Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أربع روايات مصرية تعكس تناقضات الانتفاضة

يمثل كل عمل طرفاً في معادلة تجمع بين السلطة والمعارضة

غرافيتي الإنتفاضة على جدار في القاهرة (ا ف ب)

ملخص

في كتابها "يوتوبيا وديستوبيا الثورة"، تتناول الباحثة زينب محمد عبدالحميد بالنقد أربع روايات مصرية، يمثل كل منها طرفاً في معادلة تجمع بين السلطة والمحكومين، في ظل ثورة الـ25 من يناير (كانون الثاني) هي: "باب الخروج" (دار الشروق - 2012) لعز الدين شكري فشير، و"الطابور" (دار التنوير – 2013) لبسمة عبدالعزيز، و"عطارد" (دار التنوير – 2015) لمحمد ربيع، و"كلمات يونس الأخيرة" (دار روافد – 2016) ليوسف نبيل.

ترى الباحثة والمترجمة المصرية زينب محمد عبدالجميد في كتابها "يوتوبيا وديستوبيا الثورة" (دار صفصافة – 2025) أن محرك الثورة ضد نظام حكم الرئيس المصري حسني مبارك، "من فساد وطاقات مهدرة، كان كافياً لمد أحداثها وتطورها واستقطاب فئات متنوعة للمشاركة في هذا الحدث"، وتضيف أنه لم يكن مفاجئاً أن يندفع الشعب نحو الانفجار، "إلا أن مطالب الثوار فاجأت السلطة، إذ لم تتوقع أن تزج بهم الشعارات نحو السقوط، بعدما انتكست تحت لواء سلطوي شمولي بعباءة دينية" ص 51.

حاولت الثورة بعد ذلك أن تمتد في موجات جديدة، فإذا بها تعيد من جديد دفع أثمان من الأرواح في مواجهة قبضات سلطوية أكثر شراسة وإنهاكاً من سابقتها، ومن ثم تحولت المفاهيم والأوصاف من تضحيات لأجل الثورة إلى خسارات متتالية، ومن ثم تحولت المفاهيم والأوصاف من تضحيات لأجل الثورة إلى خسارات متتالية لا معنى لها، أو لنقل إن التضحيات تحولت إلى "هدر" إنساني واسع.

حملت الثورة تضحياتها لمقاومة مآسي الواقع، لا لتقف عند مدخل لديستوبيا أعمق يأساً، لكنها في بعض انتكاساتها أمام دوائر السلة وفقدان الفرد لقيمته راحت تدعم "مواساة" جديدة تتصور الأسوأ وتتخلص من سذاجة الأمل.

ديستوبيا ويوتوبيا

لاحظت عبدالحميد أن الروايات الأربع تنطلق من أزمة الواقع السياسي والاجتماعي، خاصة بعدما صارت الثورة نقطة جديدة لتصور المستقبل بكل ما يحمله من سمات، "أما النتائج، فقد أدت إما إلى ديستوبيا عميقة أو يوتوبيا مأمولة".

ورأت أن رؤية كل راو من رواة الحكاية، تجلت، لا في نتيجة العلاقات المطروحة وحدها، بل في تصوراته عن العالم القائم والعالم الممكن، وفق غاية روائية ترنو إلى تأمل التصورات الأيديولوجية التي يحملها كل طرف من أطراف البطولة الروائية، ورصدت انقسام كثير من الأدباء والمفكرين قبل ثورة الـ25 من يناير 2011 إلى فريقين، اشتركا في استقراء واقع يحث على الثورة ضد ضغوط على مستويات عدة، لكنهما افترقا بين مستشرف لأحداث الثورة المرتقبة ومبرِر لتأخرها، وأوضحت أن دفع الطبقة المتوسطة إلى دائرة الفقر كان من أهم دوافع الثورة، إذ تبنى أبناؤها أفكاراً عن العدالة والحريات والمواطنة وشكلت غالبيتهم محركاً نحو تغيير النظام.

تتبنى الدراسة فكرة أن الكتابة الأدبية "ثورية بطبيعتها"، مع التسليم بقيام بعض الروايات أو الكتابات الأدبية عموماً بالحث على الثورة، لكنها قد تسلبها قيمتها، إذ تتعامل معها بما ينفي عنها مدلولاتها، أو أنها أدت إلى تشويه الثورة لتغدو مجرد حركة تخلو من معناها الثوري الذي يضمن التطلع إلى عالم أفضل تسوده قيم العدالة والمساواة.

تحولات فارقة

كذلك تبتعد الباحثة عن تسمية الدراسة بـ"الثورة في الأدب"، لكون الحدث الثوري معطى قد يضيف إلى العمل قيمة فنية أو لا يضيف، فرصد الثورة في الأدب قد يؤدي بالدراسة إلى الاكتساء بطابع إحصائي.

ولاحظت الباحثة أن الروايات المختارة أبرزت توجهاً إبداعياً تزامن مع تحولات فارقة، إذ أتاحت الحالة الثورية فرصة الخروج من النمط الآني للأحداث، ومن ثم أفسحت المجال لاستشراف امتداد أثر الصراعات السياسية على المجتمع.

استخلصت رواية "الطابور"، بحسب نتائج الدراسة، عدداً من توترات الحياة المأزومة عند المحكومين، وكشفت أنماط شخصياتها عن الوهن الذي يحيونه أمام قوة الديكتاتور، ورأت عبدالحميد أن السرد في الرواية نفسها، استعرض التكوينات النفسية للشخصيات والتي تشي باستمرار علاقات لا نهائية من الإذعان والخنوع أمام السلطة.

ثم زادت "عطارد"، بحسب الباحثة، من معرفتنا بالحال النفسية لممارسي السلطة المطلقة، إذ ينزع السرد إلى استكمال عناصر البطش بتعزيز المحيط الزماني والمكاني للقاتل، "فإذا هما محيطان خربان: مكان مُحتل وزمن ممتد طاعن في البؤس، يؤكد كلاهما استمرارية الجحيم الذي لا مفر منه".

أما رواية "باب الخروج"، فقد تعاملت مع الثورة كبوتقة جامعة بين المحكوم والحاكم، لكنها لا تمد الحدث إلى تصوراته اليوتوباوية حيث الانتقال من الثورة إلى النصر، بل عالجت الحدث الثوري بوصفه نقطة انطلاق لمأساة ممتدة جمعت بين السبب والنتيجة، فكان جهل الحكام بالمحكومين سبباً في تعميق الفجوة بينهما، ولم يؤد الاختلاط بين الطرفين أو معرفة مبتغى كل منهما سوى إلى استغلال ذلك لاستجلاب مزيد من المآسي التي تنامت مع تواتر الصراع الأيديولوجي وتناوب التيارات السياسية المختلفة على الحكم.

 فيما استبعدت اليوتوبيا في رواية "كلمات يونس الأخيرة"، فكرة تنميط المحكومين وتمثيلهم كما لو أنهم كتلة واحدة مستهلكة من جماعة سلطوية فاعلة، فأنتج أبطالها مفاهيمهم الخاصة التي تعلي من قيمة الفرد وتضع أفكاره ضمن حلقة التغيير التي تبحث عن بدائل لديستوبيا مفروضة مرفوضة، ومن ثم أنتجت الرواية نفسها شكلاً خاصاً للحدث، "متخذة من تصورها عن الزمان والمكان أبعاداً تسير في خطوط أفقية متنامية، ساعية نحو التخلص من الحدث الآني إلى آخر مستقبلي بديل" ص 308.

فضاءات متباينة

تضمنت الدراسة التي احتواها الكتاب مقدمة بعنوان "حول الثورة: التداول والإحلال"، ذهبت فيها الباحثة إلى أنها لم تستطع وضع حدود زمنية واضحة لثورة الـ25 من يناير، إذ إنها قد تتشكل في حدث واحد يمثل الثورة في مجملها من جانبها السياسي، ثم تتبعها تغيرات اجتماعية واقتصادية على مدى زمني واسع، "أو قد تتبعها موجات ثورية جديدة، ومن ثم لا يمكن رصدها إلا بعد انقضاء مدة زمنية طويلة" ص 13.

وجاءت الدراسة في أربعة فصول، أولها عنوانه "يوتوبيا وديستوبيا الثورة"، والثاني "أنماط الشخصيات من الاستقرار إلى الخلاص"، والثالث "الأحداث والتطلع إلى محو الأنسنة"، والرابع "الزمان والمكان بين اليوتوبيا والديستوبيا".

وفي الخاتمة رأت أن فن الرواية عموماً يستوعب محيطه الإبداعي الاجتماعي والتاريخي والتراثي والتجريبي، فلا يقف عند حدود تشكيلية سابقة، بل يتطور ويتنوع وفق قدرة الكاتب على تطوير أدواته وتطويع معارفه ليصل إلى مبتغاه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولاحظت أن الروايات الأربع المدروسة أظهرت فضاءات متباينة ساعدت على رسم بانوراما لعوالم روائية ممثلة للتنوع المكاني للحدث، حيث رؤيتها لعالم القتلة الفوقي في رواية "عطارد" الذي يفرض الهيمنة في مقابل المهدور التحتي، وعالم المحكومين المصطفين في طابور أفقي محدود (في رواية بسمة عبدالعزيز) يفرض قوانينه على المهدورين في مقابل الساحة الحرة، وعالم الحاكمين المنعزلين في حيز مألوف في رواية "باب الخروج"، في مقابل عالم الغربة للمواطنين الرُحل.

وعكست "كلمات يونس الأخيرة"، مع الروايات الثلاث الأخرى، "المأساة التي لا تستطيع تجاوز وعيها القائم بمستوييه المكاني والزماني لآخر ممكن يتجاوز الحدود.

رؤية بانورامية

وعموماً سادت الرؤية الديستوبية للمستقبل سواها من الرؤى التي تتبنى حلولاً لأزمة المجتمع سياسياً واجتماعياً بعد أحداث الثورة.

وتضافرت الروايات المختارة، كما تقول زينب محمد عبدالحميد، في تقديم رؤية بانورامية للحدث المأسوي عبر وجهات نظر ثلاث، رؤية المنظومة الحاكمة في "باب الخروج"، ورؤية المحكومين في "الطابور"، والقائمين على تنفيذ قرارات السلطة والمتعاملين مع الجمهور المهدور في "عطارد".

فيما تلتقط "كلمات يونس الأخيرة" دور المثقف في عوالم المأساة من معارضة النظام الاستبدادي إلى مساندته، "ولا تفصل نفسها عن الحاضر القائل بموازاة مصالح المثقف لأهداف السلطة" ص 171.

وتمثل هذه الرواية اليوتوبيا إذ تبدأ شخصياتها باغتراب فردي ومحاولة للخلاص الذاتي، إلا أن مشروعها الموازي يخلق من الرغبة الفردية بذوراً لعدد من المؤسسين لمجتمع مستشرف للخلاص الجمعي بما يحمل من سمات للعدل والمساواة بين أفراده، بينما تنسج الديستوبيا مقايضات تعنى بتقديم فكرة الخلاص الفردي الزائف على الخلاص الجماعي، وذلك من طريق تلبية حاجات أولية مقابل انصياع شخصيات العالم المأسوي مكبلين بأغلال القمع الجماعي ومن ثم الدفع نحو توريث المأساة وإعادة خلق الأنماط السلطوية، وهدر الانتماء الوطني، وتحفيز الانتماء إلى مصالح الذات شرطاً من شروط الاستقرار الفردي وإشباع المصالح والمتطلبات الغريزية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة