ملخص
يتتبع ماجد وهيب في روايته "ألعاب وحشية" مصائر 14 جيلاً على مدى أربعة قرون تنتهي بالزمن الراهن، متماساً وإن على نحو موارب مع مرويات دينية وفلسفية عن الحياة والموت، والتباس البدايات والنهايات.
يقسم الروائي المصري ماجد وهيب روايته "ألعاب وحشية" (دار المرايا) إلى أربعة أقسام: "البداية الأولى والبداية الثانية والبداية الثالثة ونهاية موقتة"، عبر سرد لا يمضي خطياً، ليروي حكاية لا بداية مؤكدة لها ولا نهاية باتة، "فقط توجد لحظات نختار واحدة منها هي البداية" ص 125. ويعطي لكل فصل من فصولها اسم شخص تدور حوله الحكاية في زمن محدد، فتتشابه التفاصيل وتتكرر المصائر.
ومع ذلك فإنه يحدد القسم الثالث باعتباره "البداية الأخيرة"، ليس لأنها لا بداية قبلها "ولكن لأننا لا يمكن أن نظل هكذا نرجع إلى الوراء باستمرار" ص 253. ويبدأه بفصل يتميز بأنه يحمل اسمين هما "خليفة" و"سميرة" باعتبارهما أصل الجيل الأول أو بدء الخليقة بالمفهوم الديني، علماً أنهما يشتركان في أن لكل منهما أباً مجهولاً، فهما ابنا شقيقتين جرى اغتصابهما قبل أن يفر المغتصبان من دون أن يُعرف شيء عن هوية كل منهما. وتختتم الرواية بـ"نهاية موقتة" بطلها "آدم عبدالحي" ابن الزنا الذي تعلق قلبه بـ"خلود"، التي سرعان ما اتضح له أنها حلم بعيد المنال لرفض "الحاج عبدالباري" بسلطته الأبوية المطلقة، زواجهما، بما أنه يعلم أنه "ابن حرام".
أحبته دنيا، وتزوجها. قالت له: "ربما كنا سنقتل بعضنا أسرع وأكثر ولأسباب أتفه من الأسباب التي نقتل بها بعضنا الآن لو لم يكن الله موجوداً" ص 503. كانت ترد على سؤاله، خلال حديث عادي عن مصاريف البيت: "ما الشرور التي كانت ستحدث في العالم لو لم يكن الله موجوداً؟". وهكذا تحضر في هذه الرواية الأسئلة الوجودية ذاتها التي سبق أن طرحها ماجد وهيب في روايتين تدور أحداث كل منهما في سياق مختلف، هما "آلام يهوذا"، و"أخبار الأيام الأولى"، المتكئتان على مرويات تتعلق بحادثة صلب المسيح في الأولى والأزمنة البدائية للإنسان في الثانية.
مفاتيح روائية
يبدأ ماجد وهيب "ألعاب وحشية" بمفاتيح للقراءة، منها سطر شعري للفلسطيني زكريا محمد: "الحياة قشرة تغطي قشرة حتى النفس الأخير"، واقتباس من الإيطالي جوزيبي أونغاريتي: "أيام الماضي لصيقة باليوم/ وبالأيام المقبلة التي ستأتي، لسنين، وبطول القرون، كل لحظة مفاجأة"، واقتباس من أوسيب مانلشام: "كل شيء حدث من قبل، وسوف يحدث ثانية". وتتميز "ألعاب وحشية"، بسياقها الواقعي، من دون التخلي عن الأسئلة الوجودية بأبعادها الفلسفية واللاهوتية المتوارثة.
"البداية الأولى"، في رواية "ألعاب وحشية"، زمنها أحدث من زمن البداية الثانية، تليها البداية الثالثة وتدور أحداثها قبل نحو 400 عام في إحدى قرى صعيد مصر، وصولاً إلى القاهرة، كمحطة أخيرة يتحطم عندها كل ما يمت إلى البراءة بصلة، في مختلف البدايات وحتى زمن "النهاية الموقتة"، أي الوقت الراهن. وتتمحور الأحداث في كل مرة حول رجل وامرأة، قليلاً ما يتفقان وكثيراً ما يتصادمان. ويلاحظ ميل ماجد وهيب هنا إلى استخدام التعبيرات القريبة إلى العامية، سواء في السرد أو الحوار بما يناسب واقعية الرواية، من مثل "هو حتة منها"، "اخرج بها من سكات ومن غير شوشرة"، "لا تضع في بالك"، "ناس ولاد كلب"، و"أنت أرجل منهم جميعاً".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
البداية الأولى، بطلاها "إبراهيم" الريفي الساذج الذي يتعرف على "تفاحة" داخل بيت دعارة في القاهرة، فيقع في هواها ويصر على أن يتزوجها على رغم معارضة أهله وهم من أثرياء الصعيد. سرق صندوق مصوغات والدته لكن "تفاحة" رفضت أن يتصرفا في أي من محتوياته. عاشا في الإسكندرية وأنجبا ولدين. "تفاحة" تترك الإسكندرية بعد وفاة إبراهيم المفاجئة وتعود إلى القاهرة مع طفليها. وهي على أبواب الموت تكشف لأحدهما سر الصندوق وتطلب منه أن يقتسمه مع أخيه لكنه يستأثر به لنفسه.
النهاية الموقتة
هكذا يتحول "عمار" إلى تاجر أقمشة ثري، فيما سيظل شقيقه "درويش" يعمل في ورشة الحدادة. يتزوج "درويش" من عزيزة ابنة صاحب الورشة على رغم دمامتها. يشعر "عمار" بالذنب لأنه لم يقتسم الصندوق مع أخيه فيفكر بتعويضه بمهر كبير يدفعه له مقابل زواج ابنه "عيسى" من ابنة الأخ الفقير وتدعى "سهير". لا يجد "عيسى" راحته مع "سهير" فيتعلق بفتاة من جيران أمه تدعى "سلوى" ويتزوجها سراً. "سهير" أخبرت زوجها أنها لن تقبل العيش معه بعدما تزوج عليها. تركت بيت الزوجية وتوجهت إلى بيت أبيها ومعها صغيرها "يونس". وحين يحاول "عيسى" التصالح معها يتشاجر معه شقيقها "حلمي"، وينتهي الأمر بقتل الثاني على يد الأول.
أما "النهاية الموقتة" فبطلها هو "آدم" الذي سيحمل اسم زوج أمه لأن أباه "يونس" رفض الزواج منها بعدما حملت منه. لن يعرف آدم تلك الحقيقة إلا عندما يبدي رغبته في الزواج من "خلود". "آدم عبدالحي" الذي يجسد أعلى مراتب الوعي باعتباره ممثل الجيل الأخير في تلك العائلة، هو دارس الفلسفة الذي لم يجد ناشراً يقبل بنشر روايته الجريئة في طرحها السياسي. تتأزم حياته حتى يصل إلى قناعة مفادها أنه "إذا كانت الحياة ألعاباً وحشية، فإما أن يكون الواحد قاتلاً أو قتيلاً".
قرر أن يسمي ابنه الذي لم يولد بعد: "سيد"، ويقول في نفسه وهو في محبسه بعدما قتل والده "يونس": "ليته يكون سيداً فعلاً"، مؤرقاً بسؤال "متى تهدهدنا الدنيا مثل طفل تهدهده أمه؟"، ومتعجباً من أن قدر الإنسان هو أن يحزن لا أن يسعد"، فيما يخبرنا الراوي العليم على طريقة الحكاء الشعبي أنه "ليست هذه هي النهاية، لكن إلى هنا انتهى ما عندي من أخبار، ربما بعد مئات السنين تتفرع منها عشرات الأغصان، إذا ظل الناس يحكون الحكايات ويكتبونها، وأظن أنهم سيظلون، ربما يأتي من يحكي حكايته، وحكاية ذريته جيلاً بعد جيل" ص 509.