Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ممثل "الصحة العالمية": النزوح الواسع أكبر تحد للنظام الصحي في لبنان

أبو بكر: حتى اللحظة، ليس هناك نقص بالأدوية ولا يمكن التحدث عن انقطاع بسبب ظروف الحرب

ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان الدكتور عبدالناصر أبوبكر (موقع الأمم المتحدة)

ملخص

يعتبر القطاع الصحي اللبناني قطاعاً حيوياً لا يمكن السماح بانهياره في ظروف الحرب لما يشكله ذلك من خطر حقيقي، لكن استمرار القصف والغارات يزيد من التحديات التي يواجهها.

تضع الحروب والصراعات القطاع الصحي دائماً في مواجهة اختبارات قاسية، إذ لا تقتصر آثارها على الدمار وسقوط الضحايا فحسب، بل تمتد لتضاعف الضغوط على الأنظمة الصحية التي تجد نفسها مطالبة بالاستجابة لاحتياجات متزايدة في ظروف استثنائية، وغالباً بإمكانات محدودة. ومع إطالة أمد النزاعات، تتفاقم هذه التحديات إلى حد قد يعجز معه هذا القطاع عن مواكبة حجم الكارثة الإنسانية المتصاعدة.

وفي لبنان اليوم، ومع اشتداد الحرب الجديدة بين إسرائيل و"حزب الله" التي اندلعت قبل نحو أسبوع، يقف القطاع الصحي أمام واقع بالغ الصعوبة. فالمرافق الطبية تتعرض للدمار، والطواقم الصحية ليست بمنأى عن الاستهداف والإصابة، فيما تتفاقم أزمة نقص الإمدادات الحيوية في ظل الارتفاع المتسارع في أعداد الجرحى والمصابين. ويزيد من تعقيد المشهد موجة نزوح غير مسبوقة داخل البلاد، يقدر عدد النازحين فيها بنحو 700 ألف شخص، مما يضع النظام الصحي اللبناني أمام تحد إنساني وأمني غير مسبوق.

وللوقوف على واقع هذا القطاع في ظل التصعيد العسكري، لا سيما أن المؤشرات كافة توحي بعدم وجود نهاية قريبة للحرب الحالية، حاورت "اندبندنت عربية" ممثل منظمة الصحة العالمية في لبنان الدكتور عبدالناصر أبوبكر.

النزوح أكبر التحديات

يبدأ الدكتور أبوبكر حديثه بالتوقف عند موجة النزوح الكبيرة التي حصلت في الأيام الماضية، قائلاً إن هذا النزوح يمثل التحدي الأكبر في هذه المرحلة، نظراً إلى حجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، وعلى رغم الاستجابة السريعة التي شهدها القطاع الصحي والجهات المعنية، فإن تلبية هذه الاحتياجات بالكامل تبقى مهمة صعبة في ظل الإمكانات المحدودة، محذراً من أن الوضع قد يزداد تعقيداً إذا طال أمد الحرب.

تخطى عدد القتلى في الحرب خلال أسبوع من بداية الحرب في لبنان الـ570، منهم عشرات الأطفال، إضافة إلى نحو 1500 جريح، لكن هذه الأرقام الصادمة ليست وحدها ما يشكل تحدياً للقطاع الصحي فيها. فعلى رغم الاستجابة السريعة والطارئة التي كان من الممكن تحقيقها بفضل خطة الطوارئ الموضوعة مسبقاً، لكن التحديات لا تعد ولا تحصى، وعلى رأسها حركة النزوح الكبرى بوجود قرابة مليون نازح موزعين على مراكز الإيواء وعلى الطرقات وفي مناطق مختلفة في البلاد.

يؤكد أبوبكر أن النازحين موزعون اليوم في مختلف المناطق اللبنانية ما يزيد من صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، وهذا ما تعمل عليه منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع وزارة الصحة اللبنانية وغيرها من الوزارات المعنية، والجهات المختصة لتوفير الخدمات الصحية والرعاية للنازحين كافة الموجودين في 512 مركزاً وغيرهم ممن هم في مناطق عديدة في لبنان.

من جهة أخرى، خرج النازحون من منازلهم سريعاً على إثر صدور التهديدات بالإخلاء، من دون احتياجاتهم الأساسية وأغراضهم ولا حتى أدويتهم. هم لا يملكون الغذاء ولا الماء، ولا أي مستلزمات أساسية، وهذا ما تحرص منظمة الصحة العالمية على تأمينه لهم، ومنهم بصورة خاصة الفئات الأكثر هشاشة مثل المسنين ومن يعانون أمراضاً مزمنة، بالتعاون مع الأفرقاء المعنيين. فهؤلاء خرجوا من منازلهم سريعاً من دون أدويتهم المزمنة حتى، التي تشمل مثلاً أدوية القلب والضغط والسكري وحتى أدوية السرطان، وهناك حاجة ملحة إلى تأمينها لهم حفاظاً على حياتهم وسلامتهم. في الوقت نفسه، يؤكد أبوبكر أن كل هؤلاء يحتاجون إلى سبل آمنة للوصول إلى المستشفيات والخدمات الصحية ومراكز الرعاية الصحية الأولية، وهم ليسوا من اللبنانيين فحسب، بل يمكن أن يكونوا من أية جنسية كانت، فيما من الضروري توفير الخدمات كافة لهم حيث يكونون.

اكتظاظ وأمراض

من التحديات الصعبة التي يواجهها القطاع الصحي أيضاً الاكتظاظ في مراكز الإيواء، فهذا العامل يشكل تهديداً حقيقياً، ويزيد أخطار ظهور مشكلات صحية عديدة، أبرزها انتشار الأمراض والأوبئة مع مرور الوقت، إلى جانب زيادة صعوبة توفير الاحتياجات الصحية كافة في مثل هذه الظروف.

أيضاً، من الطبيعي أن تختلف الظروف في الأسبوع الأول من الحرب عن تلك التي في مراحل لاحقة. فبقدر ما تطول الحرب، تزيد تداعياتها وآثارها والتحديات المرافقة لها أكثر بعد، وهذا ما سبق أن أثبتته التجارب في الحروب السابقة التي مر بها لبنان.

وفي السياق يعدد الدكتور أبوبكر أنه "من النتائج المتوقعة في هذه الظروف إرهاق الجسم الطبي والقطاع الصحي والعاملين الصحيين، هنا تبرز الصعوبات وتزيد صعوبة مواجهة آثار الحرب، ناهيك بالأمراض التي يمكن أن تظهر وتنتشر في مراكز الإيواء، بخاصة حيث هناك كثافة من النازحين، إذ قد لا تتوافر الموارد الحيوية من ماء وغذاء وشروط نظافة ومستلزمات أساسية وأدوية بكميات كافية، خصوصاً للأمراض المزمنة".

هذا ويضيف أبوبكر أن الصحة النفسية تشكل هاجساً في مثل هذه الحالات، بصورة خاصة عندما تطول مدة الحرب، لأن الضغوط والأعباء النفسية تصبح أثقل وأكبر. فأثر الحرب والنزوح يكون كبيراً للمدى البعيد خصوصاً عندما تطول الحرب، وبصورة خاصة على النازحين الذين غادروا منازلهم، ويعيشون في ظروف صعبة في مراكز الإيواء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول "الأسوأ أنهم كانوا قد غادروا منازلهم إلى مراكز الإيواء في الحرب سابقاً للمرة الأولى، وهي تجربة تتكرر بالنسبة إليهم، وهم يمكثون في هذه المراكز للمرة الثانية، مما يشكل عبئاً حقيقياً عليهم، وقد كان من الممكن التعرف إلى بعضهم في جولة لمنظمة الصحة العالمية. ويكفي أنهم قد يكونون كمجموعات موزعين في مراكز مختلفة، فليسوا بالضرورة مجتمعين معاً كما في الأيام العادية في بيئتهم، مما يزيد من الأسى والضغط النفسي عليهم".

نسألهم عن ذوي الاحتياجات الخاصة في هذه الظروف الصعبة، فيؤكد أنهم يشكلون تحدياً من نوع آخر، وأوضاعهم تشكل هاجساً أيضاً للمعنيين ولمنظمة الصحة العالمية، وأضاف "هناك التنسيق مع وزارة الصحة العامة والمنظمات غير الحكومية لتحسين جودة حياتهم، وتلبية احتياجاتهم الأساسية، وتوفير الدعم لهم. لكن في حال استمرار الحرب لوقت أطول، لا بد من البحث في سبل توفير الدعم لهم من النواحي كافة. حتى أن وجودهم في مراكز الإيواء التي هي عبارة في معظمها عن مدارس، في طوابق عليا، يشكل تحدياً لهم في تنقلاتهم بسبب حالتهم الجسدية، وهي من المسائل التي لا بد من أخذها بالاعتبار".

وفي ما يتعلق بالفئات الأكثر هشاشة من نساء وأطفال في مراكز الإيواء، يؤكد أن الأطباء موجودون لتقديم الخدمات الصحية، وأيضاً الأدوية مؤمنة لهم، والعيادات المتنقلة، والاستشارات العيادية في التغذية، لكن ثمة حاجة ملحة لتلبية احتياجاتهم كافة من لقاحات وأدوية ومستلزمات أساسية.

القطاع الصحي ليس بخير

تعتبر المناطق المستهدفة بالقصف هماً للقطاع الصحي، ففي هذه المناطق التي تدخل في صلب دائرة الخطر وصدرت إنذارات إسرائيلية لإخلائها، هناك من رفضوا المغادرة وبقوا داخلها. إلا أن المرافق الصحية، من مستشفيات ومستوصفات ومراكز طبية، باتت شبه خالية من العاملين فيها أو تضررت، فيما فرض الواقع المستجد ضرورة إقفالها، بحيث لم يعد من الممكن توفير الخدمات الصحية لمن مكثوا في هذه المناطق. حتى أنه كانت هناك ضرورة لإخلائها ونقل المرضى من المستشفيات التي كانوا فيها إلى مستشفيات أخرى فيها، حفاظاً على سلامة الجميع.

لا نقص في الأدوية

في ما يتعلق بالأدوية، يؤكد أبوبكر أنه حتى اللحظة، ليس هناك نقص فيها ولا يمكن التحدث عن انقطاع في الأدوية بسبب ظروف الحرب بعد مرور أسبوع على بدايتها، فلا تزال الاحتياجات من الأدوية والمستلزمات الطبية بأنواعها تلبى من المخزون المتوافر في البلاد، لكنه عبر في الوقت عينه عن قلقه حيال عدم توافر مخزون طوارئ في البلاد إذا طالت الحرب.

وتابع "عندها يمكن مواجهة مزيد من التحديات، ويمكن أن يحصل انقطاع أو شح في هذه المستلزمات والأدوية والإمدادات الحيوية بسبب كثرة الاحتياجات في ظروف الحرب والنزوح، لذلك هناك حاجة ملحة إلى الدعم الدولي وتوفير التمويل من المانحين الدوليين لتلبية الاحتياجات المتزايدة".

انطلاقاً من ذلك، تعمل منظمة الصحة العالمية على دعوة المجتمع الدولي إلى توفير الدعم والتمويل لتلبية الاحتياجات، والاستجابة لحاجات المستشفيات، ومراكز الإيواء والأدوية والغذاء والمياه ومستلزمات النظافة الشخصية، في إطار الاستجابة الطارئة. بهذه الطريقة يمكن الاستمرار بتوفير الخدمات الصحية والوصول إلى المصابين أينما وجدوا، وتوفير احتياجات النازحين والمواطنين كافة في البلاد في ظروف الحرب، وتأمين الرعاية الطبية حيث تلزم.

هذا من دون أن ننسى ما يتعرض له العاملون في القطاع الصحي من استهدافات، فهم يعرضون حياتهم للخطر، مما يزيد من صعوبة استمرارهم في تأمين الخدمات الصحية والأدوية في المناطق المستهدفة.

تتأثر القطاعات كافة بظروف الحرب، لكن يعتبر القطاع الصحي حيوياً والحفاظ عليه حاجة ملحة لتلبية كافة الاحتياجات وحماية الكل وضمان سلامتهم. والأسوأ أنه من أكثر القطاعات المتضررة بظروف الحرب، مما يؤكد أهمية اتخاذ الإجراءات كافة وتوفير الدعم اللازم له وللعاملين فيه، ليستمروا بتأدية مهماتهم في هذه الظروف وغيرها.

اقرأ المزيد

المزيد من حوارات