ملخص
عما إذا كانت إيران بصدد إغلاق المضيق من عدمه، فإن محللين ومتخصصين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" يعتقدون أن الحرب ستطاول إغلاق المضيق وحركة التجارة الدولية العابرة ببحر العرب وقناة السويس، وأن الخسارة ستطاول الجميع، بما في ذلك حلفاء إيران الاستراتيجيون، في إشارة إلى الصين وروسيا.
بعد هجمات أميركية – إسرائيلية مكثفة على إيران، تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز باعتباره أحد الأوراق التي قد تملكها إيران في مسعاها للرد على الهجمات، في وقت يشكل المضيق شرياناً حيوياً للنفط والغاز، كونه بوابة لعبور ما يقارب 20 مليون برميل من النفط الخام ومشتقاته، أي ما يعادل خمس الاستهلاك العالمي تقريباً، ومعبراً لأكثر من 20 في المئة من تجارة الغاز الطبيعي المسال في العالم.
كثيراً ما هدد سياسيون وعسكريون إيرانيون بإغلاق المضيق حال استهدفت بلادهم بحرب شاملة، وهو سيناريو يخشاه الجميع، في الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، بفعل اعتمادهم على الطاقة العابرة من تلك المنطقة، وهو ما قد يرفع أسعار النفط، ويربك خطط البنوك المركزية في ترويض التضخم.
أحدث التقديرات أشارت إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط الخام إلى ما بين 95 و110 دولارات للبرميل إذا واجهت إمدادات النفط الإيرانية ومضيق هرمز اضطراباً وسط التوترات المستمرة، وذلك وفقاً لتقرير صادر عن شركة "إيكويروس" للأوراق المالية.
اتساع نطاق الصراع الأميركي - الإيراني
يستند التقرير إلى فرضية تعطل إنتاج إيران البالغ 3.3 مليون برميل يومياً، الذي يمثل نحو ثلاثة في المئة من الإمدادات العالمية، مع احتمال استجابة سعرية بنسبة 3-5 في المئة لكل صدمة في العرض بنسبة واحد في المئة، مما سيترجم إلى ارتفاع في الأسعار بنسبة تراوح ما بين 9 و15 في المئة.
وقد يؤدي اتساع نطاق الصراع الأميركي - الإيراني إلى تضييق أسواق الغاز الأوروبية، وفقاً لمذكرة صادرة عن شركة "خدمات معلومات السلع المستقلة" (ICIS) ومقرها لندن، إذ تشير نماذج الشركة إلى أن توقف صادرات الغاز الطبيعي المسال القطري إلى أوروبا لمدة 90 يوماً، إلى جانب انخفاض توافر الشحنات الفورية، سيؤدي إلى تضييق حاد في ميزان الغاز الطبيعي المسال العالمي، وتكثيف المنافسة بين آسيا وأوروبا على الإمدادات المرنة.
وقبل أيام، أطلق "الحرس الثوري" الإيراني مناورة بحرية بعنوان "السيطرة الذكية على مضيق هرمز" في هذه المنطقة الاستراتيجية، عقب تأجيل مناورات مشتركة كانت مقررة مع روسيا والصين الشهر الماضي بسبب التوترات الإقليمية.
عواقب اقتصادية كبيرة على طهران
في المقابل، ثمة من يستبعد فرضية إغلاق إيران لمضيق هرمز بالكامل، معتبرين أن أي إغلاق سيكون له أيضاً عواقب اقتصادية كبيرة على طهران، مشيرين إلى أن طهران لم تغلق أهم نقطة عبور نفطية في العالم على الإطلاق، على رغم استهداف حركة ناقلات النفط خلال الحرب الإيرانية العراقية في أواخر الثمانينيات.
ويؤكد مركز دراسات الموانئ الدولية (ICIS) الأهمية الاستراتيجية البالغة لمضيق هرمز، فإغلاقه فترة طويلة سيؤدي إلى تعطيل ربع تدفقات النفط العالمية المنقولة بحراً، وخمس تجارة الغاز الطبيعي المسال، أما بالنسبة إلى أوروبا، فسيكون التأثير المباشر الأبرز هو فقدان كميات الغاز الطبيعي المسال التي تعبر الخليج.
وعما إذا كانت إيران بصدد إغلاق المضيق من عدمه، فإن محللين ومتخصصين تحدثوا لـ"اندبندنت عربية" يعتقدون أن الحرب ستطاول إغلاق المضيق وحركة التجارة الدولية العابرة ببحر العرب وقناة السويس، وأن الخسارة ستطاول الجميع، بما في ذلك حلفاء إيران الاستراتيجيون، في إشارة إلى الصين وروسيا.
الشرق الأوسط عقدة حيوية للتجارة العالمية
المتخصص في الاقتصاد السياسي مدحت الشريف يرى أن الشرق الأوسط ككل يشكل عقدة حيوية للتجارة العالمية بفضل ممراته ومساراته البحرية الاستراتيجية ومنها مضيق هرمز، وتعزز ثرواته الطبيعية الهائلة، وعلى رأسها الطاقة، مكانته كساحة محورية في توازنات النفوذ الدولي.
ويعتقد الشريف أن الخسارة المتوقعة ستطاول الجميع، غير أن الولايات المتحدة تستهدف الإضرار بالصين التي تستحوذ على النفط الإيراني المعاقب، وأن بكين تنظر إلى تهديد خطوط الإمداد البحرية باعتباره تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
ويتحدث المتخصص الاقتصادي عن أهمية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأميركية، ليس فقط باعتباره مصدراً رئيساً للطاقة، بل كعقدة عبور حيوية للمواد الخام القادمة من أفريقيا، التي تمر عبر قناة السويس في طريقها إلى الصين، وتندرج محاولات واشنطن لإعاقة مبادرة طريق الحرير الصيني ضمن هذا الإطار الأشمل للصراع الجيوسياسي.
طول مدة الحملة العسكرية
يرى المتخصص الاقتصادي مدحت الشريف أن التقديرات تشير بوضوح إلى أن الضربة الموجهة لإيران لا تقتصر على الأبعاد العسكرية فحسب، بل تحمل أبعاداً اقتصادية مهمة، موضحاً أن الولايات المتحدة، بعد سيطرتها على حقول النفط في فنزويلا، أصبحت قادرة على تأمين حاجاتها النفطية، بل ويمكنها أيضاً دعم حلفائها أو الدول ذات العلاقات الجيدة معها بإمدادات إضافية في حال تعثرت تدفقات النفط من منطقة الخليج.
الشريف أضاف أن هذا السيناريو يظل متوقعاً، مؤكداً أن طول أمد الحملة الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران سيضاعف من حجم التأثيرات في الاقتصاد العالمي، ولفت إلى أن الصين لم تكن بعيدة من المشهد، إذ رفعت خلال الفترة الماضية احتياطاتها النفطية إلى مستويات غير مسبوقة، في خطوة تعكس استعداداً مبكراً لأي تصعيد محتمل قد يهدد أمن إمدادات الطاقة لديها.
الاقتصاد العالمي في مرمى الصراع
ويلفت الشريف إلى أن بكين اتجهت أيضاً إلى تنويع مصادر الطاقة عبر زيادة الاعتماد على روسيا، التي تواجه بدورها عقوبات غربية بسبب الحرب الأوكرانية، وهو ما جعل الصين تمثل منفذاً آمناً لموسكو لتصريف صادراتها من الطاقة والحصول على موارد مالية مهمة.
ويتوقع أنه في حال استمرار التصعيد العسكري في الخليج نتيجة التنسيق الأميركي - الإسرائيلي ضد إيران، فإن التداعيات ستطاول الاقتصادين العالمي والإقليمي، وكذلك مصر، لافتاً إلى أن ما بين 25 و30 في المئة من التجارة الدولية تمر عبر الخليج، وتحديداً مضيق هرمز، بقيمة تقدر بنحو 3 تريليونات دولار سنوياً، مما يجعل أي اضطراب في الممر تهديداً مباشراً لمعدلات النمو العالمية.
فاتورة النقل
وبين أن الشرق الأوسط يصدر نحو 15 في المئة من إمدادات الطاقة العالمية، ويستحوذ على نحو 17 في المئة من إنتاج الغاز، إضافة إلى قرابة ثلث إنتاج النفط العالمي، وهي أرقام تجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي توتر في المنطقة.
وفي ما يتعلق بكلفة النقل، رجح الشريف ارتفاع كلفة شحن ناقلات النفط بصورة حادة قد تصل إلى 300 في المئة إذا استمرت الاضطرابات أسابيع عدة، موضحاً أن كلفة استئجار ناقلة نفط قد تقفز من نحو 50 ألف دولار إلى ما بين 150 و170 ألف دولار، فضلاً عن ارتفاع كبير في أقساط التأمين، مما سيدفع أسعار النفط إلى الصعود.
وأوضح أن متوسط سعر البرميل قبل التصعيد كان يدور بين 72 و75 دولاراً، لكنه مرشح لتجاوز 100 دولار، وقد يصل وفق بعض التقديرات إلى ما بين 105 و120 دولاراً للبرميل إذا تفاقمت الأزمة أو جرى تعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
صناعة البتروكيماويات والأسمدة الخليجية
أشار الشريف إلى أن التحركات الاستخباراتية والدبلوماسية التي سبقت الضربة هدفت، على ما يبدو، إلى تقليص فرص حصول إيران على دعم إقليمي أو دولي، في ظل توترات متزامنة شهدتها ساحات عدة في المنطقة.
وحذر من أن أي اضطراب ممتد سيؤثر أيضاً في صناعة البتروكيماويات والأسمدة الخليجية، التي تمثل ما بين 10 و15 في المئة من تجارة الأسمدة النيتروجينية عالمياً، وهو ما قد ينعكس على الأمن الغذائي العالمي، لأن هذه الأسمدة عنصر أساس لا يمكن الاستغناء عنه في الإنتاج الزراعي.
وفي ما يخص مصر، أكد الشريف أن ارتفاع كلفة النقل والتأمين وتحول بعض ناقلات النفط إلى طريق رأس الرجاء الصالح قد يقلل من حركة السفن عبر قناة السويس، بما يحمل تداعيات سلبية على الإيرادات.
وأضاف أن الأخطار قد تتفاقم إذا توسع نطاق الصراع، واختتم بالتأكيد أن المشهد لا يزال مفتوحاً على سيناريوهات أكثر تعقيداً إذا طال أمد المواجهة في المنطقة.
ارتفاع كلفة التأمين على السفن
أما المتخصص الاقتصادي عبدالمنعم السيد فيرى أن التأثيرات المحتملة ستشمل كثيراً من القطاعات، بدءاً من النفط الذي يرجح ارتفاعه إلى مستويات تتجاوز 120 دولاراً إلى 150 دولاراً للبرميل، وفق تقديرات بيوت خبرة دولية حال إغلاق مضيق هرمز، وصولاً إلى ارتفاع كلفة التأمين على السفن والشحن البحري في المنطقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويقدر السيد ارتفاع أقساط التأمين البحري بما يراوح ما بين 30 و50 في المئة، وسرعان ما سيترجم إلى ارتفاع في معدلات التضخم وفواتير استيراد الغذاء والخامات، وتعطل سلاسل الإمداد العالمية، مشيراً إلى أن قناة السويس من بين أبرز مناطق العبور الحيوية التي ستتأثر بالحرب.
وكانت عملاقة الشحن الدنماركية "ميرسك" قالت إنها ستعيد توجيه بعض رحلاتها البحرية القادمة حول رأس الرجاء الصالح، بعد مواجهة قيود غير متوقعة في منطقة البحر الأحمر بصورة موقتة، مشيرة إلى أنها تواجه في الوقت الراهن قيوداً غير متوقعة ناجمة عن بيئة العمليات الأوسع نطاقاً في المنطقة، وأن تلك الظروف تعقد عملية المرور من دون تأخير.
الضغط على سعر صرف العملات
على صعيد أسواق المال، يرجح المتخصص الاقتصادي خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية في أدوات الدين الحكومية، إلى ملاذات أكثر أمناً مثل الذهب والدولار والسندات الأميركية، وهو ما من شأنه الضغط على سعر صرف العملات ورفع كلفة التمويل الخارجي، وضغوط أعباء خدمة الدين.
ويعتقد السيد أن التداعيات للاتحاد الأوروبي كمثال مهم لن تقتصر على توقف إمدادات النفط وارتفاع أسعاره فحسب، إذ يشكل المضيق أيضاً ممراً حيوياً لشحنات الغاز الطبيعي المتجهة إلى أوروبا، مشيراً إلى أن الاعتماد الأوروبي منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا وما تبعه من عقوبات أصبح أكبر على طاقة الخليج.
وأنه على رغم الجهود الأخيرة لتوسيع قدرات تخزين الغاز، فإن أي اضطراب أو انقطاع مطول في الإمدادات قد يهدد أمن الطاقة ويدفع الأسعار إلى ارتفاع حاد في مختلف أنحاء أوروبا، بحسب المتخصص.
مضيق هرمز نقطة الاختبار الأخطر
على الأرجح لا تزال الصورة غير مكتملة بعد مع تسارع التطورات الجارية بفعل الحرب المشتعلة، لكن في المحصلة يبقى مضيق هرمز نقطة الاختبار الأخطر في معادلة التصعيد الإقليمي، إذ إن أي اضطراب في هذا الممر الحيوي لن يظل شأناً جيوسياسياً فحسب، بل سيتحول سريعاً إلى صدمة طاقة عالمية تمتد آثارها إلى الأسعار والتضخم وسلاسل الإمداد.
وبين حسابات الردع وكلفة المغامرة تظل الأسواق العالمية تترقب بحذر، مدركة أن أي خطوة غير محسوبة في هذه البقعة الضيقة قد تشعل موجة اضطراب اقتصادي يتجاوز حدود المنطقة إلى العالم بأسره.