ملخص
يقف المشهد السياسي السوداني عند مفترق ثلاثي، عسكرة جزئية للقوى المدنية، أو إعادة تشكل مدني بطيء، أو استمرار الفراغ بما يحمله من إعادة تشكيل عميقة للدولة والمجتمع، والاتجاه النهائي لن تحدده النوايا، بل ميزان القوة والزمن المؤسسي.
منذ سقوط نظام عمر البشير عام 2019، دخل السودان مرحلة انتقالية بدت في ظاهرها لحظة انفتاح تاريخي، لكنها في جوهرها كشفت عن هشاشة عميقة في بنية الدولة وتوازنات السلطة، فقد أتاح الحراك الشعبي فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، غير أن هذا الانتقال لم يتأسس على توافق استراتيجي مستقر بقدر ما قام على تسوية اضطرارية بين أطراف متنافسة، حملت في داخلها بذور التعثر منذ اللحظة الأولى، وبين آمال التحول الديمقراطي ووقائع الصراع على النفوذ، أخذ المشهد السياسي السوداني يتجه تدريجاً نحو إعادة إنتاج أزمات الحكم المزمنة.
اتسمت المرحلة الانتقالية بتعقيد مزدوج، من جهة، سعت القوى المدنية إلى تثبيت مسار ديمقراطي سريع في ظل مؤسسات ضعيفة واقتصاد منهك، ومن جهة أخرى، حافظت النخب العسكرية والأمنية على موقعها كفاعل حاسم في تحديد مسار السلطة، ومع غياب الثقة المتبادلة وتفتت التحالفات الحزبية، تحول الانتقال المدني- العسكري إلى ساحة تنافس مفتوح، حيث غلب منطق الموازنة بين القوى على منطق بناء المؤسسات. وبدلاً من نشوء نظام سياسي توافقي، تصاعد الاستقطاب بين الفاعلين السياسيين، وانقسمت القوى المدنية نفسها حول أولويات الانتقال، ما أضعف قدرتها على فرض رؤية مشتركة لإدارة الدولة.
أدى اندلاع الحرب بين القوات المسلحة السودانية وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل (نيسان) 2023 إلى نقطة تحول حاسمة، إذ لم يعد الصراع مجرد أزمة انتقال سياسي، بل تحول إلى صراع وجودي أعاد عسكرة المجال العام وأغلق المساحات المدنية التي نشأت عقب الاحتجاجات، فقد انكمش الفضاء السياسي السلمي، وتراجعت المبادرات المدنية أمام منطق القوة، بينما وجدت الأحزاب نفسها إما مهمشة أو منخرطة في اصطفافات فرضتها ضرورات البقاء، وهكذا، أعادت الحرب تشكيل المجال السياسي على أسس أمنية، إذ أصبح الفاعل المسلح هو المحدد الأساسي لمسارات السلطة.
ولا يمكن تفسير تصاعد العنف السياسي في السودان بالثقافة أو التقاليد وحدها، بل يرتبط أساساً بحسابات استراتيجية تتخذها النخب داخل نظام حزبي غير مستقر، تتبدل فيه التحالفات بسرعة وتغيب عنه الضمانات المؤسسية، فالعنف، في هذا السياق، أصبح أداة لإعادة توزيع القوة حين تفشل الآليات السياسية في إدارة الصراع. غير أن آثار هذا العنف تتجاوز لحظة وقوعه، إذ أدى إلى تقويض الثقة في فكرة الديمقراطية ذاتها، وعمق الخسائر الاقتصادية والاجتماعية التي يتحملها السودانيون، كذلك أضعف القواعد الشعبية للأحزاب التي تجد نفسها عاجزة عن تقديم بدائل مستقرة، وبذلك، تحول العنف من وسيلة تكتيكية قصيرة المدى إلى عامل بنيوي يهدد إمكان قيام نظام سياسي مستدام في السودان.
حسابات النخب
منذ استقلال السودان عام 1956، لم تكن العلاقة بين المعارضة المدنية والقوة المسلحة في السودان علاقة طارئة، بل نمط تاريخي ظل يتكرر كلما أُغلق المجال السياسي. فالسودان، تشكل داخل دورة متعاقبة من الانقلابات والانتفاضات، إذ تتحول السياسة تدريجاً من التنافس البرلماني إلى صراع على احتكار أدوات العنف، فمنذ انقلاب 1958 الذي أنهى أول تجربة ديمقراطية قصيرة، ثم انقلاب 1969 بقيادة جعفر النميري، وصولاً إلى انقلاب 1989 الذي أوصل البشير إلى السلطة، أصبح الجيش ليس مجرد مؤسسة حامية للنظام بل فاعلاً سياسياً مركزياً يعيد تعريف قواعد اللعبة كل عقد تقريباً إما بانقلاب أو محاولة انقلابية فاشلة.
في هذه البيئة، تطورت ثقافة سياسية تقوم على الشك في جدوى العمل المدني وحده، فالمعارضة خلال حكم النميري، خصوصاً بعد قمع انتفاضات السبعينيات، بدأت في البحث عن حواضن عسكرية خارج الدولة، وظهرت تحالفات بين أحزاب تقليدية وقوى مسلحة في الأطراف، ومع انقلاب البشير عام 1989 وإغلاق المجال السياسي بالكامل، انتقل جزء كبير من المعارضة إلى الخارج، خصوصاً إلى إريتريا، حيث تشكلت تنظيمات مسلحة أبرزها "جيش التحالف السوداني"، في محاولة لخلق توازن قوة مع النظام بعد فشل الضغوط السلمية.
خلال التسعينيات والألفية الجديدة، تعمق هذا المسار مع صعود الحركات المسلحة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وصولاً إلى تشكيل "الجبهة الثورية السودانية" التي جمعت قوى متمردة بهدف إسقاط نظام البشير بالقوة، وهو ما عكس انتقال المعارضة من الاحتجاج السياسي إلى منطق التحالف العسكري الواسع.
في الوقت نفسه، ظلت الأحزاب الطائفية، كالأمة والاتحادي، لاعباً مزدوجاً، فهي من جهة تدافع عن الشرعية المدنية، ومن جهة أخرى تضطر للتقاطع مع الفاعلين المسلحين لضمان البقاء داخل معادلة القوة.
تراكمت آثار الحرب الأهلية بين شمال وجنوب السودان ثم نزاع دارفور، لتُعيد تشكيل الوعي السياسي ذاته، فاستمرار الصراع المسلح لعقود رسّخ فكرة أن القوة وسيلة تفاوض مشروعة، وأن التسويات السياسية غالباً ما تُفرض بعد توازن عسكري لا عبر صناديق الاقتراع، ومع كل انقلاب أو حرب، كانت الأحزاب تفقد جزءاً من قواعدها المدنية، بينما تكتسب الحركات المسلحة شرعية تفاوضية متزايدة، لذلك، فإن تحول بعض القوى المدنية نحو أدوات ضغط أكثر حدة بعد 2019 لم يكن انقطاعاً عن الماضي، بل امتداداً لمسار تاريخي طويل طُبّعت فيه السياسة مع العنف، فالعنف في السودان لا يُفسَّر بالثقافة أو الهويات فقط، بل هو نتيجة حسابات نخب تعمل داخل نظام حزبي هش، إذ يصبح السلاح، في لحظات الانسداد، بديلاً عن السياسة لا استثناءً منها.
تحولات عميقة
شكلت انتفاضة ديسمبر (كانون الأول) 2018 لحظة استثنائية في التاريخ السياسي السوداني، إذ أعادت، للمرة الأولى منذ عقود، الاعتبار لفكرة التغيير السلمي. فقد برزت لجان المقاومة كشبكات أفقية قاعدية، أقرب إلى ما وصفه منظرو التحولات الديمقراطية بــ"السياسة من أسفل"، إذ اعتمدت على التنظيم المحلي، والتعبئة المجتمعية، وشعار السلمية كوسيلة استراتيجية لنزع شرعية العنف الرسمي، ولم تكن السلمية هنا مجرد خيار أخلاقي، بل حساباً عقلانياً أدرك أن تفوق الدولة العسكري يجعل المواجهة المسلحة انتحاراً سياسياً، وأن الضغط الجماهيري المستمر هو الطريق الأكثر كلفة للنظام والأقل كلفة للمجتمع.
غير أن نجاح الحراك في إسقاط النظام لم يترافق مع بناء مركز سياسي مدني موحد، فقد وجدت "قوى الحرية والتغيير" نفسها أمام معضلة كلاسيكية في مراحل الانتقال، كيف يمكن تقاسم السلطة مع مؤسسة عسكرية لم تُهزم فعلياً؟ أدى ذلك إلى تسوية هجينة جمعت المدنيين والعسكريين، لكنها أبقت ميزان القوة مختلاً، ومع تصاعد الخلافات داخل التحالف المدني نفسه، انقسمت النخب بين تيارات براغماتية قبلت الشراكة مع العسكر، وأخرى رأت فيها إعادة إنتاج للسلطوية، ما أضعف القدرة على حماية المسار الانتقالي.
اندلاع الحرب لاحقاً فرض تحولات عميقة على أدوات العمل السياسي المدني، فقد انكمش المجال العام، وتراجعت الاحتجاجات السلمية أمام منطق البقاء، وبدأت بعض القوى المدنية تبحث عن حماية سياسية أو عسكرية عبر تحالفات جديدة، مثل "صمود" و"تأسيس" و"الكتلة الديمقراطية"، هذه التحولات جاءت كنتيجة إلى أن السياسة في زمن الحرب تُدار عبر موازين القوة، لكنها في الوقت ذاته أثارت رفضاً واسعاً داخل المجتمع السوداني الذي يرى في عسكرة السياسة سبباً رئيسياً لانهيار الدولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في المقابل، لعبت النقابات المهنية والمبادرات المجتمعية دوراً متزايداً في الحفاظ على ما تبقى من المجال المدني، عبر مبادرات الإغاثة، والوساطة المجتمعية، ومحاولات بناء السلام المحلي، وقد مثلت هذه الشبكات امتداداً لروح لجان المقاومة، وسعت إلى مقاومة الانجرار نحو الاستقطاب المسلح، مؤكدة أن الشرعية السياسية لا تُبنى عبر التحالف مع السلاح بل عبر استعادة الثقة المجتمعية، إلا أن أحد أعمق أزمات المرحلة تمثل في عجز الأحزاب والقوى المدنية عن التعامل بجدية مع ملف العنف السياسي، بما في ذلك الانتهاكات الواسعة المنسوبة لقوات "الدعم السريع"، فقد اقتصرت المواقف غالباً على إدانات لفظية من دون مراجعات تنظيمية أو مواقف حاسمة تعيد تعريف العلاقة مع الفاعلين المسلحين، وهنا انقلب الدور التاريخي للأحزاب، فبدلاً من تنظيم التنافس السلمي، أصبحت في بعض السياقات مظلات سياسية لقوى عنيفة أو أدوات تعبئة للاستقطاب المناطقي والطائفي.
شرعنة العنف
تتقاطع عوامل عدة تدفع الأحزاب والقوى المدنية السودانية تدريجاً إلى تجاوز حدود العمل السلمي إلى شرعنة العنف، العامل الأول يتمثل في انسداد الأفق السياسي وغياب المؤسسات الشرعية، فعندما تغيب انتخابات ذات مصداقية، أو يُعطل الدستور، أو تفشل آليات الوساطة القانونية، تتحول السياسة إلى صراع صفري، في هذه الحالة، تدرك القوى المدنية أن التنازل لا يقود إلى تداول السلطة بل إلى الإقصاء الدائم، ومع تكرار التجارب الانتقالية الفاشلة، تتآكل القناعة بأن المؤسسات قادرة على حماية الفاعلين، فيصبح البحث عن أدوات ضغط خارج الإطار السلمي خياراً عقلانياً في نظر بعض القيادات.
أما انتشار السلاح وتفكك الدولة الأمنية فيمثلان عاملاً حاسماً في خفض كلفة العنف، فاحتكار الدولة للقوة هو الشرط الأساسي لسياسة سلمية مستقرة، وعندما تتعدد مراكز السلاح، يتحول العنف إلى لغة تفاوض موازية، وجود ميليشيات وقوات شبه نظامية يخلق بيئة يشعر فيها الفاعل المدني أن خصومه يمتلكون أدوات حسم قسرية، ما يدفعه إما للتحالف معها أو لمحاولة موازنتها بوسائل مشابهة.
ويتفاقم هذا المسار مع عامل آخر هو الاستقطاب السياسي الحاد وتدخلات الفاعلين الإقليميين، إذ يؤدي الدعم الخارجي، المالي أو السياسي، إلى تعزيز أوهام الحسم السريع، ويضعف الحوافز للتسويات الداخلية، ومع تصاعد الإحباط الشعبي نتيجة الأزمات الاقتصادية الناتجة من الحرب، تتراجع الثقة في جدوى الاحتجاج السلمي، ويبدأ جزء من القواعد الاجتماعية في تبني خطاب أكثر راديكالية يرى أن السلمية لم تحقق سوى إعادة إنتاج الأزمات.
يلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي كعامل مهم أيضاً دوراً مضاعفاً في هذه العملية، فهي لا تنقل الاستقطاب فقط، بل تعيد إنتاجه وتسريعه، وخطاب التخوين ونزع الشرعية عن الخصوم يحول المنافس السياسي إلى تهديد وجودي، وعندما يُصور الصراع بهذه الطريقة يصبح العنف قابلاً للتبرير بوصفه دفاعاً عن الجماعة أو الثورة، وهكذا تنتقل شرعنة العنف من الهامش إلى المجال العام.
غير أن العامل الأكثر عمقاً يكمن في "الاضطراب الحزبي"، فالأحزاب السودانية غير مستقرة تنظيمياً، وتعاني انقسامات متكررة وتقوم على تحالفات موقتة، تفقد قدرتها على التفكير طويل المدى، ففي ظل غياب هياكل راسخة ومسؤولية سياسية مستمرة، ينظر القادة إلى السياسة بمنطق اللحظة لا المستقبل. ومع ضعف توقعات المحاسبة، يصبح العنف أداة منخفضة التكلفة نسبياً، لأنه لا يهدد بقاء مؤسسة حزبية مستقرة قد تدفع الثمن لاحقاً، وهكذا، لا ينتج العنف فقط من الأزمات الأمنية، بل من هشاشة التنظيم السياسي ذاته، حين تتحول الأحزاب من مؤسسات لضبط الصراع إلى فاعلين يعيشون داخله بلا قواعد ثابتة.
سيناريوهات محتملة
يمكن فهم المشهد السياسي الراهن في السودان بوصفه لحظة انتقال غير محسومة بين انهيار النظام القديم وعدم تشكل بديل مستقر، فالصراع لم يعد مجرد تنازع سلطوي، بل يمكن أن يؤدى إلى عدة سيناريوهات، الأول، احتمال انجراف بعض القوى المدنية نحو التحالفات المسلحة يزداد كلما طال أمد الحرب وتراجعت قدرة الفاعلين المدنيين على التأثير السياسي.
الدروس المستفادة من حروب السودان تشير إلى أن الحركات المدنية، عندما تُستبعد من مسارات التفاوض أو تُستنزف تنظيمياً، تميل إلى البحث عن "حماية قسرية" عبر الارتباط بقوى مسلحة، كوسيلة للبقاء السياسي، وقد أدى استمرار الحرب إلى تآكل استقلالية قوى مدنية عدة وفتح المجال أمام اصطفافات تكتيكية مع أطراف عسكرية توفر النفوذ أو الموارد، هذا المسار يشبه ما يوصف بـ"انزلاق الضرورة"، إذ تتحول الخيارات الموقتة إلى وقائع دائمة.
السيناريو الثاني، إمكانية إعادة بناء كتلة مدنية سلمية موحدة تظل قائمة لكنها مشروطة، فالكتلة المدنية تحتاج إلى سردية جامعة وبرنامج اقتصادي واقعي، الأزمة الأخيرة بينت أن الانقسامات التنظيمية والتنافس على الشرعية الدولية أضعفا القدرة على إنتاج مركز سياسي موحد، على رغم استمرار وجود قاعدة اجتماعية واسعة تفضل الحل المدني. هنا يبرز عامل الزمن، كلما طال الصراع، ازدادت كلفة إعادة بناء الثقة بين المكونات المدنية.
والثالث، خطر استمرار الفراغ السياسي وتفكك المجال المدني هو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى المتوسط، ففي ظل عدم الاستقرار السياسي، عندما تنهار المؤسسات أسرع من قدرة القوى الاجتماعية على التنظيم، ينشأ فراغ تملؤه شبكات محلية وهويات جزئية. وهذا ما ثبت من أن تراجع الإدارة المركزية وتفكك الهياكل الحزبية خلقا مساحات نفوذ متنافسة بدل ساحة سياسية وطنية واحدة.
أما الظاهرة الأخطر فهي أن بعض التنظيمات الحزبية لا تكتفي بالتغاضي عن التوتر بل توظفه، ووفق مقاربة واقعية، يصبح الصراع أداة لإعادة توزيع القوة، فإدارة الأزمات تمنح فاعلين محدودي الشعبية وزناً تفاوضياً أكبر مما تمنحه المنافسة الديمقراطية الطبيعية، وهكذا يتحول التوتر من حالة طارئة إلى مورد سياسي.
يقف المشهد السياسي السوداني عند مفترق ثلاثي، عسكرة جزئية للقوى المدنية، أو إعادة تشكل مدني بطيء، أو استمرار الفراغ بما يحمله من إعادة تشكيل عميقة للدولة والمجتمع، والاتجاه النهائي لن تحدده النوايا، بل ميزان القوة والزمن المؤسسي.