ملخص
في المجموعة الجديدة "النوارس تريد أفكاراً واضحة" للشاعرة الأردنية زليخة أبو ريشة، نتابع تحولات الحب وصوره المتكثرة التي تكاد تكون الثيمة الأساسية التي أقامت الشاعرة في معبدها، ولا تزال منذ مجموعاتها الأولى "تراشق الخفاء" (1998) و"غجر الماء" (1999) و"تراتيل الكاهنة ووصايا الريش" (2000)، وصولاً إلى "مثل إنه الحب" 2022.
"النوارس تريد أفكاراً واضحة" الصادرة حديثاً، عن دار "خطوط وظلال"، مجموعة جديدة وقديمة، فبعض قصائدها كتبت قبل نحو 20 عاماً، ومقدمتها أنشأها الناقد رشيد العناني في عام 2013، وظلت المجموعة مخبوءة في أدراج الشاعرة، حتى قررت الإفراج عنها ونشرها أخيراً.
هل في هذه التفاصيل ما يهم، لجهة المقاربة النقدية لهذه المجموعة، وهل للتاريخ أثر في رصد صعود الذائقة الإبداعية لدى الشاعرة وانصقالها، كما تفعل المدرسة التاريخية في النقد الأدبي حينما تدرس العمل الأدبي كوثيقة تاريخية، رابطة إياه بسياقاته الزمنية والاجتماعية والنفسية؟
ربما، في بعض الأحيان، يمكن زمن النص من العثور على ثيمات هنا وهناك تساعد الناقد على تكوين صورة ما لتقييم تطور اللغة وكثافتها واغتنائها بالخبرة الثقافية، وربما يكون النص أصداء مباشرة لتجربة معينة، أو صدمة ما، مر بها الكاتب.
بيد أن الحال ومجموعة أبو ريشة الأخيرة، لا يبين عن مؤشر واضح، سواء في هبوط التعاطي مع الشعر (قصيدة النثر هنا) أو ارتقائه، مما يعني أن الشاعرة، لا سيما في الـ20 عاماً الأخيرة، ظلت تتطور من الداخل، وظل الحفر الرؤيوي لديها يضيق حدة، ويتكثف من أجل صقل لغة تتخلى باطراد عن الإطناب، وتنفتح أكثر على التجريب، وبخاصة في ما تعلق بتعريف الشعر، والرغبة الجامحة في إعادة الاعتبار للغة، وفتح تيارات التداعي فيها إلى أبعد مدى.
انشقاق شعري
القراءات الأولى للمجموعة (216 صفحة) التي ضمت نصوصاً نيفت على الـ40، تومئ إلى أن الوعي باللغة الذاهبة إلى الاشتباك مع فضاءات القصيدة النثرية، هو وعي محكم، ليس باللغة وحسب، بل بالقدرة والرغبة في إحداث انشقاق في كتابة هذه القصيدة، وأقله البناء على الانشقاقات التي حدثت في جسد هذه القصيدة وتوسيعها، وتعميق فكرة الحرية، وفتح آفاق التعبير، وهتك حجب الرقابة، سواء أكانت رسمية أم اجتماعية.
والحرية في التعبير تكاد تكون لازمة في مشروع زليخة أبو ريشة التي لم تحصر نفسها في الكتابة، ولم تكتف بالنضال الجندري وسجال النسوية، بل إنها، إلى ذلك، انخرطت بكليتها في الكفاح الاجتماعي السياسي "الشرس" ضد السلطات كلها، وبخاصة سلطة القوى والتيارات الرجعية التي تعمل على جر الناس إلى زمن الأقبية وتكميم الأفواه، والتعامل مع المرأة، خصوصاً، كأنها عبدة أو جارية، وتجريدها من كرامتها، وإخضاعها لمنطق ذكوري سقيم هدفه تهميش النساء، ونزع فاعليتهن.
إذاً، لا غرو في أن تتنفس النصوص الشعرية في هذه المجموعة وسواها، من هواء الحرية الطلق هذا الذي لم يتحقق لزليخة بيسر، بل انتزعته بقلمها وعقلها وإرادتها التي لا تهادن، ولا تلين. وبالتأكيد أن نصوص "النوارس تريد أفكاراً واضحة" تستمد قوتها التعبيرية من شجاعة الشاعرة على المستويين الشخصي والعملي.
عدة معرفية عابرة للثقافات
وفضلاً عما سبق، فإن ما كسا المجموعة الأخيرة هذا السبك اللغوي المرهف، هو امتلاكها عدة معرفية عابرة للثقافات، لذا تفيض النصوص بالسهولة المفخخة، إذ لا عوائق، ولا مطبات، ولا محاولات لاستعراض البلاغة. بل، وحسب، فتح كوى للتأمل في أحوال اللغة وهي تتجول في حدائق الحب، مختالة باكتشافات مطردة جعلت الشاعرة تكتب كما لو أنها تخط للمرة الأولى قواعد الكلام وأصوله.
الحب أكثر مفردة تتكرر في هذه المجموعة، وما سبقها. لكن الحب، في توالي وروده، يأتي: "في الوجد الوليد"، حين "أضع يدي على وجهك"، وينبع من الذكريات، ويطلع من الصور، ويتراءى عبر شرفة يفتح فيها "الجار زجاجة شهواته"، ويتجسد في "قبلة على النهر" أو في "الأفكار القديمة عن الجوى"، أو التساؤل "بأي الأنوال حيكت قمصان بهائك؟"، كما يأتي من خلال الظل، حيث "ليس ظل المرأة امرأة، إنه فكرتها".
وكانت الناقدة السعودية فوزية أبو خالد في تفصيل ذلك، وهي تقدم مجموعة زليخة السابقة "مثل أنه الحب": "تكتب زليخة عن الحب بتساؤل فتاة في السادسة عشرة، وتكتب عن الحب كهواء نتنفسه كل يوم.. تكتب عن الحب كمحال.. تكتب عن الحب كعرض زائل، وتكتب عن الحب كوجود خالد".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعمق هذا المنحى الشاعر أدونيس، إذ يكتب في تقديم آخر: "يدعو الشعر بلغة زليخة أبو ريشة العشاق والعاشقات إلى أن يصغوا لموسيقى الجسد الذي هو الشمس التي تسمى الحب. وأظن أن الهواء يحمل وسوسة تقول إن الشمس أقسمت أن ترجئ أوان الغروب".
ولئن كانت الشاعرة تقلب الحب على وجوهه اللامتناهية، فإنها تتأمل في أثناء ذلك أحوال الوجود الفيزيقي والميتافيزيقي، وتحمل الكلام على أجنحة الفلسفة والتصوف، لكن ذلك لا يتجلى مباشرة، بل إنه مصهور في الذرات غير المرئية، وإنما المدركة بالحواس كلها، كأن الشاعرة تفرك الياسمين بأصابعها وتنثره في الريح.
وفي حين تتوخى زليخة أبو ريشة لنصوصها نهايات مفتوحة، فكأنها تشير إلى أن القصيدة لم تنته، وأنها مفضية إلى قصيدة جديدة قوامها الحب والحب، والتحديق في مرايا الجسد من خلال تصورات حسية "أبقورية" تعتبر اللذة أو المتعة هي الخير الأسمى، والغاية النهائية للحياة، والألم هو الشر الوحيد. وبالتالي فإن قصيدة الحب عند زليخة تستبطن اللذة المستدامة كتحرر من الألم وقلق الروح، لا مجرد تنويعات لغوية لمعاينة الشهوات العابرة.
حقول ألغام
وباستنادها إلى خزينتها المعرفية واللغوية التي أشرنا إليها، وباستخدامها "المكر" الفني، تمكنت الشاعرة من اجتياز حقول ألغام كثيرة، من دون التورط في المباشرة والهجاء الذي يصفي حسابات مع ماضي الأشياء والأشخاص، وهذا يعزى إلى حيازتها سر الخلق التعبيري الآتي من لغة تحولت في يد الشاعرة إلى عجينة تشكلها كيفما شاءت. ولهذا نجحت في جهودها التجريبية لنزع الفاصل بين الشعرية والنثرية والتقريرية، وحتى الإخبارية، فكانت الهوامش والإحالات جزءاً من النص الشعري، وهو ما يمكن أن يعترض عليه القارئ النمطي الذي لا يتخيل إحالات كهذه تصلح فقط للبحوث والدراسات الأكاديمية.
كما أن الشاعرة تستثمر في طاقة الفراغ أو النقاط أو القصيدة البيضاء، مقدمة نصوصاً مغامرة تستوحي من "السيموطيقيا" التي تنظر إلى اللغة بوصفها نظاماً من العلامات المترابطة المتشكلة من الرموز والنقاط والفراغ بين الكلمات والأسطر وأدوات تنظيم الكلام، وهذا ما نظر إليه وأسس لعلمه اللغوي والفيلسوف السويسري دو سوسير.
وفي مقطع من قصيدة "بعض صفات الكائن" يغرف من معين الروح القرآنية، ومن اللغة التي لا غبار فيها، ولا عليها، تقول الشاعرة زليخة أبو ريشة: "حتى إذا ما لاح وراء حجاب وتجلى، صاح مريدو اللوعة: إنا كنا نظرنا في العطفين، فسامحنا".