ملخص
"الانتخابات المقبلة تأتي في ظل وضع ميداني معقد، فالسيطرة الفعلية الحالية، ومنذ اندلاع الحرب في شمال إثيوبيا ضد جبهة تحرير تيغراي، خاضعة لقوات خاصة من إقليم أمهرا على هذه المناطق إدارياً وعسكرياً، أما اتفاق بريتوريا (نوفمبر 2022) فنص على حل النزاعات الحدودية وفقاً للدستور، وهو ما يفسره تيغراي بضرورة عودة المناطق إليهم أولاً، بينما يطالب الأمهرا بإجراء استفتاء شعبي مع بقاء الوضع الحالي".
كشف الاستعداد الجاري للانتخابات الإثيوبية المقبلة مدى عمق الخلافات بين قوميتي تيغراي وأمهرا حول منطقة "ولقايت ورايا"، حيث اتخذ المجلس الفيدرالي، قراراً بإرجاء إجراء الانتخابات في خمس دوائر تمثل المنطقة المتنازع عليها.
وعلى رغم قرار لاحق اتخذته المحكمة الفيدرالية العليا بتعطيل قراري المجلس الفيدرالي، ومجلس الانتخابات، فإن حزب تضامن تيغراي الديمقراطي (سيمرت)، أعلن في بيان، مقاطعة أي انتخابات، مؤكداً أن مجلس الانتخابات ليس من سلطاته تنظيم الدوائر الانتخابية أو إخراجها من الإشراف الإقليمي.
ووصف رئيس حزب "تضامن تيغراي الديمقراطي" المستشار الحالي لرئيس الوزراء الإثيوبي لشؤون شرق أفريقيا غيتاشيو ردا القرار بأنه "مزعزع للاستقرار السياسي"، معتبراً أن ذلك سيزيد من هشاشة السلام في المنطقة.
وانتقدت من جهتها الإدارة الموقتة لإقليم تيغراي برئاسة تاديسي وريدي، القرار، محذرة من أنه يهدد بتقويض الدستور ويمس الحدود الإدارية للإقليم، وعدته "خطوة غير دستورية" تقوض النظام الفيدرالي.
وكان من المقرر ووفقاً لقرار المجلس الفيدرالي للانتخابات أن تجرى انتخابات البرلمان في المناطق المذكورة بصورة مباشرة، بينما تؤجل انتخابات المجالس الإقليمية فيها إلى حين صدور قرار دستوري نهائي في شأن مصير وتبعية هذه المناطق.
والقايت والحمرة
تعود أزمة منطقة "والقايت ورايا" المتنازع عليها بين إقليمي أمهرة وتيغراي إلى أكثر من 30 عاماً، خلال فترة الصراع أثناء حكم النظام الاشتراكي لمنغستو هيلاماريام، إذ عدت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي المنطقة ضمن حدودها الإقليمية، وبعد تولي (الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية) السلطة برئاسة رئيس الوزراء الراحل ملس زيناوي 1991، ألحقت المنطقتان ضمن الخريطة الإدارية لإقليم تيغراي، واعتمد النظام الفيدرالي تقسيمات الأقاليم الإثيوبية وفقاً للدستور للعام 1995، ومن ثم جرى العرف الانتخابي إلحاقها بإقليم تيغراي في كل الانتخابات اللاحقة.
تعد منطقة "والقايت" ذات موقع حيوي على تخوم السودان وإريتريا، ومعبر تجاري واستراتيجي، فضلاً عما تتمتع به من أراض وافرة وتربة خصبة، وموارد مائية مما يضفي أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز التبعية الإدارية.
وكان السفير الأميركي إرفين ماسينغا زار منطقة الحمرة التي تمثل أهم مناطق والقايت في الـ16 من يناير (كانون الثاني) 2026، متفقداً ظروف السكان والأوضاع في المنطقة، حيث تأثر قاطنوها بالحروب السابقة.
الحكومة الفيدرالية بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد، ترى بناءً على قول سياسيين أن حل مشكلة منطقة والقايت ورايا يتدرج عبر مسار دستوري، يقوم على تنظيم استفتاء يحدد فيه سكان المنطقة تبعيتهم الإدارية، أو عبر صيغ إدارية بديلة يتفق حولها، احتذاء بنماذج شهدتها البلاد في السابق أفضت إلى استقرار سياسي وسلام وتعايش بين مختلف القوميات الإثيوبية.
منطقة تداخل إثني
الباحث في الشؤون الأفريقية عبدالصمد حسن يرى أن ما يتعلق بمناطق (والقايت ورايا) التي جرى استثناؤها من لجنة الانتخابات لها جذور من خلافات، وأن هذه المنطقة هي في الأصل منطقة تداخل إثني بين العفر والأرومو والأمهرا والكل يدعي ملكية المنطقة.
يضيف "هذه المناطق تتميز بخصوبة عالية وأراض منبسطة وهي مناطق زراعية مهمة، ومن ثم هناك تنافس لأسباب سياسية واقتصادية كذلك تتمثل أهميتها في كونها ذات حدود متداخلة مع كل من إريتريا والسودان بخاصة منطقة حمرة، لذا فعوامل الخلاف والتنافس على هذه المناطق جامعة أسباباً سياسية واقتصادية وأبعاداً أخرى".
الأستاذ الجامعي المتخصص في الشؤون الدولية علي حسين يمر يقول "ليست الخريطة الإثنية في إثيوبيا نتاج لحظة طارئة، بل هي حصيلة تفاعل تاريخي معقد بين عوامل داخلية وخارجية أعادت تشكيل الدولة والمجتمع معاً، فمنذ أواخر القرن الـ19، تشكلت الدولة الحديثة عبر توسع إمبراطوري مركزي دمج قوميات عدة ضمن كيان واحد من دون صيغة جامعة متوازنة لإدارة التنوع. ومع مرور الوقت، تراكمت مظالم متبادلة بين المركز والأطراف، غذتها اختلالات في توزيع السلطة والثروة والتمثيل السياسي"، يضيف "داخلياً، أدى غياب عقد اجتماعي سياسي توافقي دوراً محورياً في صعود الهويات القومية كبديل عن الهوية الوطنية الجامعة، بخاصة بعد سقوط النظام العسكري عام 1991 وصعود النخبة التي تبنت الفيدرالية الإثنية كأساس دستوري لتنظيم الدولة. هذه الفيدرالية، وإن جاءت استجابة لمطالب تاريخية بالاعتراف والتمكين، فإنها كرست في الوقت ذاته الحدود الإدارية على أساس الهوية، مما جعل النزاعات السياسية قابلة للتحول سريعاً إلى نزاعات إثنية".
ويتابع "أما خارجياً فقد تأثرت إثيوبيا بموجات التحول الدولي بعد الحرب الباردة، حيث شجعت البيئة الإقليمية والدولية نماذج الحكم القائم على (حق تقرير المصير) وإعادة هندسة الدول المتعددة القوميات، كذلك لعبت الصراعات الإقليمية في القرن الأفريقي والتنافس الجيوسياسي على البحر الأحمر، دوراً في تعقيد المشهد الداخلي عبر تشابك الأمن القومي بالمطالب القومية. وعليه، فإن مصدر المناطق الإثنية في إثيوبيا ليس مجرد خيار إداري، بل هو انعكاس لتاريخ من بناء الدولة، وصراع الهويات، وتأثيرات إقليمية ودولية متداخلة، الفهم في هذا السياق ضروري لتحليل أي توتر معاصر، لأنه يكشف عن أن جذور الأزمة أعمق من حدود جغرافية، وتمتد إلى سؤال الدولة نفسها وتحدياتها في كيف تدار التعددية".
يشير الأستاذ الجامعي إلى أن "الانتخابات المقبلة تأتي في ظل وضع ميداني معقد، فالسيطرة الفعلية الحالية، ومنذ اندلاع الحرب في شمال إثيوبيا ضد جبهة تحرير تيغراي، خاضعة لقوات خاصة من إقليم أمهرا على هذه المناطق إدارياً وعسكرياً، أما اتفاق بريتوريا (نوفمبر "تشرين الثاني" 2022) فنص على حل النزاعات الحدودية وفقاً للدستور، وهو ما يفسره تيغراي بضرورة عودة المناطق إليهم أولاً، بينما يطالب الأمهرا بإجراء استفتاء شعبي مع بقاء الوضع الحالي". يضيف "أما في ما يتعلق بانعكاسات الخلاف على مسار الانتخابات المقبلة فتمثل هذه الأزمة تحدياً لوجيستياً وسياسياً لمفوضية الانتخابات والحكومة الفيدرالية في قضية التسجيل: من سيقوم بتسجيل الناخبين في المناطق المتنازع عليها (ولقايت ورايا) وهل هي إدارة إقليم أمهرا أم إدارة تيغراي؟ وأي قرار في هذه الحيثية سينظر إليه على أنه اعتراف ضمني بتبعية المنطقة لأحد الطرفين، كذلك فهناك مئات الآلاف من النازحين من هذه المناطق بسبب الحرب السابقة وغيرها من ظروف، مما يطرح تساؤلاً حول كيفية ممارستهم حقهم الانتخابي، وما يتبع ذلك من طعن في شرعية النتائج لاحقاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يتابع "خلاصة الأمر، إذا لم يتم التوصل إلى تفاهمات قبل الانتخابات في قضية هذه المناطق وغيرها، فقد تشهد البلاد سيناريوهات تجدد الصراع العسكري، وأي محاولة لفرض واقع انتخابي معين قد تؤدي إلى صدام بين القوات المحلية في الإقليمين، مما يهدد اتفاق السلام الهش، كذلك ربما يؤدي إلى تآكل الثقة في الحكومة الفيدرالية التي تمشي على حبل مشدود، فإرضاء أمهرا قد يخسرها تيغراي والعكس صحيح، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في المركز. والانتخابات المقبلة في اعتقادي ليست مجرد عملية تصويت، بل هي اختبار حقيقي لوحدة إثيوبيا وأزمة ولقايت ورايا ليست مجرد خلاف حدودي، بل هي جوهر الصراع حول طبيعة الفيدرالية في البلاد".
إنتاج شرعية
الباحث المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو يرى أن "الانتخابات الإثيوبية المقررة في يونيو (حزيران) المقبل عودة رسمية إلى الانتظام الدستوري بعد أعوام الحرب والانقسام، غير أن السياق الذي تتحرك فيه يجعلها أقرب إلى اختبار لبنية الدولة ذاتها، فالمسألة لا تتصل بمدى جاهزية المفوضية أو انتظام الجداول الزمنية، وإنما بقدرة النظام السياسي على إنتاج شرعية في إطار فيدرالية إثنية متوترة، حيث تتماهى الحدود الإدارية مع الهويات القومية، وتمتلك الأقاليم ثقلاً أمنياً وسياسياً يحد من قدرة المركز على فرض تسويات من طرف واحد. في هذا البناء، أي عملية انتخابية لا تسبقها تسوية سياسية حول قواعد التنافس وحدود السلطة تتحول إلى إجراء شكلي لا يمس جوهر الأزمة. وانطلاقاً من هذا الإطار البنيوي يصبح استحضار السوابق القريبة ضرورة لفهم طبيعة الاستحقاق المقبل، لأن أزمة الشكل تعود في أصلها إلى مسار سياسي لم يحسم منذ أعوام". ويضيف "تجربة انتخابات 2020 المؤجلة لا تزال محدداً أساساً لفهم الاستحقاق المقبل، فقرار التأجيل الذي اتخذته الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد بدعوى الجائحة خلق شرخاً دستورياً مع جبهة تحرير شعب تيغراي، التي مضت في تنظيم انتخابات إقليمية خاصة بها، مما فتح الطريق إلى المواجهة العسكرية الشاملة، تلك السابقة زرعت شكوكاً بنيوية في التزام السلطة المواعيد الدستورية حين لا تكون موازين القوى في صالحها".
بحسب قارو، يظل سؤال انتظام انتخابات 2026 مرتبطاً بحسابات الظرف السياسي وميزان القوة، لا بثبات القاعدة المؤسسية، أي تدهور أمني أو اختلال في معادلة السيطرة قد يعيد إنتاج سيناريو التأجيل أو إعادة هندسة التوقيت وفق مقتضيات السلطة، ومن هنا يتصل استحقاق 2026 مباشرة بملفات الحرب غير المغلقة، وعلى رأسها النزاعات الإقليمية التي لم تجد تسوية نهائية".
ويوضح أن "الخلاف بين أمهرا وتيغراي حول مناطق ولقايت ورايا يعكس هشاشة الفيدرالية الإثنية، وإدراج المنطقتين ضمن إقليم تيغراي بعد 1991 جرى في سياق سياسي محكوم بتوازنات ما بعد سقوط النظام العسكري، وحرب 2020 غيرت السيطرة الفعلية على الأرض، واتفاق بريتوريا الموقع في نوفمبر 2022 برعاية الاتحاد الأفريقي ترك النزاع الحدودي من دون تسوية نهائية، على رغم نص الاتفاق على ترتيبات أمنية وانتقالية". يتابع "أي إجراء انتخابي في هذه المناطق قبل التسوية القانونية والسياسية يحول الاقتراع إلى تكريس واقع الحرب، ويختبر توازن السلطة بين المركز والأقاليم، ويتجاوز كونه نزاعاً حدودياً ليشكل اختباراً مباشراً للطبيعة السياسية الهشة للدولة الإثيوبية، فالبيئة السياسية العامة لا توفر شروط تنافس متكافئ. التوترات الأمنية في أمهرا وأوروميا، وتقييد المجال العام، والضغوط على الفاعلين السياسيين والإعلاميين، تحد من قدرة القوى المختلفة على خوض عملية انتخابية حرة. في هذا المناخ تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج السلطة التنفيذية وتثبيت مركزها، لا إلى منصة لإعادة توزيع الشرعية على أساس تنافسي حقيقي".