ملخص
واردات مصر من الغاز الإسرائيلي ارتفعت بنحو ثمانية في المئة خلال السنة المالية المنتهية في يونيو (حزيران) 2025 لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة، مقابل 319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة، مما يعكس تنامي الاعتماد النسبي على هذا المصدر قبل قرار التوقف.
أوقفت إسرائيل ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر لأجل غير مسمى اعتباراً من صباح السبت، بعد هجوم مشترك شنته مع الولايات المتحدة على إيران، في تصعيد جيوسياسي واسع أعاد ملف أمن الطاقة إلى صدارة المشهد الإقليمي.
القرار استند إلى بند "القوة القاهرة" في اتفاقات التوريد، مما يضع القاهرة أمام اختبار جديد لإدارة فجوة الإمدادات في ذروة طلب موسمي متقلب.
في المقابل، أكدت القاهرة جاهزيتها بسيناريوهات عدة لمواجهة الأزمة، إذ قال المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر محمود ناجي، إن الوزارة تدرس بدائل عدة لمواجهة توقف ضخ الغاز الإسرائيلي إلى مصر.
وأوضح ناجي لـ"اندبندنت عربية"، "الأمور مستقرة وليس لدينا أي أزمة في مواجهة الأمر وضخ الغاز إلى محطات الكهرباء مستمر ولم يتوقف"، نافياً عزم وزارته تخفيف الأحمال في الكهرباء في الفترة الحالية أو المقبلة.
خلال صيف 2024، واجهت مصر زيادة كبيرة في استهلاك الكهرباء مع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، ولجأت إلى سياسة تخفيف الأحمال لتقليل الضغط على محطات الكهرباء وتقليص استهلاك الوقود، إلا أن القاهرة نجحت في تجاوز الأزمة في الصيف الماضي بعد توقفها عن تطبيق سياسة تخفيف الأحمال.
بل إنه في يوليو (تموز) 2025ش، سجلت مصر أكبر أحمال كهربائية في تاريخ البلاد، إذ بلغ الحمل الأقصى 37600 ميغاواط، وفقاً لما أظهرته شاشات المركز القومي للتحكم في الطاقة آنذاك، في ظل ارتفاع غير مسبوق في معدلات استهلاك الكهرباء، بزيادة يومية بلغت نحو 500 ميغاواط.
كان المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول المصرية أكد في تصريحات إعلامية مساء أمس السبت، أن وزارته تعمل منذ عام ونصف العام على مدخلات شبكة الغاز، موضحاً أنه كان هناك تناقص في الإنتاج المحلي بسبب نضوب طبيعي للآبار ونتج منه بعض المشكلات في دفع مستحقات الشركاء قبل أن يتم تدارك هذا الأمر وإدخال آبار جديدة للإنتاج.
وأشار إلى تأهيل البنية التحتية لاستقبال شحنات الغاز، لافتاً إلى أنه سيتم إضافة آبار غاز جديدة مع الحفر والاستكشاف، مضيفاً أن "وزارته أعدت سيناريوهات ومناورات للاستجابة السريعة لأي متغيرات"، مشيراً إلى أنه "لا نعتمد على مورد واحد أو جهة واحدة، أو أسلوب توريد واحد أو أسلوب تعاقد واحد".
ونقلت صحف مصرية محلية عن مسؤول حكومي، قوله إنه "بلغت الكميات التي توقف ضخها نحو 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً من حقلي (تمار) و(ليفياثان) في إسرائيل بشرق المتوسط، وهو ما يمثل شريحة مؤثرة من واردات الغاز التي اعتمدت عليها مصر خلال العامين الماضيين لتعويض تراجع الإنتاج المحلي".
فجوة يومية تتجاوز ملياري قدم مكعبة
إلى ذلك يقدر إنتاج مصر الحالي بنحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل طلب محلي يدور حول 6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، مما يعني وجود فجوة تقارب 2.1 مليار قدم مكعبة يومياً.
ومع توقف 1.1 مليار قدم من الإمدادات الإسرائيلية، تتسع الضغوط على المنظومة، خصوصاً في ظل تذبذب درجات الحرارة وارتفاع استهلاك الكهرباء.
اللافت أن واردات مصر من الغاز الإسرائيلي ارتفعت بنحو ثمانية في المئة خلال السنة المالية المنتهية في يونيو (حزيران) 2025 لتصل إلى 344 مليار قدم مكعبة، مقابل 319 مليار قدم مكعبة في السنة المالية السابقة، مما يعكس تنامي الاعتماد النسبي على هذا المصدر قبل قرار التوقف.
خطة استباقية: سفن تغويز واحتياطات آمنة
وأكدت وزارة البترول المصرية في بيان رسمي توقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط، مشيرة إلى تنفيذ حزمة إجراءات استباقية لتأمين حاجات السوق المحلية شملت زيادة الكميات المكررة في معامل التكرير المحلية وتكوين أرصدة آمنة من المنتجات المستوردة مع تشغيل خمس سفن تغويز (تحويل الغاز إلى سائل والعكس) بطاقة إجمالية تقارب ملياري قدم مكعبة يومياً.
وتعمل السفن في ميناء العين السخنة بطاقة رئيسة، إذ تضخ السفينة النرويجية "هوغ" نحو 750 مليون قدم مكعبة يومياً، وسفينتا "إنيرغوس باور" و"إنيرغوس إسكيمو" نحو 750 مليون قدم مكعبة لكل منهما، إضافة إلى "إنيرغوس وينتر" في دمياط بطاقة 450 مليون قدم مكعبة، و"إنيرغوس فورس" في ميناء العقبة الأردني بطاقة 750 مليون قدم مكعبة يومياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فعلياً، تستقبل القاهرة حالياً نحو 300 مليون قدم مكعبة يومياً من مركب العقبة، بينما تحصل عمان على كمية مماثلة لتشغيل محطات الكهرباء، في محاولة لتعويض غياب الغاز الإسرائيلي.
تأثرت كذلك الترتيبات الخاصة بسوريا ولبنان، إذ أوقفت مصر ضخ نحو 100 مليون قدم مكعبة يومياً عبر "خط الغاز العربي".
وكانت القاهرة قد اتفقت في وقت سابق على تسييل شحنات لمصلحة البلدين خلال الشتاء، مع ضخ 50 مليون قدم مكعبة من سوريا إلى لبنان من حقولها الشمالية، إلا أن نقص الإمدادات الحالية جمد هذه الترتيبات.
إغلاق الحقول الإسرائيلية لم يقتصر أثره في مصر، إذ توقف أيضاً توريد نحو 300 مليون قدم مكعبة يومياً إلى الأردن، مما يعكس اتساع نطاق التأثير الإقليمي للقرار.
إدارة الأزمة: رسائل طمأنة حكومية
وتابع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي مع وزير البترول كريم بدوي موقف الاحتياطات وانتظام الإمدادات، وأكد الوزير استقرار المخزونات عند مستويات آمنة، مع جاهزية خطط الاستجابة السريعة لمواجهة أي سيناريوهات طارئة، خصوصاً لتأمين حاجات القطاعات الإنتاجية.
اقتصادياً، يعيد هذا التطور طرح تساؤلات حول مدى قدرة مصر على الاستمرار في سد الفجوة عبر التغويز والاستيراد الفوري، وكذلك كلفة اللجوء المتزايد إلى الغاز المسال في ظل تقلبات الأسعار العالمية، إضافة إلى انعكاسات أي اضطراب طويل الأمد على عجز الموازنة وميزان المدفوعات.
وإذا طال أمد التوقف، فقد تضطر الحكومة إلى إعادة ترتيب أولويات الاستهلاك، أو زيادة الاعتماد على المازوت في توليد الكهرباء، وهو خيار أعلى كلفة وأقل كفاءة بيئياً.
في النهاية، وقف ضخ 1.1 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز الإسرائيلي يضع منظومة الطاقة المصرية أمام ضغط حقيقي، لكنه يأتي في ظل استعدادات مسبقة شملت سفن تغويز واحتياطات استراتيجية.
قدرة القاهرة على إدارة الفجوة ستعتمد على مدة التوقف وتطورات المشهد الجيوسياسي، فيما يبقى أمن الطاقة عنصراً حاسماً في استقرار الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.