ملخص
استخدام الأراضي الإثيوبية كنقطة انطلاق للعمليات الجوية، أو كعمق لوجيستي محتمل لإيصال الدعم إلى قوات "الدعم السريع"، يعني عملياً أن الصراع السوداني الذي اتسم بتراكم الأزمات في بيئة إقليمية متوترة، أصبح ساحة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الحسابات الأمنية والمصالح الدولية. ومستقبل الأزمة بين إثيوبيا والسودان لن يتحدد فقط على الحدود بين البلدين، بل في الهندسة الاستراتيجية الأوسع للقرن الأفريقي.
تعكس الاتهامات السودانية الأخيرة لإثيوبيا بالسماح بانطلاق طائرات مسيرة من داخل أراضيها لضرب أهداف في العمق السوداني انزلاقاً تدريجاً في طبيعة التفاعلات بين البلدين، من توتر حدودي تقليدي إلى مستوى أعمق من الانتظام غير المباشر في صراع داخلي معقد.
وأعلنت الحكومة السودانية الإثنين الماضي أنها رصدت خلال فبراير (شباط) وبداية مارس (آذار) الجاري دخول طائرات مسيرة إلى مجالها الجوي انطلقت من داخل الأراضي الإثيوبية واستهدفت مواقع داخل السودان، ووصفت هذه العمليات بأنها انتهاك صارخ للسيادة وعدوان مباشر على الدولة، كما حذرت الخرطوم من أن استمرار هذه الأنشطة قد يفضي إلى تداعيات خطرة، مؤكدة احتفاظها في حق الرد والدفاع عن أراضيها وفق قواعد القانون الدولي.
ورفضت إثيوبيا هذه الاتهامات واعتبرتها غير صحيحة. وأكدت موقفها الرسمي أنها محايدة في الصراع السوداني. وكان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قام بزيارة لبورتسودان في يوليو (تموز) العام الماضي والتقى رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان، وسط التوتر بين الجيش وقوات "الدعم السريع" واتهامات لإثيوبيا بالانحياز لـ"الدعم السريع"، مما يعكس ديناميات معقدة وحساسة في العلاقة السودانية - الإثيوبية.
في هذا السياق، وما تشهده مناطق جنوب شرقي السودان، ولا سيما إقليم النيل الأزرق المتاخم لإثيوبيا، من تحركات عسكرية وتجمعات لقوات مرتبطة بالصراع، يثير المخاوف من تحول الحدود المشتركة إلى مسرح جديد للتنافس العسكري واللوجيستي.
وعليه، فإن الاتهامات السودانية الأخيرة تمثل لحظة مفصلية في مسار العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا. فهي لا تعكس فقط تصاعداً في التوترات القائمة أصلاً، بل توحي أيضاً بتحول أوسع في موقع إثيوبيا داخل معادلة الصراع السوداني، من جار متأثر بتداعيات الحرب إلى فاعل محتمل في دينامياتها. وإذا لم يحتوِ هذا المسار سريعاً، فإن المنطقة قد تجد نفسها أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التوازنات في القرن الأفريقي، حيث تصبح حدود الدول أقل صلابة من شبكات النفوذ التي تتحرك عبرها.
نزعة قومية
منذ عهد الإمبراطور منليك الثاني الذي وقع اتفاقية الحدود مع بريطانيا عام 1902، مروراً بعهد هيلا سيلاسي، ظلت أديس أبابا ترى نفسها مركزاً تاريخياً لقوة إقليمية في الهضبة الحبشية. هذا الإرث الإمبراطوري لم يختفِ حتى بعد سقوط الملكية عام 1974 وصعود نظام "الدرغ" العسكري الماركسي، بل بقي حاضراً في تصور النخب الإثيوبية لدور بلادها بوصفها القوة الطبيعية في القرن الأفريقي، وحتى التكوينات الإثنية التي صعدت إلى الحكم في مراحل مختلفة تبنت بدرجات متفاوتة هذا التصور، وتعاقب إثنيات "الأمهرا"، ثم "تيغراي"، ثم "الأورومو" على قمة السلطة لم يلغ الفكرة المركزية لدور إثيوبيا الإقليمي، بل أعاد إنتاجها بصور مختلفة، بحيث بقيت فكرة "القوة الطبيعية في القرن الأفريقي" جزءاً ثابتاً من المخيال الاستراتيجي للنخب الحاكمة، مهما اختلفت خلفياتها الإثنية أو شعاراتها السياسية.
في المقابل، تشكل السودان كدولة حدودية متعددة الهويات، ورثت خطوطها السياسية عن الإدارة الاستعمارية البريطانية. وبخلاف إثيوبيا لم تتطور في الخرطوم عقيدة توسعية إقليمية، بل انشغلت الدولة السودانية غالباً بإدارة التوازنات الداخلية المعقدة بين الأقاليم والهويات، مما جعل سياستها الخارجية تميل إلى الدفاع عن الحدود القائمة أكثر من السعي إلى تعديلها.
برزت الفجوة الاستراتيجية بوضوح خلال أزمات متكررة، ففي ستينيات وسبعينيات القرن الماضي دعمت إثيوبيا تمرد جنوب السودان، بينما استضافت الخرطوم معارضين إريتريين، ثم تصاعد التوتر عام 1995 عقب محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا، واتهام نظام عمر البشير، أعقبها تراجع الوجود السوداني في الفشقة.
ومع صعود آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 بدا للوهلة الأولى أن إثيوبيا تتجه إلى خطاب إصلاحي تصالحي، لكن التطورات اللاحقة كشفت عن نزعة قومية متصاعدة داخل السياسة الإثيوبية، فقد تحول مشروع سد النهضة إلى رمز للسيادة الوطنية، فيما غذت حرب "تيغراي" منذ عام 2020 نزعة تعبئة قومية داخلية. وهذا ما يوضحه خطاب آبي أحمد حول "استعادة مكانة إثيوبيا"، الذي يعكس تصوراً لدور إقليمي أكثر حزماً، وإن لم يصل إلى مشروع إمبراطوري صريح.
انسداد استراتيجي
تبدو العلاقات السودانية - الإثيوبية اليوم وكأنها بلغت مرحلة يمكن وصفها بـ"الانسداد الاستراتيجي"، حال تتراكم فيها الخلافات من دون آليات فعالة لتسويتها، بينما تتداخل مع أزمات إقليمية أخرى فتفقد الدبلوماسية قدرتها على احتواء التوتر. جاءت الأحداث الأخيرة لتعقد المشهد المتأزم، فبالنسبة إلى القيادة السودانية، لا يمثل الأمر حادثاً أمنياً محدوداً بقدر ما يشير إلى انتظام غير مباشر لإثيوبيا في ديناميات الحرب السودانية، أو في الأقل إلى تساهل يسمح باستخدام أراضيها كعمق لوجيستي في صراع داخلي بات مفتوحاً على التأثيرات الخارجية.
غير أن هذه الحادثة لا يمكن فهمها بمعزل عن شبكة أوسع من التوترات التي تحيط بالعلاقة بين البلدين. فالنزاع الحدودي في الفشقة لا يزال من دون تسوية نهائية على رغم استعادة الجيش السوداني معظم المنطقة في أواخر عام 2020، بينما بقيت قضية سد النهضة تمثل نقطة احتكاك استراتيجية بين أديس أبابا من جهة والسودان ومصر من جهة أخرى. وقد أدى تداخل هذين الملفين إلى تحويل الحدود السودانية - الإثيوبية إلى جبهة توتر دائمة تجمع بين النزاع على الأرض والنزاع على الموارد.
ويزداد المشهد تعقيداً بفعل التحولات الجيوسياسية الأوسع في القرن الأفريقي. فالحرب في السودان نفسها أعادت رسم خطوط النفوذ الإقليمي، بينما أثارت مذكرة التفاهم التي وقعتها إثيوبيا مع أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) عام 2024 للحصول على منفذ بحري قلقاً واسعاً في المنطقة، إذ فسرت لدى بعض جيرانها كإشارة إلى طموح استراتيجي يتجاوز حدودها البرية التقليدية. ومع تزايد عسكرة الحدود وتصاعد الخطابات القومية داخل إثيوبيا والسودان على حد سواء، أصبحت أية حادثة أمنية صغيرة قادرة على التحول إلى أزمة سياسية أوسع.
هكذا، تبدو العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا اليوم أسيرة معادلة معقدة، ونزاع حدودي غير محسوم، وأزمة مائية إقليمية، وحرب داخلية سودانية مفتوحة، وطموحات جيوسياسية إثيوبية تتقاطع مع حساسيات جيرانها. وفي ظل هذا التداخل، لم يعد التوتر بين البلدين مجرد خلاف ثنائي، بل جزءاً من مشهد إقليمي أكبر تتحدد فيه موازين القوة في القرن الأفريقي لعقد قادم في الأقل.
ضغوط متفاوتة
يواجه آبي أحمد مجموعة من الضغوط الداخلية والإقليمية التي تضيق هامش المناورة أمامه، وتنعكس بصورة غير مباشرة على طبيعة العلاقة المتوترة مع السودان. أولاً، تشكل الأزمة الأمنية الداخلية أحد أبرز هذه الضغوط، ولا سيما التمرد المسلح الذي تقوده ميليشيات "فانو" في إقليم أمهرا، فاستمرار المواجهات بين القوات الفيدرالية وهذه الميليشيات يستنزف قدرات الدولة العسكرية والاقتصادية، ويزيد من هشاشة الوضع السياسي في أديس أبابا، وفي ظل هذا الضغط الداخلي، قد تميل الحكومة الإثيوبية إلى تبني مواقف أكثر تشدداً في الملفات الخارجية، في محاولة لتعزيز التماسك الداخلي وإظهار الحزم على المستوى الإقليمي.
ثانياً، يواجه أحمد ضغوطاً إقليمية متزايدة، فاستمرار الخلاف مع كل من مصر والسودان حول سد النهضة، إلى جانب التنافس الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، يضع إثيوبيا في بيئة سياسية وأمنية معقدة. وفي هذا السياق، يمكن أن تتحول هذه الضغوط إلى عامل إضافي يغذي التوتر مع السودان، خصوصاً إذا رأت أديس أبابا أن أي تنازل في الملفات الإقليمية قد يفسر داخلياً بوصفه ضعفاً في لحظة تواجه فيها تحديات داخلية متعددة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ثالثاً، بروز الحضور الإسرائيلي المتنامي في القرن الأفريقي، فتعميق العلاقات بين أديس أبابا وإسرائيل لا يقرأ في الخرطوم بمعزل عن ملف سد النهضة، الذي يشكل أصلاً بؤرة خلاف إقليمي. ومع تداول تقارير عن مشاركة خبراء إسرائيليين في مجالات تقنية مرتبطة بالمياه أو الأمن، تتزايد المخاوف السودانية من أن يتحول الدعم الخارجي إلى عنصر يعزز الموقف الإثيوبي التفاوضي ويقلص فرص التوصل إلى ترتيبات ملزمة حول تشغيل السد. وفي مناخ إقليمي تتشابك فيه حسابات الأمن المائي مع صراعات النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، يصبح أي انتظام دولي إضافي في إثيوبيا عاملاً قابلاً للتسييس والتأويل، ما يعمق عدم الثقة بين الخرطوم وأديس أبابا ويزيد من هشاشة التوازنات القائمة بينهما.
رابعاً، تحول السودان تدريجاً إلى ما يشبه "الجبهة الخلفية" في الصراع غير المعلن بين أديس أبابا وإريتريا، فالتنافس بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي لا يدور فقط على الحدود، بل يمتد أيضاً إلى محاولة كل طرف إعادة تشكيل البيئة الأمنية في جواره المباشر. بالنسبة إلى إثيوبيا، تمثل الخرطوم عمقاً استراتيجياً يجب تحييده أو في الأقل منع تحوله إلى منصة نفوذ لإريتريا أو لمصر. أما بالنسبة إلى أسمرا، فإن توطيد العلاقة مع المؤسسة العسكرية السودانية يتيح لها خلق هامش ضغط على إثيوبيا من خاصرتها الغربية.
سيناريوهات محتملة
تدخل العلاقات السودانية - الإثيوبية مرحلة شديدة الحساسية من تراكم عوامل الصدام من دون أن تبلغ بعد عتبة الحرب المباشرة، لكنها في الوقت ذاته تفقد تدريجاً أدوات الاحتواء التقليدية.
يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات، الأول، قد تتجه الأزمة إلى احتواء محدود تقوده ضغوط إقليمية ودولية، مع احتمال عودة الوساطة الأميركية في ملف سد النهضة ومحاولات جمع قادة مصر والسودان وإثيوبيا في إطار تفاوضي جديد. في هذا السيناريو قد يجري فصل الملفات، تهدئة موقتة في قضية السد عبر ترتيبات تقنية أو تفاهمات غير مكتوبة حول تبادل البيانات المائية، مقابل بقاء التوتر السوداني - الإثيوبي في مستوى منخفض من التصعيد، غير أن هذه التهدئة ستكون تكتيكية أكثر منها استراتيجية، لأن جذور الخلاف، الحدود والسد والحرب السودانية، ستظل من دون تسوية حقيقية.
السيناريو الثاني، وهو الاحتمال الأكثر واقعية يتمثل في توسع نمط الصراع غير المباشر، فالحرب السودانية التي دخلت عامها الثالث واستقطبت دعماً خارجياً من أطراف عدة قد تتحول إلى ساحة تنافس إقليمي أوسع. في هذا السياق قد تتكثف الاتهامات المتبادلة في شأن دعم الميليشيات أو تسهيل الإمدادات العسكرية عبر الحدود، خصوصاً في مناطق مثل النيل الأزرق وبني شنقول. ومع استمرار عسكرة الفشقة وتعاظم الحساسية حول سد النهضة، قد تتحول الحدود إلى مسرح اشتباكات محدودة أو عمليات عسكرية غير معلنة، من دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أما السيناريو الثالث، فإنه على المدى البعيد سيظل مسار الأزمة مرتبطاً بتحولات أوسع في القرن الأفريقي. فطموحات إثيوبيا الجيوسياسية، سواء في قضية سد النهضة أم في سعيها إلى الحصول على منفذ بحري، تتقاطع مع مصالح مصر وإريتريا والصومال، بينما يعاني السودان نفسه هشاشة داخلية عميقة. في هذا السياق قد ينشأ نظام توازنات إقليمية جديد، محور يضم السودان ومصر، وربما إريتريا، لموازنة النفوذ الإثيوبي، مقابل شبكة تحالفات أخرى تحاول احتواء هذا التكتل.
يبدو أن مستقبل الأزمة بين إثيوبيا والسودان لن يتحدد فقط على الحدود بين البلدين وأزمة الصراع السوداني، بل في الهندسة الاستراتيجية الأوسع للقرن الأفريقي. فإما أن تتحول هذه التوترات إلى فرصة لإعادة صياغة قواعد التعاون حول المياه والحدود والتكامل الاقتصادي، أو أن تنزلق المنطقة تدريجاً إلى نمط صراع طويل منخفض الحدة يعيد رسم خرائط النفوذ في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.