكانت نسبتا الرفض آنذاك 22 في المئة للبنغلاديشيين و18 في المئة للباكستانيين في العام المنتهي في سبتمبر (أيلول) 2025، واستأثر البلدان بنصف حالات الرفض البالغة 23036.
في مارس (آذار) الماضي فعلت وزيرة الداخلية شبانة محمود ما سمته "مكابح الطوارئ"، فأوقفت طلبات التأشيرات الدراسية من الخارج لمواطني أفغانستان والكاميرون وميانمار والسودان، وقالت إن بريطانيا ستوفر الملاذ دائماً للفارين من الحرب والاضطهاد، لكن نظام التأشيرات يجب ألا يستغل. ونقلت صحيفة "تليغراف" عن مصدر في الوزارة أن الوزيرة لن تتردد في فرض حظر إضافي.
وتتقاطع ضغوط الداخلية مع هشاشة مالية حادة للجامعات، إذ يتوقع مكتب الطلاب أن تسجل 45 في المئة من هذه المؤسسات عجزاً في العام الدراسي الحالي، و41 في المئة في عام 2026-2027. ويسهم الطلاب الدوليون، بحسب معهد سياسات التعليم العالي، بأكثر من 10 مليارات جنيه استرليني من الرسوم في الجامعات الإنجليزية، أي نحو 4.50 جنيه من كل 10 جنيهات من دخل الرسوم. ويضاف إلى ذلك رسم قدره 925 جنيهاً عن كل طالب دولي يفرض على مؤسسات التعليم العالي بدءاً من العام الدراسي 2028-2029. وحذرت الرئيسة التنفيذية لتحالف "يونيفرسيتي ألاينس" فانيسا ويلسون من أن ما يجري سيقود إلى إعادة هيكلة تعني حتماً خسارة وظائف وإغلاق برامج ومنشآت جامعية.
ويحذر البروفيسور ستيفن ماكغواير من أن الجامعات قد تضاعف رهانها على الصين والهند حيث نسب الرفض أدنى، إن بقيت وزارة الداخلية ثابتة على نهجها في تقييد تأشيرات الدول الأخرى. المفارقة أن الحكومة تقيس نجاحها بانخفاض نسب الرفض، والجامعات تحقق هذا الانخفاض بأن ترفض هي أولاً. الرقم يتحسن على الورق، أما الطالب المستبعد فلا يظهر في أي إحصاء للهجرة إلى المملكة المتحدة أو الدراسة في جامعاتها.