"تهريب الذهب"... ثقب ينخر جسد الاقتصاد السوداني

تضبط السلطات المختصة يومياً كميات كبيرة عبر المعابر البرية والبحرية والجوية

محل ذهب في الخرطوم (أ.ف.ب)

يشكل تهريب الذهب تحدياً كبيراً للحكومة الانتقالية في السودان التي يرأسها الخبير الاقتصادي عبدالله حمدوك، إذ تضبط السلطات المختصة يومياً كميات كبيرة مهربة عبر المعابر البرية والبحرية والجوية، على الرغم من الجهود المبذولة للحد من هذه العمليات المستمرة منذ سنوات عدة، والتي أفقدت خزينة الدولة نحو 70 في المئة من إنتاج البلاد السنوي البالغ نحو 107 أطنان. 

في حين أعلن وزير التعدين عادل إبراهيم استعداده لمراجعة تسعيرة الذهب التي وضعها البنك المركزي السوداني مع وزير المالية للحد من تهريب هذا المعدن الثمين.

فارق السعر

ويتجه العديد من المعدنيين التقليديين وشركات تعدين إلى تهريب إنتاج الذهب، بسبب سياسات البنك المركزي في شراء المنتج وفق سعر الدولار الرسمي (يعادل سعر الدولار رسمياً 47 جنيهاً مقابل 70 جنيهاً في السوق الموازية)، بينما يفضل المنتجون تهريب المعدن الأصفر للاستفادة من سعر الدولار المرتفع في السوق السوداء. 

ويبلغ عدد المعدنيين التقليدين قرابة مليوني شخص يستخرجون نحو 90 في المئة من إنتاج البلاد. فيما تعتبر ولايتا نهر النيل والشمالية الواقعتان شمال السودان وولاية البحر الأحمر شرق البلاد، وولاية دارفور التي تقع في الغرب من أكثر الولايات التي تنتج الذهب. وتعتمد الحكومة السودانية في الوقت الحالي على الذهب كمورد أساسي لسد العجز في النقد الأجنبي، بعد خسارتها بترول دولة جنوب السودان، إثر الانفصال الذي حصل في 2011، والذي كان يمثل نحو 70 في المئة من ميزانية الدولة.

ويحتل السودان المرتبة الثالثة إفريقياً في إنتاج الذهب بعد جنوب إفريقيا وغانا، وتسعى الخرطوم من خلال تنظيم إنتاج المعدن الأصفر ومحاربة تهريبه إلى خارج البلاد، إلى الوصول إلى المرتبة الأولى خلال السنوات المقبلة، ورفد الاقتصاد الذي يعاني على وقع التضخم وتراجع العملة الوطنية وارتفاع أسعار المواد الغذائية.

أساليب مختلفة

يركز المهربون على الحدود البرية لاتساعها بخاصة مع مصر وتشاد، من خلال اتباع أساليب مختلفة بدءاً من الطرق السرية مثل وضع الذهب في أرحام الإبل وأمعاء المهربين وعبر وسائل النقل الأخرى البعيدة من الرقابة، أو بطرق علنية وفي وضح النهار عبر مطار الخرطوم الدولي بالاستعانة بالصالات الرسمية للتهريب إلى دبي.

ويُرجع مدير هيئة الجمارك اللواء بشير الطاهر، انتشار هذه الظاهرة إلى سهولة عملية التهريب عبر مطار الخرطوم لعدم مواكبته للتطور.

ويقول "المطار بشكله الحالي يسهم بشكل كبير في تهريب الذهب، وقد تم بالفعل ضبط كميات كبيرة من الذهب المهرب"، لافتاً إلى تورط نظاميين في عمليات تهريبه عبر المطار. يتطابق قوله مع مدير هيئة الجمارك السابق الفريق صلاح الشيخ الذي يوضح "أن أكبر منفذ للفساد وتهريب الذهب في عهد النظام السابق كان يتم عبر صالة كبار الزوار في مطار الخرطوم"، في إشارة إلى مسؤولين كبار كانوا يستغلون نفوذهم لتهريب الذهب إلى الخارج.

حدود مفتوحة

وفي سياق متصل، يُرجع الباحث الاقتصادي عوض الكريم مصطفى في حديثه إلى "اندبندنت عربية" اتساع رقعة تهريب الذهب إلى ما يتمتع به السودان من حدود برية مفتوحة مع العديد من الدول غير الحدود البحرية، حيث تمارس شبكات التهريب نشاطاً واسعاً لتهريب مختلف السلع إلى دول الجوار، ومن أهمها الذهب نظراً لارتفاع أسعاره خارجياً مقارنة بداخل البلاد، ما صعّب من مهمة مكافحة التهريب بالطرق الأمنية والحراسات أو بوجود قوات أمنية على الحدود.

ويرى أنه كان سهلاً على الدولة، القضاء على هذه الظاهرة لو كانت المنافذ محدودة ومحكمة، مشيراً أيضاً إلى أن الطبيعة الجغرافية والطبوغرافية تسهم بشكل كبير في إعاقة ملاحقة المهربين في كثير من الأحيان، لذلك لن تكون السياسات التشجيعية هي الأساس في تقليل معدل التهريب حفاظاً على الاقتصاد.

ويبيّن أن التهريب لم يقتصر على السودانيين فقط، بل هناك شركات أجنبية تعمل في مجال التنقيب تهرّب كل الكميات التي تنتجها بالتواطؤ مع مسؤولين وشبكات تهريب وأفراد يمارسون هذا النشاط، موضحاً أن ما يسهل مختلف وسائل التهريب التواطؤ الحكومي مع المهربين وضعف الرقابة.

ويشير إلى أن التهريب بخاصة الذهب، أثّر في اقتصاد السودان، لافتاً إلى أن كثيراً من السلع تهرّب إلى دول الجوار التي تكون أسعارها مرتفعة بخاصة المنتجة محلياً، وبالعكس تهرب إليه من دول الجوار أو من طريقها سلع أخرى تكون مرتفعة الأسعار في الداخل.

 ويوضح مصطفى أن أزمة الذهب لا تنتهي بالتهريب، بل تمتد إلى الإبقاء على إيرادات التصدير خارج البلاد تجنباً لوضعها في القطاع المصرفي الذي يحدد سعر صرف مغاير للسوق السوداء، معرباً عن أمله في أن تقوم الجهات المختصة بوضع حد لعمليات التهريب من خلال مراجعة آلية الشراء وضبط الأسعار بما يتوافق مع السعر في السوق العالمية.

الإنتاج والتصدير

وبحسب تقرير سابق لوزارة المعادن السودانية، فإن الفرق بين المنتج من الذهب في السودان وبين المصدر إلى الخارج بقيمة تتراوح بين 3 و4 مليارات دولار سنوياً، ويمثل تصدير الذهب نسبة 37 في المئة من إجمالي صادرات البلاد خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

 فيما تشير تقارير رسمية إلى أن السودان لم يستهلك بعد سوى 1 في المئة من احتياطاته من الذهب والمعادن الأخرى، والتي تقدر وفقاً لوزير التعدين السابق هاشم علي سالم، بنحو 500 طن من الذهب كاحتياطي مؤكد، إضافة إلى آلاف الأطنان كاحتياطي غير مؤكد، و1.5 مليار طن من الحديد، وللسودان مخزون لنحو 40 معدناً آخر، علاوة على الأحجار الكريمة والنادرة.