Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ثروات أفريقيا الطبيعية تتحول إلى لعنة تطارد شعوبها

تضم جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 70 في المئة من الإنتاج العالمي للكوبالت فيما تملك زيمبابوي وناميبيا ومالي احتياطات هائلة من الليثيوم

يتصاعد التنافس الدولي على ثروات القارة الثمينة مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم (رويترز)

ملخص

تعرض الولايات المتحدة الأميركية على دول، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، تقديم دعم أمني لاستعادة الاستقرار في مقابل إبرام صفقات من أجل استغلال ثرواتها، وهو ما يسلط الضوء على معضلة رئيسة تواجهها هذه الدول.

تكشف الهجمات المتصاعدة التي تشنها الجماعات المسلحة ضد مواقع إنتاج في دول أفريقية مثل مالي والنيجر، وأيضاً المنافسة المحمومة بين الصين والولايات المتحدة على معادن هذه الدول مثل الليثيوم والكوبالت، مفارقة تكمن في أن هذه الثروات عدت في البداية نعمة لهذه الدول التي تتقاذفها الأزمات الأمنية والاقتصادية، لكنها الآن باتت لعنة حقيقية تفتك بأبنائها وبثروتها، فقد شهدت النيجر ومالي أخيراً هجمات غير مسبوقة استهدفت مواقع إنتاج، فجرى خطف عمال واستهداف شحنات من الوقود وغير ذلك، فيما يتصاعد التنافس الدولي على ثروات القارة الثمينة مثل الكوبالت والنحاس والليثيوم، وبينما تعرض الولايات المتحدة الأميركية على دول، مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية، تقديم دعم أمني لاستعادة الاستقرار في مقابل إبرام صفقات من أجل استغلال ثرواتها، فإن ذلك يسلط الضوء على معضلة رئيسة تواجهها هذه الدول.

فضاء هش

تواجه دول الساحل الأفريقي تنافساً محموماً بين القوى الدولية على ثروات هذه المنطقة التي تشهد مأزقاً أمنياً كبيراً، حيث تفرض جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" حصاراً على العاصمة المالية باماكو، فيما صعّدت الجماعات المسلحة هجماتها في بوركينا فاسو والنيجر، حيث تملك أفريقيا نحو 30 في المئة من احتياطات العالم من المعادن، بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والذهب واليورانيوم والنحاس.

وعدّ الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية سلطان ألبان أن الهجمات على مواقع الإنتاج في النيجر ومالي وبوركينا فاسو لم تعُد مجرد أعمال عنف معزولة، بل أصبحت تشكل واجهة تعبر عن حقيقة الصراع القائم بين القوى المحلية والإقليمية والدولية على هذه الأرض وثرواتها، وتزايد استهداف مواقع الإنتاج يعني أن الجماعات المسلحة لم تعد تكتفي بضرب رموز الدولة من منشآت عامة وثكنات عسكرية، بل اتجهت إلى ضرب قلب القدرة الريعية للدولة من خلال استهداف قوافل الشركات وخطف الأجانب، وهنا يصبح المنجم الهدف الإستراتيجي للجماعات، إذ لا يقل أهمية عن الثكنات أو المطارات أو المنشآت العامة، لأنه يمول الجيش والنظام وحلفاءه، ويوفر منفذاً مالياً للجماعات المسلحة.

وأوضح ألبان في حديث خاص أن "هذه المواقع والثروات توجد وسط فضاء هش تتقاطع فيه جوانب ثلاثة، أولها عجز الدولة عن بسط الأمن، وثانيها عجز النخب عن توزيع عوائد الثروة بصورة عادلة، وثالثها عجز المنظومة الدولية عن تجسيد وبناء شراكات إنتاج حقيقية لا تقوم على استخراج الخام في مقابل عوائد وحصص عادلة"، مشدداً على أن التنافس الأميركي - الصيني حول المعادن الثمينة في الدول الأفريقية لا يؤدي بالضرورة إلى الحرب، لكنه يرفع أسهم الفوضى كلما زادت قيمة معدن ما، ولا سيما تلك التي تستخدم في صناعة البطاريات والشرائح والتكنولوجيا المتقدمة، وهي معادن تزيد من شهية الشركات الكبرى للاستثمار بأي ثمن، من خلال تحالفات مع أنظمة انتقالية هشة مع تحمل كُلف أخطار أمنية عالية، مثل اختطاف العمال وغير ذلك.

ولفت ألبان إلى أن "هذا التنافس يحول دول أفريقيا إلى هامش الصراع بين نموذج صيني يغامر في البيئات الخطرة للسيطرة على السلاسل من المناجم إلى المصانع، ونموذج أميركي يحاول كسر احتكار بكين بتأمين حصص من الخام ونقل قيمة منه إلى خارج القارة، وفي كلتا الحالين تبقى الحلقة الأضعف المجتمعات المحلية التي ترى ثرواتها تمر أمام أعينها من دون أن تستفيد منها لتغيير واقعها".

استنزاف كبير

تضم جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تشهد تمرداً عنيفاً نحو 70 في المئة من الإنتاج العالمي للكوبالت المستخدم كمادة لا غنى عنها في صناعة السيارات الكهربائية، باحتياطات تقدر بـ 4 ملايين طن، فيما تمتلك زيمبابوي وناميبيا ومالي احتياطات هائلة من الليثيوم، ويعتقد الباحث السياسي النيجري عيسى مونكايلا أن "هذه الثروات تحولت بالفعل إلى لعنة تطارد شعوب أفريقيا لأسباب عدة، من أهمها أن هذه الثروات تتعرض إلى استنزاف كبير من الشركات الأجنبية في مقابل حصص ضئيلة للدول الوطنية، وأيضاً استغلال مواقع الإنتاج في كثير من الأحيان لتمويل حركات التمرد أو الجماعات المتشددة عند استيلائها عليها".

وبيّن مونكايلا أن "هناك معطيات أخرى مثل الكلفة البشرية التي يصعب تحملها، فكثير من القصّر يجري تشغيلهم قسرياً في مواقع الإنتاج، ويُضحى بمسارهم التعليمي من أجل استخراج الذهب الأبيض (الليثيوم) أو اليورانيوم في النيجر، وهو ما يدفعهم إلى مستقبل مجهول"، مشدداً على أن "هناك أيضاً كلفة بيئية ضخمة لاستنزاف الموارد الأفريقية، لأن الشركات الأجنبية الكبرى لا تولي أي أهمية للبيئة عند ضخها تمويلات في استثمارات التنقيب عن الثروات".

تضاعف احتمالات العنف

وعلى رغم حجم الأخطار الأمنية لكن شركات أجنبية تجازف بالفعل، وخصوصاً الصينية منها، بضخ استثمارات هائلة في هذه الدول لاستخراج المعادن، وهو ما يجعل عمالها عرضة للاختطاف، وتكمن خطورة ذلك كون هذه الشركات تدخل في تفاوض مع الجماعات المسلحة التي تحصل في كثير من الأحيان على فدية مالية من أجل الإفراج عن هؤلاء العمال.

ويؤكد ألبان أنه "عندما تشتد الضربات على مواقع الإنتاج تتراجع ثقة المستثمرين، فترد الحكومات إما بمزيد من عسكرة الدولة أو التدخل السياسي في نشاط الشركات، مثل إعادة التفاوض والاعتقالات أو مصادرة الرخص، وهذا ما بتنا نشاهده اليوم في مالي والنيجر تجاه الشركات الغربية، وبهذا يتحول منجم الذهب أو اليورانيوم إلى نقطة فولاذ احتكاكية بين السلطة والجماعات المسلحة، وبين السلطة والسكان والسلطة والشركات الأجنبية، مما يضاعف احتمالات العنف بدلاً من أن يفتح باب التنمية وتعزيز السلام"، مشيراً إلى أن "الطريقة التي تدار بها الثروة الأفريقية تحولها إلى نقمة، لأن المعدن بحد ذاته لا يحمل لعنة لكن لعنة المنطقة تحمل معادلة غير متوازنة، من دول ضعيفة ومجتمعات مهمشة وحدود رخوة، مع اقتصاد عالمي يعتبر هذه المعادن أمناً قومياً خارجياً أكثر مما يعتبره فرصة لبناء عقد اجتماعي داخلي".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير