ملخص
يدخل "جيل زد" الإيراني الحرب الأميركية - الإسرائيلية وهو مثقل بإرث طويل من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فإما أن يواجه تبعاتها وهو أكثر هشاشة أمام أي تصعيد عسكري أو أمني جديد، أو أن ينتهز أي فرصة متاحة للتغيير. ولا ينظر الجيل الإيراني الجديد إلى الحرب كفرصة تلقائية للتغيير، لكنه قد يراها، بحسب كيفية إدارتها وآليات المشاركة التي تفتح أمامه، منفذاً محتملاً لإعادة التفاوض على علاقة الدولة بالمجتمع. ومع توقع استمرار النظام، لا يبدو أن الحرب الحالية ستطفئ جذوة الاحتجاجات، لكنها قد تعيد تشكيلها، من مطالب اجتماعية وفئوية مباشرة إلى خطاب أكثر تعقيداً يمزج بين الهوية الوطنية والمطالب بالحرية.
في ظل العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على إيران، التي تمتد جذورها إلى ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979 وتكثفت في محطات عدة، ولا سيما منذ إعادة فرض الحزمة الأشد عام 2018 عقب انسحاب الرئيس دونالد ترمب من الاتفاق النووي الإيراني، تشكلت إحدى كبرى الكتل الاجتماعية وهي فئة الشباب الإيراني، "جيل زد"، أو جيل الألفية في إيران، الذين تبرز أعداد منهم في الاحتجاجات المختلفة، بينما يبرز آخرون كمؤيدين للنظام ومنضوين تحت مؤسساته. وعلى رغم تصاعد الحديث الرسمي عن "شيخوخة" المجتمع الإيراني وتراجع معدلات الخصوبة إلى نحو 1.6 طفل لكل امرأة، فإن البنية السكانية لا تزال فتية نسبياً، إذ يناهز عدد السكان 93 مليون نسمة، ويقارب من هم دون سن الـ30 نصف المجتمع، مما يعني أن عشرات الملايين نشأوا في بيئة اقتصادية محكومة بالعقوبات والتقلبات الحادة.
هذا الجيل لم يختبر فقط تآكل القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم التي تجاوزت في بعض الأعوام 50 في المئة، وانخفاض قيمة الريال الإيراني مقابل الدولار، بل عايش كذلك موجات احتجاج مفصلية، أبرزها احتجاجات عام 2019 المرتبطة برفع أسعار الوقود، واحتجاجات عام 2022 التي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني على يد "شرطة الأخلاق"، وما تبعها من اعتقالات واسعة وتشديد أمني، مما عمق الإحساس بالانسداد السياسي وتراجع الثقة بالمستقبل.
ثم جاءت حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل لتضيف صدمة مركبة، إذ خلفت، وفق أرقام رسمية، 1062 قتيلاً ونحو 5800 مصاب، وأضراراً في منشآت طبية ومساكن، مع ارتفاع أسعار السلع بنحو 53 في المئة في بعض الفترات، وتزايد القلق المجتمعي من عودة المواجهات.
أظهرت التجارب السابقة للاضطرابات والاحتجاجات، إضافة إلى مؤشرات أخرى ارتفاعاً في طلب الاستشارات النفسية الطارئة بنحو 20 في المئة مما يوحي بأن الجيل الشاب يدخل هذه المرحلة الجديدة، الحرب الأميركية - الإسرائيلية، وهو مثقل بإرث طويل من الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فإما أن يواجه تبعاتها وهو أكثر هشاشة أمام أي تصعيد عسكري أو أمني جديد، أو أن ينتهز أي فرصة متاحة للتغيير.
قيود العقوبات
تعد العقوبات المفروضة على إيران من أكثر أنظمة العقوبات تعقيداً واستمرارية في النظام الدولي المعاصر، إذ تعود جذورها إلى عام 1980 عقب أزمة الرهائن في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1979، ورفعت عام 1981، ثم أعيدت تدريجاً عبر حزم تشريعية وتنفيذية، وفرضت الولايات المتحدة العقوبات الثانية على إيران في عهد الرئيس رونالد ريغان عام 1987، لاتهامها بدعم الإرهاب، واشتدت عام 1995 لتشمل المؤسسات التي تتعامل مع الحكومة الإيرانية، فقد أقر الكونغرس الأميركي قيوداً على الاستثمارات الأجنبية التي تتجاوز 20 مليون دولار في قطاع الطاقة. وبين عامي 2006 و2010 عززت قرارات عدة فرضها مجلس الأمن منظومة الضغط على خلفية الملف النووي، عبر تجميد أصول وحظر سفر وقيود تسليحية، ثم شددت إدارة الرئيس باراك أوباما الإطار المالي بقانون "العقوبات الشاملة على إيران والمساءلة وسحب الاستثمارات لعام 2010"، قبل أن ينسحب ترمب في الثامن من مايو (أيار) عام 2018 من خطة الاتفاق النووي الموقع عام 2015، ويعيد فرض العقوبات على مرحلتين، السادس من أغسطس (آب) والرابع من نوفمبر 2018، لتشمل النفط والشحن والتأمين والتعاملات بالدولار وقيود "سويفت"، وفي الـ13 من يناير (كانون الثاني) عام 2026 فرضت رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على صادرات الدول المتعاملة مع إيران إلى السوق الأميركية، في محاولة لتضييق قنوات الالتفاف التجاري.
الثقل الحقيقي لهذه المنظومة يتبدى على مستوى الشباب الإيراني، فقد انعكست العقوبات مباشرة في تقلص فرص العمل النوعي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة والاستثمار الأجنبي، وفي انكماش قدرة الشركات المحلية على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية، كما قيدت القيود المصرفية وصولهم إلى التمويل الدولي، والمنح الدراسية، وبرامج التبادل الأكاديمي، والتعاون البحثي، مما حد من انفتاحهم العلمي والمهني.
أما اجتماعياً فقد أسهمت العقوبات في تأخير سن الزواج وتراجع معدلات الخصوبة نتيجة الضغوط المعيشية، وتوسيع الفجوة الطبقية بين من يمتلكون شبكات اقتصادية بديلة ومن يعتمدون على الدخل الثابت، كما أدت إلى تصاعد الهجرة، سواء هجرة العقول أو الهجرة غير النظامية، بحثاً عن فرص أكثر استقراراً، وعلى الصعيد النفسي عززت حال القلق الجماعي وعدم اليقين، في ظل التضخم وتآكل مستمر في القدرة الشرائية.
كذلك عمقت العقوبات الاستقطاب الداخلي بين دعاة الانفتاح والتشدد، ودفعت الدولة إلى تشديد الرقابة على الفضاء العام والرقمي بذريعة الأمن الاقتصادي، مما جعل الشباب، الأكثر استخداماً للتكنولوجيا، في تماس مباشر مع القيود التنظيمية والأمنية، وبينما تتجه خرائط الشراكات التجارية شرقاً، يبقى هذا الجيل في قلب المعادلة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي صاغتها أربعة عقود من الضغوط، باعتباره الفئة الأكثر احتكاكاً بكلفة العزلة الدولية، والأشد تأثراً بتحولات الداخل وتقلبات النظام العالمي.
عوامل انعدام الثقة
لا تنفصل عوامل انعدام ثقة الشباب الإيراني في النظام عن السياق الأوسع لإدارة السلطة للضغوط الداخلية والخارجية، فهي نابعة من تراكمات سياسية واقتصادية وأخلاقية أثرت في رؤية الشباب نحو الدولة ومؤسساتها، فإضافة إلى الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالعقوبات وطريقة التعامل معها، التي تترجم إلى اقتصاد ظل موازٍ تغيب عنه العدالة والشفافية، برزت عوامل أخرى تعمق شعور هذا الجيل بأن النظام لا يعكس تطلعاته ولا يحمي مصالحه.
من ناحية الفساد والفوارق الاجتماعية تعد الفجوة بين نمط حياة طبقة النخبة وواقع معظم المواطنين أحد أبرز أسباب انعدام الثقة، فقد أثار مقطع فيديو مسرب من حفل زفاف ابنة المستشار السياسي للمرشد، علي شمخاني، الذي قتل معه لاحقاً أثناء الهجوم، جدلاً واسعاً في الداخل الإيراني، لما أظهر من مظاهر ترف وبذخ في احتفال أقيم في أحد أفخم فنادق طهران على رغم الأزمات الاقتصادية الحادة التي يعانيها الشعب. انتقد كثر من الإيرانيين هذا التناقض بين الرفاهية التي يتمتع بها أفراد النخبة والمسؤولون من جهة، وبين صعوبة تأمين الحاجات الأساسية لعموم السكان من جهة أخرى. انتشرت مشاعر الغضب على منصات التواصل واعتبر الحدث تعبيراً عن "حياة مزدوجة" لمسؤولي النظام الذين يفرضون قيوداً على الآخرين ولا يطبقونها على أنفسهم في كثير من الأحيان.
على المستوى السياسي يشعر الشباب بأن آليات صنع القرار لا تعكس إرادة الشعب، وأن الأطر الحزبية أو البرلمانية محكومة بتوازنات داخلية لا تتسق مع تطلعاتهم، مما يحد من مشاركتهم الفعالة في الحياة العامة ويضعف ثقتهم في إمكان التغيير من داخل النظام. ويرى كثر أن التقييد الأمني للفضاء العام والتعامل القمعي مع الاحتجاجات، بدلاً من الحوار والإصلاح، يظهر غياباً للشفافية والمساءلة.
علاوة على ذلك، يعزز اعتماد النظام على مصالح خارجية أو على تحالفات ووكلاء إقليميين، أحياناً على حساب تلبية الحاجات الداخلية، من إحساس الشباب بالابتعاد عن أولوياتهم الأساسية مثل التعليم، والعمل، والحرية الشخصية، مما يعمق الإحساس بأن النظام غير موثوق في تمثيل مصالحهم. هذه العوامل وغيرها ترسم معاً صورة جيل يرى في السياسات القائمة تحدياً أمام طموحاته، ويطالب بمساءلة أكثر وضوحاً وعدالة، وصلت في بعض الحالات إلى مواجهة شاملة ومطالبة بتغيير النظام.
اختبار حاسم
يشكل ما يعرف بـ"جيل الاحتجاجات" في إيران، لا سيما الذين شاركوا في احتجاجات عام 2022، حالاً اجتماعية وسياسية مميزة تتخطى الإطار التقليدي للاحتجاجات، لكن مع اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية الحالية، يواجه هذا الجيل اختباراً حاسماً، على ثلاثة مستويات متداخلة. المستوى الأول، تعاطي الدولة مع الناشطين خلال الطوارئ يظهر نمطاً متسقاً مع سياسات ما بعد عام 2022، لكنه أكثر تشدداً، فعندما كانت الاحتجاجات تسيطر على الساحات العامة في أواخر عام 2022، لجأت الدولة إلى أدوات أمنية مباشرة، واعتقالات، ورقابة إعلامية، وحجب منصات، وتهم "الإخلال بالأمن القومي"، لتفكيك الاحتجاج. ومع حال الحرب تمتلك الدولة شرعية موسعة بقانون الطوارئ للدخول في قمع واسع تحت ذريعة "حماية الأمن الوطني"، مما يجعل من الصعوبة بمكان على الناشطين الاحتجاج بصورة مماثلة لما سبق.
والمستوى الثاني، شهدت حركة عام 2022، التي ارتكزت في كثير من مطالبها على حقوق المرأة وحرية الجسد، قدراً كبيراً من الرمزية التي تجاوزت موضوع الحجاب إلى أوسع مطالب الحرية الشخصية والمساءلة السياسية. أثناء الحرب، قد يميل جزء من الناشطين إلى توظيف لغة وطنية للدفاع عن سيادة البلاد، لكن هذا لا يعني بالضرورة تناقص المطالب الاجتماعية، بل قد تتحول إلى شكل من "النسوية الوطنية"، حيث تقدم مطالب الحريات كجزء من مشروع أوسع لدعم المجتمع في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية. وقد يكون لهذا التحول ثمنه، إذ يمكن أن يستخدم لامتصاص الغضب الشعبي عبر ترويجه كـ"تعبير عن التضامن الوطني"، مما يخفف من الضغط المباشر على السلطة لكنه لا يلغي جذور المطالب.
أما المستوى الثالث، ففي ظل الطوارئ تمارس الدولة عملية إعادة ترسيم القانون لتوسيع نطاق القمع بصورة قانونية، بحيث يعاد تصنيف أي احتجاج داخلي بصفته تهديداً للمجهود الحربي أو وحدة الصف، مما يبرر إدانة أوسع وتغليظ للعقوبات على الناشطين. هذا الانزياح القانوني يضعف قدرات المجتمع المدني على الاحتجاج السلمي ويحول أي تحرك إلى "خيانة وطنية" في الرواية الرسمية، مما يستنزف الدافعية الاحتجاجية أو يدفعها إلى أشكال أكثر سرية أو تشكل هياكل جديدة خارج دوائر التأطير التقليدية.
منفذ محتمل
لم يعرف "جيل الألفية" إيران في أوقات رخاء اقتصادي مطمئن أو استقرار سياسي مستدام، وفي مثل هذه الظروف تتحول مسألة التغيير من مفهوم سياسي مجرد إلى توق إنساني إلى حياة كريمة ومستقبل آمن.
علاقة الشباب الإيراني بالحرب الحالية متنوعة ومعقدة، إذ يرى بعضهم فيها، ولو بصورة عابرة، فرصة لإعادة ترتيب الأوراق على مستوى السلطة والمجتمع معاً، لأن الحرب تسلط الضوء على تناقضات طويلة الأمد في إدارة الدولة، وتكشف هشاشة التعاطي مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هناك تقدير عام لدى هذا الجيل بأن التحديات الخارجية الحالية لا يمكن فصلها عن أزمات ثقة داخلية، ففي أعقاب الاضطرابات ظهر جيل متطلع ليس فقط إلى مطالب حقوقية واجتماعية، بل إلى أسئلة حول الشرعية والمساءلة والمسار السياسي العام، لكن النظرة ليست موحدة، فبينما يرى قسم من الشباب أن الحرب قد تفتح مجالاً لإعادة بناء قواعد الحوار الاجتماعي إذا تم التعامل مع نتائجها بشفافية وبمشاركة شعبية حقيقية، يعبر قسم آخر عن قلق عميق من أن يتم تسييس الحرب لاستدامة القمع، فالتاريخ القريب يظهر كيف استخدمت الدولة فضاءات الطوارئ، أمنية أو اقتصادية، لتمرير سياسات تضييق على الفضاء المدني وتوسيع أدوات القمع القانوني تحت ذريعة حماية الأمن الوطني، وهذا ما يشعر به الشباب الذين عايشوا الاعتقالات الواسعة والقيود على التعبير.
وهناك من يرى أن الحرب، ولو اجتمعت عليها إرادة تغييرية، قد تحول الخطاب النسوي والاجتماعي في اتجاه خطاب وطني دفاعي يخفف من وطأة المطالب الاحتجاجية ذات الطابع الداخلي، بدلاً من أن يمكنها من تحقيق مكاسب بنيوية. هذا التحول قد يكون استراتيجياً لكنه أيضاً مضاعف للتحديات، إذ يخشى الشباب أن يتراجع الخطاب الحقوقي والحريات الفردية إلى الخلف، بينما يحتل خطاب "الوحدة الوطنية في مواجهة الخارج" الأولوية.
لا ينظر الجيل الإيراني الجديد إلى الحرب كفرصة تلقائية للتغيير، لكنه قد يراها، بحسب كيفية إدارتها وآليات المشاركة التي تفتح أمامه، منفذاً محتملاً لإعادة التفاوض على علاقة الدولة بالمجتمع. ومع توقع استمرار النظام لا يبدو أن الحرب الحالية ستطفئ جذوة الاحتجاجات، لكنها قد تعيد تشكيلها، من مطالب اجتماعية وفئوية مباشرة إلى خطاب أكثر تعقيداً يمزج بين الهوية الوطنية والمطالب بالحرية. وفي هذا التحول تكمن الفرصة للمجتمع لتجاوز الانقسامات المحتدمة، ولكن أيضاً يكمن الخطر في أن توظف الحرب لتوسيع أدوات القمع، مما يغيب مساحات الفعل المدني ويبقي الشارع في هامش لا يضمن تجاوباً حقيقياً مع المطالب البنيوية للجيل الجديد.