Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تداعيات سقوط إيران وتغول إسرائيل أخطر من الحرب

الشرق الأوسط يترقب مجريات ونتائج الصراع والسيناريوهات مفتوحة على كل الاحتمالات

يتصاعد الدخان بعد غارة إسرائيلية على الضواحي الجنوبية لبيروت (أ ف ب)

ملخص

التوترات التي تتصاعد في كل لحظة فتحت باب التساؤل حول تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، وشكل المنطقة بعد الحرب... فماذا ينتظر الشرق الأوسط؟

على جمر الحرب في إيران تسير منطقة الشرق الأوسط، وسط ضبابية المشهد المتوتر الذي يختلف المراقبون حول مداه وموعد نهايته، لكن يتفق الكل على أن نتائج المعركة الصاروخية الحالية "ستعيد رسم الخريطة السياسية للإقليم"، بخاصة إذا أسقطت صواريخ إسرائيل والولايات المتحدة النظام الإيراني، الذي يرتبط بشبكة من الجماعات المسلحة المؤثرة في دول أخرى بالمنطقة العربية.

وعلى رغم تسارع الأحداث في اليوم الأول للحرب، التي بلغت ذروتها بالاغتيال السريع والصادم للمرشد الإيراني علي خامنئي، فإن الهدف الأميركي النهائي للحرب يبدو غير واضح حتى الآن، ففي الساعات الأولى للحرب قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن العمليات قد تمتد أياماً، لكنه في اليوم الثالث توقع أن تمتد 4 أو 5 أسابيع وربما أكثر، ولم يستبعد الاستعانة بقوات برية.

وبينما حمل الخطاب الأميركي في بداية الضربات حديثاً عن "لحظة الحرية" للشعب الإيراني ودعوة الحرس الثوري لإلقاء السلاح، في ما بدا أنه عزم على تغيير النظام، لكن وزير الدفاع بيت هيغسيث قال لاحقاً إن الحرب ليست لتغيير النظام، وهو ما بدا أنه تضارب في الرواية الأميركية أو على الأقل إبقاء لكل الاحتمالات مفتوحة.

أما إيران فتبنت سردية الثأر لدماء المرشد، وأعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني أن طهران استعدت لحرب طويلة، وستواصل القتال مهما كانت الكلفة، وذلك على رغم تواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية، التي لم تصل إلى ذروتها بعد، وفق ترمب الذي أنذر إيران في تصريحات صحافية بأن "الضربة الكبيرة قادمة قريباً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

على الصعيد الإقليمي، جاء دخول "حزب الله" على خط الأزمة ليضيف مزيداً من التعقيد إلى المشهد، إذ لم تتأخر إسرائيل في الرد على الصواريخ التي أطلقها من جنوب لبنان "ثأراً" للمرشد الإيراني، بحسب بيان الحزب، وهو ما وسّع نطاق الصراع وما تبعه من حدوث تدخل بري إسرائيلي في الأراضي اللبنانية، على رغم محاولة حكومة نواف سلام احتواء التداعيات وسد ذرائع إسرائيل بإقرار حظر أنشطة "حزب الله" العسكرية. كذلك، توسّعت الحرب بإعلان فصائل عراقية تنفيذ 28 عملية استهداف للقواعد الأميركية في العراق والمنطقة.

هل تتحول إيران إلى "ثقب أسود" للفوضى؟

التوترات التي تتصاعد في كل لحظة فتحت باب التساؤل حول تداعيات الحرب على الشرق الأوسط، وشكل المنطقة بعد الحرب، إذ يرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير أيمن زين الدين أن الإجابة تعتمد كلياً على سيناريو نهاية الصراع في إيران، وما إذا كان سيؤدي إلى تفكك الدولة وانهيارها أم بقائها ككيان متماسك قادر على إدارة شؤونه.

وقال زين الدين لـ"اندبندنت عربية" إن بقاء الدولة الإيرانية يطرح تساؤلاً حول طبيعة مشروعها السياسي المقبل، وهل سيكون استمراراً للصيغة الحالية أم نموذجاً جديداً مشتقاً عنها؟ محذراً من أن تحوّل إيران إلى حالة من الفوضى سيخلق "ثقباً أسود" يؤثر بقوة في محيطه الإقليمي نظراً إلى مساحتها ونفوذها. مؤكداً أن طهران بعد أحداث السابع من أكتوبر، وانهيار جبهات حلفائها وسقوط نظام الأسد لم تعد كما كانت، وستضطر للتركيز على ترتيب أوضاعها الداخلية وأزماتها الاقتصادية.

ومع تأرجح مصير النظام الإيراني بين احتمالات البقاء أو السقوط، يبرز السؤال حول السيناريو الذي يفيد الدول العربية، وهنا يشير الدبلوماسي المصري السابق إلى وجود انقسام في تقدير الموقف، فبينما يرى البعض في سقوط النظام الإيراني "مصلحة عربية لإنهاء طموحاته"، يرى آخرون أن إيران مثلت "عنصراً في توازن القوى حدّ من الاندفاع الإسرائيلي". وأعرب زين الدين عن قناعته الشخصية بأن إسرائيل تمثل الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي، وأن غياب التحديات أمامها قد يضاعف أطماعها في الأراضي والموارد العربية، مؤكداً أن الوضع الأمثل للدول العربية حالياً هو العمل على امتلاك قدرة ذاتية لحماية أمنها القومي في مواجهة إيران وإسرائيل معاً، بخاصة أن المؤشرات الحالية لا تدعو إلى التفاؤل تجاه إسرائيل.

 

وعلى رغم ميل موازين القوة بشدة لمصلحة الولايات المتحدة وإسرائيل، فإن إيران تراهن على "النفس الطويل"، بينما لا يبدو أن ترمب يملك الصبر على خوض معركة طويلة الأمد، فيما يبدو بنيامين نتنياهو معنياً أكثر بالاستمرار حتى تغيير النظام وتغيير وجه المنطقة، بحسب رأي رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية، خالد شنيكات.

ويطرح الأكاديمي الأردني، في تصريحاته لـ"اندبندنت عربية"، سيناريو انتهاء الحرب بتسوية ما تضمن بعض المصالح الإيرانية من دون تغيير النظام في طهران، وفي هذه الحالة سيبقى الإقليم على حاله، بوجود قوى مثل إيران وتركيا وهو ما يحد من التغول الإسرائيلي.

أما في حال هزيمة إيران في الحرب الحالية، فيتوقع شنيكات أن تقع المنطقة تحت السيطرة المطلقة للأجندة الإسرائيلية، معتبراً أن وجود قوى مثل إيران وتركيا يؤدي إلى حالة من توازن القوى المطلوب في الإقليم، لأن رؤية تل أبيب لما يسمّى بإسرائيل الكبرى أصبح يتكرر، ليس على لسان متطرفين خارج الحكومة، بل من صناع القرار مثل نتنياهو وسموتريتش وبن غفير، وحتى زعيم المعارضة نفتالي بينيت الذي تحدث عن إقامة إسرائيل الكبرى على أراضي مصر والأردن ولبنان وسوريا والسعودية والعراق والكويت، بالتالي لدى إسرائيل الرغبة في التوسّع متى أتيحت لها الفرصة.

هل إسرائيل المستفيد؟

لا يتفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة موري ستايت الأميركية، إحسان الخطيب، مع القول بأن ضرب إيران وأذرعها في المنطقة يقوّي إسرائيل. وقال الخطيب لـ"اندبندنت عربية" إن إسرائيل دولة مهيمنة في المنطقة، ولا أحد يستطيع ردعها إلا أميركا، موضحاً أن إسرائيل دائماً كانت أقوى من أعدائها، لكنها كانت تعتبر أن لهم دوراً ما مفيداً أو يمكن تحملهم وتحجيمهم في سبيل المحافظة على الاستقرار، مشيراً إلى أن تل أبيب الآن "لا تتبنى تلك السياسة". مرجعاً التغول الإسرائيلي في المنطقة إلى تفوقها العسكري والاستخباراتي والتقني، فيما الحل الوحيد لمواجهة ذلك التفوق هو التحالف مع الولايات المتحدة. بحسب تعبيره.

واعتبر الخطيب أن الضربات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج دليلاً إضافياً على أن إيران تعد تهديداً لجيرانها العرب، حيث كانت السبب في أن تعيش المنطقة إمّا حرب أو أجواء حرب لعقود، مضيفاً أن من مصلحة العرب أن تكون إيران "دولة طبيعية" من خلال الطلبات الأميركية بالتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية ووقف دعم الجماعات المسلحة، إضافة إلى التوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي.

وانخرطت الولايات المتحدة وإيران في 3 جولات تفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، كان آخرها قبل أقل من يومين من شنّ أميركا وإسرائيل هجماتهما المشتركة على طهران.

ويرهن الباحث السعودي في العلوم الاستراتيجية والعسكرية، اللواء محمد بن صالح الحربي، سيناريوهات المنطقة بنتائج المواجهة العسكرية الحالية وتأثيرها الهيكلي في منظومة صنع القرار في طهران. مشيراً إلى أن الأنباء حول نجاح اغتيال كبار القادة الروحيين والسياسيين والعسكريين وخبراء البرنامج النووي في إيران، تعكس تحولاً جذرياً في مسار الصراع، بخاصة مع تصريحات الرئيس دونالد ترمب التي أكد فيها أن أهداف الحرب تحققت بسرعة مذهلة تجاوزت التوقعات، وهو ما يفتح الباب أمام فرضية المفاوضات التي أبدت إيران رغبة صريحة في الانخراط بها وفقاً للتواصل المباشر مع الجانب الأميركي.

 

وأوضح الحربي لـ"اندبندنت عربية" أن النظام الإيراني الذي بُني عقائدياً وأمنياً على مدى عقود بالولاء المطلق للمرشد، يواجه اليوم استحقاقاً تاريخياً يتمثل في حتمية التغيير، إذ إن أي انتقال من "الحرس القديم" إلى "الحرس الجديد" سيجبر طهران على تقديم تنازلات مؤلمة واتخاذ منحى أكثر براغماتية وتطوراً، بخاصة أن خيارات "رفاهية الوقت" باتت محدودة جداً أمام القادة الإيرانيين الذين يجدون أنفسهم أمام مفترق طرق حاسم، فإما العودة إلى منطق الدولة والانخراط في التنمية الشاملة للشرق الأوسط الجديد، أو مواجهة خطر الانهيار المتسارع، نظراً إلى كون النظام الراديكالي الصلب لا يحتمل التفكك الجزئي الذي سيؤدي تلقائياً إلى تلاشيه.

ويرى الباحث السعودي أن إيران يمكنها في العهد الجديد بعد الحرب أن تكون فاعلاً إيجابياً بالمنطقة، بامتلاكها كل المقومات الاقتصادية والجيوسياسية مثل ثاني أكبر احتياطي غاز وسادس أكبر احتياطي نفط عالمياً، كما تتمتع بموقع استراتيجي مطل على بحرين ومساحة شاسعة وقاعدة صناعية وزراعية خصبة، مما يؤهلها للتقدم والازدهار بدلاً من الاستمرار في نهج "تصدير الثورة" الذي أثبت فشله الذريع في دعم الأذرع والميليشيات، لا سيما بعد أن تحوّلت سوريا إلى حاجز يمنع التواصل بين تلك الميليشيات من العراق إلى لبنان، ودخول قوى إقليمية كتركيا وباكستان في المعادلة، وهو ما يفرض على طهران واقعاً جديداً يتطلب التخلي عن الأيديولوجيا الصدامية لمصلحة الاندماج في محيطها الإقليمي والدولي.

إعادة هندسة الإقليم

فتح اغتيال المرشد خامنئي الباب أمام التوقعات بتولي قيادة إيرانية أقل تشدداً وأكثر مرونة مع المطالب الدولية والإقليمية بالتوقف عن التدخل في شؤون الدول الأخرى، والتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي، بخاصة بعد تصريحات ترمب بأنه يعتبر "سيناريو فنزويلا" الأفضل لنقل السلطة في طهران، في إشارة إلى تبني الرئيسة ديلسي روديغيز سياسة منفتحة تجاه واشنطن بعد إلقاء القبض على الرئيس نيكولاس مادورو في عملية عسكرية أميركية خاطفة مطلع العام الحالي.

ويتشكك كثيرون في إمكانية إزاحة إيران من معادلة السياسة الإقليمية، حتى في ظل الضغط العسكري الحالي، إذ يرى المحلل السياسي السوري ميلاد الأطرش أن أي مواجهة عسكرية مرتقبة مع إيران لن تمحو أثرها كفاعل مركزي في المنطقة، بل ستفضي بالضرورة إلى عملية "إعادة هندسة" شاملة للنظام الإقليمي برمته، مستنداً في ذلك إلى بنية الدولة الإيرانية العميقة وقدرة مؤسساتها، وفي مقدمتها الحرس الثوري، على التكيف مع سيناريوهات الحصار والحروب القاسية.

 

وفي قراءته لمسارات الصراع، قال الأطرش لـ"اندبندنت عربية" إن المشهد يتأرجح بين بقاء النظام مع تقليص قدراته العسكرية للدخول في مرحلة ردع متبادل، أو الانزلاق نحو التفكك الجزئي وما يتبعه من سيولة أمنية تهدد ممرات الطاقة والملاحة الدولية، وصولاً إلى فرضية التحول البراغماتي التي قد تنتج قيادة قومية تتخلى عن تصدير الثورة مقابل الانفتاح الاقتصادي.

ويؤكد الأطرش أن المصلحة العربية الحقيقية لا تكمن في سقوط النظام الإيراني إذا كان الثمن هو الفوضى الممتدة، بل في تغيير سلوك الدولة ودفعها نحو الاندماج في النظام العالمي وتفكيك منظومة الحروب بالوكالة، وهو ما سيفرض تحولات جوهرية في خريطة التحالفات، حيث ستتجه دول الخليج نحو تنويع شراكاتها بعيداً من الاعتماد الأحادي على الموقف الأميركي، بينما سيتحول العراق إلى نقطة ارتكاز حاسمة في التوازن الإقليمي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير