Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رواية "عظومة" تستعيد التداعيات اللاحقة لهزيمة 67

عصام البرعي يكشف معاني انكسار الإنسان الصغير في ظل الأحداث الجسيمة

لوحة للرسامة المصرية جاذبية سري (صفحة الرسامة على فيسبوك)

في روايته "عظومة" (دار ميريت - القاهرة) يتجه الكاتب عصام البرعي إلى تداعيات نكسة يونيو (حزيران). النكسة التي بدت كل حروب وهزائم العرب التالية مجرد عناقيد سرطانية انسلت منها.

ما أكثر الروايات والأفلام والمسلسلات التي تتأمل ما جرى؛ نعثر على ذلك في قصيدة أمل دنقل "البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، في قصيدة نزار قباني "هوامش على دفتر النكسة"، وفي رواية المنسي قنديل "انكسار الروح"، وغيرها. وعلى ما يبدو كان جيلا الستينيات والسبعينيات هما الأكثر تجرعاً لمرارة الهزيمة. لذلك عندما نقرأ رواية البرعي نستشف بين سطورها، ولغتها، وومضاتها، روح كتّاب هذين الجيلين مثل إبراهيم أصلان ومحمد البساطي وعبد الحكيم قاسم.

رواية لا ترتدي جلباب أدب التصوف، ولا تتقنَّع بالتاريخ، ولا تجاري موضة "البيست سيلر"، بل تذكرنا بمعطف قديم لموظف عاش في زمن عبد الناصر. وهذا ينقلنا إلى تصميم الغلاف للفنان أحمد اللباد، الذي استعان بصورة رسمية بالأبيض والأسود لشخص ما، مع تظليل عينيه بلون أحمر. وضعها اللباد في الأعلى، كأنها معلقة على جدار غرفة في منزل عتيق، بينما في المنتصف استحوذت صورة علبة سردين مفتوحة، يظهر فيها السمك الصغير مصفوفاً ومجمداً. كأن الغلاف يربط بحبل سري ما بين مأساة الشخصي (بورتريه الرجل)، وهزيمة العام (السردين المعلب).

فوضى الزمن

لا يحدثنا الراوي مباشرة عن النكسة، ولا يتعرض لما هو سياسي إلا في ما ندر، لكن ظلال الهزيمة ماثلة بدءاً من تصدير أزمنة مختلفة مطلع كل فصل: 1969، 1971، 1975، 1976، 1977، 1978، 1980، 1984، 1988. تنحاز الاختيارات الزمنية إلى سبعينيات القرن الماضي، فهي رواية عن ذلك العقد أكثر من غيره. لكنها توقيتات ليست ذات فاعلية مباشرة على الفصل الخاص بها، ولا تعني بالضرورة مرور فجوات في السرد الذي جاء متصلاً.

فقط في كل فصل استهلال متبوع بإشارة إلى الشهر والسنة، مثلاً: "دوام الحال من المحال. كل شيء يتغير. ولكن لماذا دائماً إلى الأسوأ؟!" (يوليو/ تموز 1978). استهلالات تتفق مع ذلك الحس الكابوسي القاتم، الحيرة والتشاؤم والخسارة، ليختم آخرها بالقول: "اكتمل الشرخ، وقضي الأمر" (نوفمبر/ تشرين الثاني 1988). هذا يعني أن زمن القصة تناول تداعيات تستغرق قرابة عشرين عاماً، مع امتداد بسيط إلى طفولة خاصة بالبطل "عظومة" وصديقه الراوي. أما زمن الخطاب فلا يستغرق سوى أيام قليلة، قضاها الراوي في رحلة البحث عن "عظومة" صديق طفولته. لا يبدو النص مهتماً بوضع خريطة زمنية محكمة، وإنما أبقى قدراً لا بأس به من الارتجال والعشوائية في الانتقالات بين الماضي والحاضر. وهو ما يناسب ـ لا شك ـ حالة التداعي الروحي التي يعاني منها البطل وصديقه الراوي، وتداعي المجتمع نفسه. فشبكة الزمن هنا تشبه ذلك "السرطان" الذي يصيب الزجاج، فيظل يتمدد ويشرخ في اتجاهات واسعة، منطلقاً من بؤرة صغيرة جداً.

بؤرة صغيرة

"عظومة" الذي تحمل الرواية اسمه، وتحكي قصته العادية، كان صبياً ريفياً لأب ميكانيكي بارع. كان محباً للقراءة، ولديه تصورات وأسئلة فلسفية عن الوجود. ثم أصبح محاسباً في شركة حكومية كبرى من شركات عصر الستينيات، وتزوج "نوال" وهي امرأة جميلة، وأخت شخص نافذ في الشركة يدعى "سعيد". نحن أمام نموذج ينتمي بامتياز إلى زمن عبد الناصر، ارتقى طبقياً إلى حدٍ ما، وحقق كل المكاسب المتاحة لأمثاله: وظيفة، زوجة جميلة وابنة. فأين الخطأ التراجيدي؟ في أحد الأيام التقى رجلاً لا يعرفه، يعتقد أنه قريب له، دعاه إلى مكان غامض للقاء "الأساتذة"، وهناك أخبروه أن "كارثة" سوف تقع، وعليه أن يحذر الناس، وفي الوقت نفسه يجب ألا يخبر أحداً بهذا اللقاء. حدثوه عن "شيء شبيه بالكرة التي تتدحرج من تل مرتفع فتحط على الجميع، لتغمرهم غمراً بالبؤس والدمار" (ص81).

وقع اللقاء ـ فوق الواقعي ـ في الفصل السادس، أي منتصف الرواية المكونة من اثني عشر فصلاً. يجد "عظومة" نفسه صاحب رسالة ونذير، يجوب المقاهي مُبلغاً الناس عن "كارثة" لا يعرف ماهيتها، ولا أين ومتى تقع؟ كان التكليف بالإبلاغ بأمر الكارثة بمثابة بؤرة صغيرة تداعت منها كل الشروخ، وتشكلت رؤية "ديستوبية" لمستقبل مظلم. تنطلق من السياسي، والاجتماعي، إلى ما هو فلسفي ووجودي. فطالما أن "دوام الحال من المحال" وأن الموت نهاية كل حي، فلا يمكن لأحدنا أن يبقى للأبد في رخاء العيش وأوهام الأمان، وأكاذيب الآمال، فحتماً ستأتي لحظة ينهار فيها عالمه ويذهب إلى الحضيض والنسيان.

وجهان لعملة واحدة

لا يلعب الراوي دور المراقب المحايد لتحولات "عظومة" بل هو أيضاً بطل (ظل)، نموذج موازٍ. صديق طفولة قرأ الكتب نفسها، وعاش العصر والأحلام ذاتها. ومثلما يروي عن صديقه، يحكي عن ذاته وتجربته. تبدأ الرواية وهو يخبرنا أنه لم ير "عظومة" منذ سنوات، وعندما نجح في الوصول إليه كان يحتضر. ثم استعاد تفاصيل رحلة البحث عنه، متتبعاً كل خيط، ومستدعياً ما يشاء من ذكرياتهما، هما الاثنين.

لم يكن السؤال هل سيعثر عليه أم لا، لأنه أخبرنا ابتداء أنه عثر عليه. كذلك لم تعتمد اللعبة على توقع: هل سيموت "عظومة" أم يُنقذ، لأن الراوي أجاب منذ السطور الأولى بأنه كان يحتضر. فالسؤال الذي تأسست عليه اللعبة السردية: لماذا حدث ما حدث لعظومة؟ وبالتبعية للراوي نفسه. كلاهما مال إلى العزلة، وخرج بعيداً من تيار الحياة الدافق. كلاهما طلبت زوجته الطلاق وانفصلت عنه. فقط ورث الراوي عن أمه ثروة جعلته لا يحتاج لأحد، يعيش متوازناً في حياة مقبولة. كأن الرجلين تصوران للشخص ذاته، وجهان لعملة واحدة، مصيران محتملان لإنسان ما بعد النكسة. فمآل القلق والخوف والانحطاط، إما أن يأخذ دورته الكاملة، وحسه التراجيدي، حتى آخر مداه، وإما أن يحتفظ بالحد الأدنى من البقاء والمراوغة. تلك كانت النقطة الوحيدة التي تميز بها الراوي على رغم إقراره بالهزيمة، التي رآها تمتد إلى نماذج عشوائية، على اختلاف طبقاتها وظروفها، داخل المجتمع السكندري.

كابوس كافكاوي

في كل فصل سأل أحدهم عن "عظومة". لم يكن الأمر متعلقاً به، بقدر اتخاذه مرآة كاشفة عن الآخرين العابرين. ففي الفصل الأول يلتقي الراوي مع "عظومة" قبيل احتضاره، ثم يرتد بنا إلى رحلة البحث، فكانت البداية مع زميل دراسة قديم. ثم في الفصل الثاني مع "سعيد" رئيسه وشقيق زوجته، وهو نموذج للشخصيات الوصولية المفتقرة للموهبة غير أنه يجيد التملق والوشاية. وفي الفصل الثالث كان لقاء "لبيب" وهو صاحب محل حلاقة كريه، وفي الرابع التقى الراوي "المعلم جعفر" وهو نوبي غامض يتاجر في المخدرات. ثم في الفصل الخامس الشاب المقعد نجل "مدبولي" البقال، وكذلك "نوال" زوجة "عظومة". كل شخصية التقاها الراوي كانت تعرف جزءاً من قصة "عظومة"، وكأنها لعبة "بازل" يجري تجميعها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت الشخصيات جميعها نماذج لـ "الإنسان الصغير" العائش على هامش الحياة، الذي ينحدر ولا يعي ذلك الانحدار. كل منها يسعى للتعايش مع السقوط والتردي. وحده "عظومة" ظل متمرداً ومؤمناً برسالته الرؤيوية في التحذير من "الكارثة".

تتجاوز "الكارثة" كما أشرنا، طبيعتها السياسية والعسكرية، لتصبح كابوساً كافكاوياً لا خلاص منه. يتمدد بشخصياته، في فضاء سكندري، لا يرينا الإسكندرية الكوزموبوليتانية، ولا القصور والواجهة البحرية، بل تلك الأحياء الشعبية العشوائية التي توسعت رقعتها بمرور الزمن، كأنها كناية بصرية ومعمارية عن طبيعة "الكارثة" الغامضة التي لا يريد أحد أن يعترف بها: "أخذني الطريق المليء بالحفر إلى بقعة خالية إلا من بعض الأشجار الجافة التي تناثرت هنا وهناك. كان الهواء حاراً ومترباً" (ص158)

إن رواية "عظومة" لا تذهب إلى الأحداث الكبرى، بل تراقب تداعياتها على "الإنسان الصغير" في الهوامش والفضاءات المنسية. تسأل عن انكسارات أرواح ناس لا يعبأ بهم أحد... "كان في هذا الصمت ما يطمئن. لا مفاجآت بالمرة. الأمور محسوبة. كل شيء يمكن توقعه. التلفزيون ورائحة قلي البيض في المساء ومذاق الأشياء" (ص128).

المزيد من ثقافة