ملخص
بينما ركزت "عقيدة مونرو" تقليدياً على حماية نصف الكرة الغربي، فإن إدارة ترمب ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إعادة تعريف المجال الحيوي الأميركي تحت مفهوم لا تزال ملامحه قيد التشكل، أطلق عليه وزير الحرب بيت هيغسيث اسم "أميركا الشمالية الكبرى" بهدف توسيع "المحيط الأمني" الذي ترى الولايات المتحدة أنها مسؤولة عن الدفاع عنه ليمتد من الإكوادور إلى غرينلاند، ويشمل الكاريبي وأميركا الوسطى والمكسيك وكولومبيا وفنزويلا وغيانا.
منذ "صلح وستفاليا" والحدود الجغرافية أشبه بالفواصل المقدسة التي تحفظ لكل دولة سيادتها واستقلالها في نظام دولي لا تحكمه أية سلطة مركزية. وهكذا أسهمت الحدود في إكساب الدول سلطة أخلاقية وقانونية على أراضيها، مقابل تجريدها من أية سلطة عابرة للحدود.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من الفصل النظري "المخادع" بين المحلي والدولي، فالحدود مرسومة على الورق أو متجسدة بالجدران، لا تحصّن الدول من التأثيرات الخارجية أو موازين القوى العالمية، بل إن تلك العوامل السياسية قد تفرض عليها تكتلات لا تحكمها الجغرافيا وحدها.
الجنوب العالمي
أحد الأمثلة لهذه التكتلات ما بات يُعرف بـ"الجنوب العالمي"، وهو مصطلح برز خلال التسعينيات كإطار جيوسياسي جامع لدول من قارات مختلفة لا يجمعها سوى تجارب تاريخية من التهميش والاستعمار ومسعى مستمر لإعادة تعريف أدوارها في النظام الدولي كفاعلين مستقلين.
ويضم "الجنوب العالمي" دولاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، مما يجعل المصطلح أبعد من أن يكون توصيفاً جغرافياً بقدر ما هو توصيف لكتلة متنوعة تسعى إلى مقاومة الهيمنة التقليدية لـ"الشمال العالمي" الذي تمثله بالأساس الولايات المتحدة ودول أوروبا.
الطبيعة المتحدية لكتلة "الجنوب العالمي" أدت إلى ردود فعل متباينة في العالم الغربي، فبعضهم يدعمها كتعبير عن القطيعة مع سياسات الماضي الاستغلالية ولاستبدال مصطلحات دونية مثل "العالم الثالث". في المقابل، هناك من لا يعترف بهذه الكتلة لأن دولها متباينة في أنظمتها السياسية والاقتصادية.
لكن التفسير الأكثر شيوعاً لتجاهل مصطلح "الجنوب العالمي" يتعلق بالقوة، فكتلة الجنوب قد تشكل قوة وازنة تزعزع موازين القوى بطريقة لا تخدم مصالح اللاعبين المستفيدين من الوضع الراهن، فعلى سبيل المثال يشكل سعي دول "الجنوب العالمي" إلى مزيد من الاستقلالية تهديداً للنظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وهذا التهديد يتزايد خطره في ضوء نفوذ الصين وروسيا في تلك المناطق.
"أميركا الشمالية الكبرى"
على أساس تقاسم مناطق النفوذ، نشأ "مبدأ مونرو" عام 1823 الذي نص على منع التدخل الأجنبي في شؤون الأميركتين مقابل التزام واشنطن عدم التدخل في أوروبا. ولم تتراجع الولايات المتحدة بعد قرنين عن هذه العقيدة، بل أعادت تأكيدها كلما برزت نزعات استقلالية في المنطقة، إذ تحولت العقيدة من رادع للمشاريع الاستعمارية إلى أداة لتثبيت نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي وحماية "حديقتها الخلفية".
وفي هذا السياق، يرى الرئيس دونالد ترمب أن واشنطن أهملت هذا المجال الحيوي، بينما انشغلت بمناطق أبعد وأقل تأثيراً في أمنها المباشر. ومن هنا وُلد "ملحق ترمب" أو عقيدة "دونرو" التي تعيد تثبيت أميركا اللاتينية والكاريبي كمجال نفوذ أميركي لا يسمح لأية قوى أجنبية بالتأثير فيه. وتلمّس العالم تأثير العقيدة الجديدة في أعقاب عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني) الماضي.
لكن بينما ركزت "عقيدة مونرو" تقليدياً على حماية نصف الكرة الغربي، فإن إدارة ترمب ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر إعادة تعريف المجال الحيوي الأميركي تحت مفهوم لا تزال ملامحه قيد التشكل، أطلق عليه وزير الحرب بيت هيغسيث اسم "أميركا الشمالية الكبرى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويسعى هذا المشروع إلى توسيع "المحيط الأمني" الذي ترى الولايات المتحدة أنها مسؤولة عن الدفاع عنه ليمتد من الإكوادور إلى غرينلاند، ويشمل الكاريبي وأميركا الوسطى والمكسيك وكولومبيا وفنزويلا وغيانا، في محاولة لإعادة دمج هذه الدول ضمن فضاء أمني واحد تقوده واشنطن.
ويمكن قراءة المشروع بوصفه سعياً إلى إعادة تعريف السيادة عبر ربط أمن هذه الدول مباشرة بالأمن الأميركي وكمحاولة لإعادة توزيع أعباء الأمن، خصوصاً في ملفات مثل الهجرة وتهريب المخدرات وتأمين الموارد والممرات الحيوية، أما لغوياً فتضع التسمية الولايات المتحدة في المركز، وما عداها هو الهامش.
وتكتسب الخريطة الاستراتيجية الجديدة بعداً عالمياً في مسعاها لإعادة ترتيب الأولويات أو "الأجندة" الدولية، إذ تقوم على فرضية أساسية مفادها بأن جميع الدول الواقعة شمال خط الاستواء لم تعُد جزءاً من "الجنوب العالمي"، بل أصبحت ضمن نطاق الدفاع المباشر للولايات المتحدة.
يقول هيغسيث، "نطلق على هذه الخريطة الاستراتيجية اسم ’أميركا الشمالية الكبرى‘. لماذا؟ لأن كل دولة أو إقليم ذي سيادة شمال خط الاستواء من غرينلاند إلى الإكوادور، ومن ألاسكا إلى غويانا، لا يُعد جزءاً من "الجنوب العالمي"، بل هو جزء من محيطنا الأمني المباشر في هذا الحي الكبير الذي نعيش فيه جميعاً. فجميع هذه الدول تطل إما على شمال الأطلسي أو شمال الهادئ".
وبما أن "الجنوب العالمي" مفهوم سياسي بالدرجة الأولى، فإن إخراج دول أميركا اللاتينية من هذا الإطار خيار سياسي عبر عنه هيغسيث بوضوح. وبناءً عليه، استبعدت واشنطن أكثر من 10 دول في أميركا اللاتينية والكاريبي من كتلة الجنوب العالمي، إذ يقول وزير الحرب الأميركي إن "الخصوم يهددون إرثنا المشترك وجغرافيتنا المشتركة، فهم يسعون إلى استبدال العلاقة التاريخية بين الشمال والجنوب التي جمعتنا دائماً، بنموذج جديد لما يسمى ’الجنوب العالمي‘، يستبعد الولايات المتحدة والدول الغربية، ويضم قوى غير غربية وخصوماً آخرين".
ومع ذلك، اختارت حكومات مثل المكسيك وكولومبيا وفنزويلا الصمت الاستراتيجي، من دون تأييد أو رفض، في إشارة إلى رفض ضمني لقرار لم تُستشَر فيه. وتبنّى الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا موقفاً مماثلاً، على رغم انتقاداته المعروفة للسياسات الأميركية في المنطقة.
توسيع المجال الأمني
توسع الخريطة الاستراتيجية الجديدة المجال الأمني الحيوي للولايات المتحدة، إذ إن أي تحرك معادٍ في هذا النطاق، سواء قرب ألاسكا أو غرينلاند أو الكاريبي يشكل تهديداً مباشراً للأراضي الأميركية. كما أن السيطرة الصينية على الموانئ أو البنى التحتية عند نقاط الاختناق مثل قناة بنما، أو انتشار "الكارتلات" والهجرة غير النظامية، تُعد جميعها امتداداً لتهديد واحد يتطلب استجابة أمنية موحدة.
ولذلك تطالب واشنطن الدول الواقعة جنوب خط الاستواء مثل البرازيل والأرجنتين وتشيلي بتحمّل دور أكبر في الدفاع عن نفسها وتأمين محيطها الإقليمي، بما يسمح للولايات المتحدة بتركيز مواردها على "أميركا الشمالية الكبرى". وبذلك، تتحول هذه الدول إلى شركاء أمنيين في الخلف ضمن إطار أوسع مثل "درع الأميركتين"، من دون أن تتحمل الولايات المتحدة عبء الدفاع المباشر عن كامل المنطقة.
وعملياً، يقوم هذا التصور على توزيع جغرافي للأدوار، إذ يقول وزير الحرب الأميركي، "في الشمال، يتعين على الولايات المتحدة أن تعزز حضورها ومواقعها بالتعاون معكم، ومع شركائنا ذوي السيادة، للدفاع عن هذا المحيط الأمني المباشر المشترك. أما في الجنوب أي جنوب خط الاستواء، في الجانب الآخر من هذا الحي الكبير، فسنعزز الشراكات من خلال زيادة تقاسم الأعباء. وهذا سيمكنكم من الاضطلاع بدور أكبر في الدفاع عن جنوب الأطلسي وجنوب الهادئ، وتأمين البنى التحتية والموارد الحيوية".
وربط هيغسيث هذا التوجه بإحياء "مبدأ مونرو"، معلناً خلال مؤتمر مكافحة "الكارتلات" في فلوريدا أن واشنطن باتت تنظر إلى المنطقة شمال خط الاستواء على أنها "أميركا الشمالية الكبرى"، في إشارة إلى تحول مفاهيمي من مجرد حماية النفوذ إلى إعادة تعريف المجال الاستراتيجي نفسه.
ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في ظل تركيز الولايات المتحدة على حماية الممرات الحيوية، وعلى رأسها قناة بنما التي يمر عبرها نحو 40 في المئة من حركة الحاويات الأميركية وما بين خمسة وستة في المئة من التجارة العالمية، في وقت تتزايد مخاوف واشنطن من نفوذ الصين في هذه النقاط الحساسة.
وإجمالاً، تعكس استراتيجية "أميركا الشمالية الكبرى" محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافيا والسياسة، فلا تُفهم الحدود باعتبارها خطوطاً فاصلة، بل كدوائر نفوذ ومجالات أمنية. وكما قال هيغسيث، فإن "حل هذا التحدي لا يكمن في تجاهل الجغرافيا باسم القيم العالمية، بل في توظيف الجغرافيا المشتركة لخدمة المصالح الوطنية"، مما تجسده الاستراتيجية الجديدة كإطار لإعادة تعريف الأمن والسيادة والنفوذ في آن واحد.