ملخص
لم تكن سلوى تتوقع أكثر من بعض المواساة، لكنها خلال ساعات وجدت نفسها وسط سيل من المشاركات والتعليقات والرسائل الخاصة، إذ أعادت صفحات محلية نشر صورة ابنها المفقود، وتناقل ناشطون بياناته، في حين أشار أحد المتفاعلين إلى أنه شاهده في مركز إيواء موقت، ليأتي بعد أقل من 24 ساعة الاتصال الذي أنهى أيام القلق: محمد على قيد الحياة.
لم يكن أمام المواطنة السودانية سلوى العاقب سوى هاتف بشاشة متشققة وصورة لابنها محمد التقطت قبل أيام من اختفائه في ظروف غامضة من دون التوصل إلى أية معلومة رسمية عن مكانه.
طرقت سلوى كل الأبواب بحثاً عن ابنها، وسألت في المستشفيات ونقاط التفتيش، لكنها لم تجد أي خبر عنه، وكان الخيار الأخير أمامها أن تكتب منشوراً على منصة "فيسبوك"، حيث صاغت الكلمات بحذر، وأرفقت صورته مع المنشور، وذكرت آخر موقع شوهد فيه.
ولم تكن سلوى تتوقع أكثر من بعض المواساة، لكنها خلال ساعات وجدت نفسها وسط سيل من المشاركات والتعليقات والرسائل الخاصة، إذ أعادت صفحات محلية نشر صورة ابنها المفقود، وتناقل ناشطون بياناته، في حين أشار أحد المتفاعلين إلى أنه شاهده في مركز إيواء موقت، ليأتي بعد أقل من 24 ساعة الاتصال الذي أنهى أيام القلق: محمد على قيد الحياة.
قصة هذه العائلة ليست استثناء. فمنذ اندلاع المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" منذ نحو ثلاثة أعوام تحولت منصات التواصل الاجتماعي من مساحة للتفاعل اليومي إلى بنية بحث وتوثيق وإنقاذ موازية، في ظل تعثر القنوات الرسمية أو غيابها، وأصبح المنشور في بعض الحالات أقرب إلى بلاغ طوارئ مفتوح.
لكن الوجه الآخر للصورة لا يقل تعقيداً، فالمساحة ذاتها التي تنقذ مفقوداً أو تنسق الإغاثة ميدانياً، قد تغرق مدينة في إشاعة، إذ تصاعد خطر التضليل عبر هذه المواقع، وباتت المنصات ساحة موازية تعيد تشكيل الذاكرة والحقيقة معاً.
بلاغ مفتوح
محمود إلياس، أحد مديري الصفحات التطوعية، قال إن "البحث عن المفقودين في زمن الحرب لم يعد حكراً على البلاغات الرسمية أو القنوات الأمنية. ففي كثير من الحالات يبدأ المسار بمنشور على (فيسبوك) يتضمن صورة، والاسم ثلاثياً، وآخر موقع شوهد فيه الشخص، ورقم هاتف للتواصل. هكذا تتشكل (استمارة بحث) غير رسمية تنتشر بسرعة تفوق أحياناً آليات الدولة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتابع إلياس "تعتمد فاعلية هذه المنشورات على منطق الانتشار الشبكي، فكل مشاركة تعني دائرة أوسع من الاحتمالات. ففي مجتمعات مترابطة جغرافياً يمكن لتعليق واحد أن يغير مسار البحث بالكامل، وباتت صفحات الأحياء، والمجموعات المحلية، والحسابات التطوعية، تؤدي دور الوسيط بين المعلومة وصاحبها". ويضيف "تلقينا خلال الأشهر الماضية عشرات البلاغات يومياً، على رغم تأكيدنا أننا لسنا جهة رسمية، ولكن نحاول تنظيم المعلومات، حيث نطلب صورة واضحة، وتاريخ الاختفاء، وأية علامة مميزة للمفقود. وأحياناً خلال ساعات تأتينا إفادة من شخص رآه في مركز إيواء أو مستشفى".
ويستطرد أن "سرعة الاستجابة ترتبط بوضوح البيانات، فأكبر مشكلة تكون في المنشورات العاطفية من دون تفاصيل، لكن عندما تكون المعلومات دقيقة فإن احتمالية الوصول تزيد بصورة أكبر".
ويرى إلياس أن "هذا الدور لا يخلو من تحديات. فغياب التحقق المهني قد يؤدي إلى تداول معلومات غير مكتملة، أو نشر صور قديمة على أنها حديثة. ومع ذلك، تشير تجارب متعددة إلى أن المنصة تحولت فعلياً إلى مساحة بحث جماعي، حيث يتكامل الجهد الفردي مع التضامن المجتمعي".
تنسيق ميداني
في ظل تعطل قنوات الإغاثة الرسمية وانقطاع الاتصالات في مناطق واسعة تحولت مجموعات "واتساب" إلى منصات تنسيق ميداني تؤدي أدواراً تتجاوز طبيعة التطبيق الأصلية، إذ لم تعد الرسائل المتبادلة اجتماعية الطابع، بل أصبحت وسيلة لإدارة تحركات، وتحديد مواقع آمنة، وتأمين حاجات عاجلة في توقيت حرج.
نسرين طارق متطوعة تعمل ضمن شبكة إغاثة أهلية، توضح أن "المجموعة أصبحت بمثابة غرفة عمليات مصغرة. عندما ترد إلينا حالة طارئة يعلن عنها فوراً داخل المجموعة، ويتولى أحد الأعضاء القريبين من الموقع المتابعة الميدانية. ففي إحدى المرات تمكنا من توفير أسطوانة أوكسجين لطفل خلال أقل من ساعة، فقط لأن المعلومة وصلت إلى الشخص المناسب في الوقت المناسب".
وتضيف نسرين "ميزة التطبيق تكمن في السرعة وسهولة الوصول، لكننا نحرص على التحقق من المعلومات قبل إعادة نشرها، لأن أي خطأ قد يسبب ارتباكاً أو خطراً، غير أن هذا النموذج، على رغم فاعليته، يظل هشاً. فالتدفق الكثيف للمعلومات قد يؤدي إلى تضارب الروايات، إضافة إلى أن تداول مواقع حساسة من دون ضوابط قد يعرض المدنيين لأخطار إضافية. لذلك اتجهت بعض المجموعات إلى فرض قواعد داخلية كحصر النشر على المشرفين، أو منع إعادة توجيه الرسائل خارج الإطار المحدد".
حرب معلومات
بموازاة الدور الإنساني الذي أدته المنصات الرقمية، برز وجه آخر أكثر تعقيداً، وهو تدفق هائل للمعلومات غير الموثقة، والصور المعاد تدويرها، والمقاطع المفبركة، في بيئة يسودها الخوف والارتباك، لتصبح الشائعة أسرع من التصحيح، وتتحول المنصة إلى ساحة حرب موازية.
الباحث في التحقق الرقمي توفيق عبدالله أوضح أنه "على منصات مثل (إكس) و(تويتر) انتشرت مقاطع قديمة نسبت إلى أحداث راهنة، وصور من نزاعات أخرى أعيد تقديمها باعتبارها من الداخل. وفي كثير من الأحيان حصدت هذه المواد آلاف المشاركات قبل أن يكشف زيفها، إذ ظللنا نرصد يومياً عشرات الحالات لمحتوى مُعاد استخدامه خارج سياقه، لكن أخطر ما في الأمر أن الصورة الصادمة تسبق عملية التحقق، وعندما ينشر التصحيح يكون التأثير قد حدث بالفعل".
ويتابع "التضليل لا يقتصر على الحسابات الوهمية، بل يشمل أحياناً مستخدمين عاديين يشاركون المحتوى بحسن نية، فسرعة التداول تضاعف من حجم الضرر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمعلومات عن تحركات عسكرية أو أوضاع إنسانية حساسة".
ويواصل عبدالله "هذا الواقع يطرح إشكالية مزدوجة عن كيفية الحفاظ على انسياب المعلومات الضرورية في أوقات الطوارئ من دون فتح الباب أمام الفوضى المعلوماتية، فالمساحة التي أنقذت مفقودين وأسهمت في تنسيق الإغاثة يمكن أن تتحول، بالقدر ذاته، إلى أداة لبث الذعر أو توجيه الرأي العام في زمن الحرب، إذ لم تعد المعركة على الأرض وحدها، بل امتدت إلى الشاشات الصغيرة حيث تتقاطع الحقيقة مع الرواية، وتصبح كل مشاركة احتمالاً للإنقاذ أو للتضليل".
توثيق يومي
في الحروب السابقة كانت الذاكرة تكتب بعد انتهائها. أما اليوم فهي تبث مباشرة، إذ تحولت المنصات الرقمية إلى مساحة توثيق فوري يسجل فيها الأفراد تفاصيل النزوح، ولحظات القصف، وأحاديث الملاجئ، بالصوت والصورة والنص.
ثويبة مصطفى، الناشطة في مجال التوثيق المجتمعي، تقول "نحن لا نملك كاميرات احترافية ولا فرق تصوير، لكن لدينا هواتفنا. ما ننشره اليوم قد يكون غداً دليلاً على ما حدث. لذلك نحاول قدر الإمكان أن نذكر التاريخ والمكان بوضوح". وتضيف "التوثيق ليس رفاهية بل مسؤولية. في ظل تضارب الروايات تصبح الشهادة الفردية جزءاً من الذاكرة الجماعية، غير أن هذا التوثيق يواجه تحديات أخلاقية وأمنية. فإظهار الوجوه أو تحديد المواقع بدقة قد يعرض أصحابها للخطر، فضلاً عن أن الضغط النفسي الناتج من إعادة مشاهدة الأحداث ونشرها يترك أثراً على الموثقين أنفسهم". وتتابع "بدأنا بجمع المنشورات المتفرقة في ملف واحد، كنا نخشى أن تضيع الحالات في زحام الأخبار، لذلك أنشأنا أرشيفاً رقمياً يتضمن الاسم، والصورة، وتاريخ الاختفاء، وأي تحديث لاحق".
وتوضح أن "الهدف يتجاوز النشر اللحظي، فليس كل مفقود يعثر عليه بسرعة، هناك بعض الحالات تحتاج إلى متابعة طويلة. ووجود سجل موثق يساعد الأسر على عدم البدء من الصفر في كل مرة، ويسهل التواصل مع الجهات الحقوقية لاحقاً". ومضت في القول "نطلب من العائلات ذكر تفاصيل دقيقة، لأن التوثيق غير المكتمل قد يعرقل البحث. وفي الوقت نفسه نراعي خصوصية الأسر، فلا ننشر معلومات حساسة قد تعرض الشخص للخطر".